قلوب بلا رحمه من حكايات فاتن


“يخربيتك يا ابني… إيه اللي إنت جايبه ده؟!”
قالها شاب من العصابة وهو بيضحك بصوت عالي، أول ما شاف “سعيد” داخل عليهم وفي إيده بنت شابه هدومها نضيفه وواضح انها ابنت ناس ميسورة الحال البنت وعينيها مليانة خوف.
مين دول انا عايزه اروح
سعيد يقولها مش قولنا انتي عروستي
البنت وهي خائفه انا عروسه
سعيد نفخ سيجارته وقال بفخر: “دي عروستي.”
انفجروا كلهم ضحك.
واحد منهم قرب من البنت، ولوّح بإيده قدام وشها وقال بسخرية: “بتفهمي يا بت؟”
البنت بصتله ببراءة وابتسمت فجأة وهي تصقف بإيديها: “أنا عروسة!”
ضحكوا أكتر.
كانت “رحمة” بنت عندها تأخر عقلي بسيط، عقلها زي الأطفال رغم إنها قربت للعشرين. كانت عايشة مع أمها واخواتها في منطقه راقيه لحد الليلة اللي اختفت فيها.
أمها واخواتها فضلو يلفو الشوارع تصوت: “بنتي يا ناس… رحمة ضاعت!”
لكن محدش سمعها.
أما رحمة… فماكنتش فاهمة إنها اتخطفت أصلًا.
كانت فاكرة إنها رايحة تلعب.
وابتدوا ينتهكون براتها
العصابة حبسوها في بيت قديم مهجور على أطراف البلد. وكان سعيد بيمنعها تطلع أو حتى تقرب من الشبابيك.
ومع الأيام، خافوا حد يشك في وجود بنت عندهم، خصوصًا إن الجيران بدأوا يسمعوا صوتها.
ففي ليلة… مسك سعيد مقص كبير، وقعد يقص شعرها الطويل وهي بتعيط وتقول: “شعري يا سعيد… حرام.”
لكنه زقها بعنف: “اسكتي!”
وبعد ما خلص، لبسها هدوم ولاد واسعة، وقال للجيران: “ده ابن أختي… هيفضل معايا شوية.”
رحمة كانت تبص لنفسها في المراية ومش فاهمة ليه شكلها اتغير. كانت كل شوية تسأل: “أنا بقيت ولد؟”
فيضحكوا عليها.
ومرت شهور… استغلوا فيها براءتها أسوأ استغلال.
كانت تخدمهم، تنظف، تطبخ، وتنفذ أي أمر من غير اعتراض، لأنها ببساطة ماكنتش فاهمة الشر اللي حواليها.
وابتدوا يمارسون عليها قاسي انواع العنف
لكن اللي محدش أخد باله منه… إن رحمة رغم عقلها البسيط، كان قلبها نضيف، ولسانها صادق.
وفي يوم، نزلت مع سعيد يجيبوا أكل. وكانت ماشية وراها ست كبيرة من الجيران، لحد ما سمعتها بتقول لطفل صغير: “أنا مش ولد… أنا عروسة.”
الست وقفت مكانها.
بصت لشعرها المقصوص، وملامحها الباينة إنها بنت، والذعر اللي في عينيها.
قربت منها بهدوء: “إسمك إيه يا حبيبتي؟”
ابتسمت رحمة: “رحمة… وسعيد هيعمل لي فرح.”
قبل ما الست تلحق تسأل أكتر، شدها سعيد بعنف وقال: “امشي يا ولد!”
لكن الشك دخل قلب الست.
وفي الليل، راحت لقسم الشرطة، وقالت: “في حاجة غلط في البيت القديم اللي آخر الشارع.”
في البداية محدش اهتم.
لكن بعدها بيومين، اختفت بنت تانية من المنطقة.
ساعتها الشرطة بدأت تتحرك.
وفي نص الليل… البيت اتملى ظباط.
العصابة حاولت تهرب، لكنهم اتمسكوا.
أما رحمة… فكانت قاعدة في ركن الأوضة، ضامة رجليها، وخايفة من الزحمة والصريخ.
دخل ظابط شاب وشافها. اتفاجئ بشكلها وحالتها.
قرب منها بهدوء: “إنتِ اسمك رحمة؟”
هزت راسها بسرعة: “أنا عروسة.”
اتكسر قلبه.
شال الجاكيت بتاعه وحطه على كتفها، وقال: “لأ يا رحمة… إنتِ بنت، وحد أذاكي.”
ولأول مرة… بدأت تستوعب إن في حاجة غلط حصلت لها.
فضلت تصرخ وتعيط وهي تقول: “أنا عايزة ماما واخواتي…”
وفي المستشفى، لما أمها شافتها، جريت عليها تصرخ: “بنتي!”
حضنتها وكأنها رجعت للحياة بعد موت.
رحمة كانت تايهة، لكن أول ما شمت ريحة أمها، حضنتها بقوة وقالت: “ماما… هما قصوا شعري.”
انهارت الأم من البكاء.
القضية قلبت الرأي العام. والناس كلها بقت تتكلم عن البنت اللي استغلوا مرضها وبراءتها.
أما سعيد والعصابة… فاتحكم عليهم بأحكام كبيرة.
لكن الأذى اللي جوا رحمة ماكنش سهل يختفي.
بقت تخاف من أي صوت عالي. وتستخبى لو حد قرب منها فجأة.
وكانت كل ليلة تسأل أمها: “أنا وحشة عشان قصوا شعري؟”
فتبكي أمها وتقول: “إنتِ أجمل بنت في الدنيا يا قلب أمك.”
ومع العلاج والدعم، بدأت رحمة تتحسن بالتدريج.
وفي مركز التأهيل، اتعرفت على دكتورة نفسية اسمها “مروة”، كانت تعاملها بحب وصبر.
علمتها ترسم… ولأول مرة، رحمة لقت طريقة تحكي بيها اللي جواها.
كانت ترسم دايمًا بنت بشعر طويل واقفة تحت الشمس.
وفي معرض صغير للمركز، الناس اتفاجئت برسوماتها. الكل كان واقف قدام لوحة مكتوب تحتها: “البنت اللي كانت عايزة ترجع بنت.”
اللوحة بكت ناس كتير.
وبعد سنين… رحمة بقت رمز للنجاة.
جمعيات كتير بقت تتكلم عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وحمايتهم من الاستغلال.
أما رحمة… ففي يوم وقفت قدام مراية، بعد ما شعرها طال تاني، وابتسمت لنفسها.
وسألت أمها ببراءة: “أنا كده بقيت عروسة بجد؟”
حضنتها أمها وقالت والدموع في عينيها: “لأ يا رحمة… إنتِ بقيتِ أقوى من ألف عروسة.”
والعبرة اللي الكل اتعلمها…
إن أذى الضعيف مش بطولة… وإن الإنسان الحقيقي هو اللي يحمي البراءة، مش يستغلها.
وإن ربنا مهما أمهل الظالم… عمره ما بينسى حق المكسورين.

