من انا بقلم فاتن سليم

من أنا؟
بقلمي / فاتن سليم
قصة مستوحاة من أحداث واقعية
لم أكن أعرف أن جملة واحدة قد تقلب العمر كله إلى جحيم…
ولم أكن أتخيل أن باب بيتنا، حين طُرق تلك الليلة، كان يُغلق خلفه آخر يوم عشته كإنسانة.
اسمي زهرة…
فتاة عادية، في التاسعة عشرة من عمري، طالبة جامعية تحمل أحلامًا بسيطة، لا أكثر.
كنت أحب الدراسة، أحب أمي، وأخاف على أبي من الحزن إن مرض يومًا.
كل ما كنت أريده أن أعيش بسلام في وطن لم يعد يعرف السلام.
في ذلك اليوم، كنت أجلس مع صديقاتي في الجامعة.
كنا نتحدث عن بلادنا… عن الخوف الذي يسكن البيوت، وعن الأهالي الذين هاجروا هربًا من الظلم، وعن الشباب الذين اختفوا ولم يعودوا.
كنا نتحدث بحرقة، بوجع، بكلمات خرجت من قلوب موجوعة.
قلت وقتها:
“الظلم عمره ما يبني وطن…”
كانت مجرد جملة…
لكنها كانت كافية لتدمر حياتي كلها.
عدت إلى المنزل مساءً، تناولت طعامي كأي يوم عادي، ثم دخلت غرفتي أراجع دروسي.
كنت أحاول الهروب إلى كتبي، وكأنني أستطيع أن أعيش داخل صفحاتها بعيدًا عن هذا العالم المخيف.
وفجأة…
دوى طرق عنيف على باب المنزل.
انتفض قلبي.
شعرت برعشة باردة تسري في جسدي دون سبب مفهوم.
خرجت أمي مذعورة تسأل:
— من الطارق؟
جاءها الرد كالسيف:
— أمن الدولة… نريد ابنتك زهرة للتحقيق.
في تلك اللحظة، شعرت أن روحي سقطت من داخلي.
أبي احتضنني بسرعة وكأنه يحاول حمايتي بجسده، وقال بصوت مرتجف:
— ابنتي لم تفعل شيئًا… ماذا تريدون منها؟
لكنهم دفعوه بعنف، وانتزعوني من حضن أمي التي كانت تبكي وتتشبث بملابسي كأنها تعرف أنها قد لا تراني مرة أخرى.
وأخذوني…
أخذوني إلى المكان الذي انتهى فيه كل شيء.
هناك… في سجن صيدنايا…
ذلك المكان الذي تُذبح فيه الإنسانية كل يوم دون صوت.
أدخلوني إلى غرفة باردة تفوح منها رائحة الخوف والموت.
وكان يجلس هناك ضابط يلقبونه بـ “عزرائيل”.
لم يكن ينظر إليّ كإنسانة…
كان ينظر إليّ كفريسة.
قال بصوت مخيف:
— ماذا كنتِ تقولين اليوم عن النظام؟
حاولت أن أتماسك وأنا أبكي:
— لم أقل شيئًا…
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال:
— بل تكلمتِ… وقلتِ إن هناك ظلمًا.
رفعت رأسي رغم خوفي وقلت:
— نعم… هناك ظلم.
اقترب مني ببطء، ثم صرخ فجأة:
— نحن ظالمون يا…؟!
وقبل أن أكمل كلامي، هوت صفعة قوية على وجهي أفقدتني توازني.
ثم جذبني من شعري بعنف وقال:
— سأجعلك تندمين على اليوم الذي وُلدتِ فيه.
كنت أرتجف… لكنني قلت له وسط دموعي:
— أنت ظالم… وكل من معك ظالم.
ضحك ضحكة شيطانية وقال:
— الليلة ستكون حفلة زفافك.
تجمد الدم في عروقي.
ضممت جسدي بذراعي وأنا أهز رأسي برعب.
اقترب أكثر وهمس:
— أمامك خياران…
إما حفلة جماعية…
أو حفلة خاصة بيني وبينك.
انهرت باكية أترجاه أن يتركني، لكنه كان يستمتع بخوفي وانكساري.
وفي تلك الليلة…
ماتت زهرة.
لم تمت بجسدها…
بل مات شيء أعمق… شيء لا يعود أبدًا.
بعدها، أصبحت مجرد رقم داخل زنزانة مكتظة بالنساء والأطفال.
وجوه شاحبة، عيون مطفأة، وأرواح محطمة.
كانوا يلقون بنا على الأرض كما تُلقى القمامة.
وفي إحدى الليالي، أخذوا طفلة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها.
كانت تبكي وتصرخ وتتشبث بثوب امرأة بجوارها، لكنهم سحبوها بالقوة.
ولا أنسى أبدًا تلك الليلة…
صوت صراخها ظل يخترق الجدران حتى الفجر.
كنا نبكي بصمت، عاجزات حتى عن الصراخ.
ثم أعادوها…
كانت تنزف، ترتجف، تتألم بطريقة لا يحتملها قلب بشر.
ظلت تصرخ حتى خفت صوتها تدريجيًا… ثم ساد الصمت.
ماتت الطفلة.
مات جسدها الصغير من هول ما تعرضت له.
وقتها تمنيت الموت مثلها…
لكن الموت كان يرفض أن يمر بي.
مرت الشهور… ثم السنوات.
انقطعت أخبار عائلتي تمامًا.
لا أعرف هل هم أحياء أم ماتوا حسرة عليّ.
ثم اكتشفت أنني حامل…
طفل لا أعرف له أبًا.
ثم جاء الثاني… ثم الثالث…
ثلاثة أطفال وُلدوا داخل الجحيم، يحملون اسمي فقط، بينما أجهل أسماء آبائهم.
كبروا أمامي داخل السجن، وأنا لم أعد أعرف نفسي.
من أنا؟
أم؟
ضحية؟
جسد بلا روح؟
أم مجرد رقم نجا بالصدفة؟
وبعد سنوات طويلة…
اندلعت انتفاضة في البلاد.
وفي يومٍ لا يشبه أي يوم، فُتح باب الزنزانة.
قال الحارس ببرود:
— أنتنّ حرائر.
خرجت وأنا أمسك أيدي أطفالي الثلاثة.
خرجت إلى الشمس التي نسيت شكلها…
إلى العالم الذي لم أعد أعرفه.
لكن السؤال ما زال يطاردني حتى اليوم…
من أنا؟
أنا امرأة خرجت من السجن…
لكن السجن لم يخرج منها أبدًا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *