سجينة التملك

سجينة التملك بقلم مايا خالد
​كانت ماشية في الشارع، والهدوء مغطي المكان، فجأة لفت نظرها قطة صغننة وجميلة قاعدة تحت عمود النور. مكنتش قادرة تقاوم جمالها، جريت عليها ونزلت لمستواها على الأرض، وبدأت تمسح على فراء القطة بنعومة وحنان.. القطة غمضت عينيها وبدأت “تخرخر” من الراحة. مايا خالد
​وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، حست بإيد تقيلة بس ناعمة، بتتحرك على شعرها هي! كانت بتملس على خصلات شعرها بنفس الطريقة اللي هي بتعملها مع القطة.. وبنفس الهدوء المرعب.

​جسمها كله اتنفض، والدم هرب من عروقها. القطة أول ما حست بالخطر، نطت من تحت إيدها وجريت استخبت تحت عربية مركونة. هي فضلت متسمرة مكانها، مش قادرة حتى تلف وشها تشوف مين ده.
​سمعت صوت ولاعة “تيك”، وريحة سجائر غالية جداً فاحت في المكان. وبعدها جه صوته الهادي الرزين وهو بيقول:
“زي ما هي رقيقة في إيدك.. إنتي كمان رقيقة قوي وانتي مش واخدة بالك.”
​لفت وشها ببطء، وهي بتترعش، لقت قدامها “عمر”، أكبر راس في المافيا، اللي الكل بيعمله ألف حساب. كان لابس القميص الأسود بتاعه، وفاتح أول زرارين، وواقف بكل ثقة بيبصلها بنظرة فيها “تملك” غريب.
​قالت بصوت متهدج: “أ.. أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت كنت بتراقبني؟”
​ضحك ضحكة مكتومة، وقرب منها خطوة واحدة خلت ظهرها يخبط في الحيطة، وحط إيده التانية على الحيطة وراها عشان يحاصرها، وقال وهو بيبص في عينيها مباشرة:
“أنا مابراقبش حد يا قطتي.. أنا بس بتمشى في أملاكي، وإنتي من اللحظة اللي لمستي فيها القطة دي، بقيتي جزء من الأملاك دي.”
​طلعت منها شهقة مكتومة وهي شايفة لمعة المسدس الفضي اللي في جيبه، بس الغريب إن لمسة إيده على شعرها كانت لسه ناعمة، وكأنه بيحاول يطمنها ويخوفها في نفس الوقت.
​بلعت ريقها بصعوبة، وحست إن لسانها اتربط. كان نفسها تصرخ، تطلب المساعدة، أو حتى تجري.. بس رجليه كانت زي المسامير في الأرض، وعينيه كانت حابسها في مكانها أكتر من حصار إيده.
​نزل إيده من على شعرها وبدأ يمشي صباعه على طرف وشها ببطء مستفز، وهو بيكمل كلامه:
“ساكتة ليه؟ فين الشقاوة اللي كنتِ بتلاعبي بيها القطة من شوية؟ ولا القطة أكلت لسانك أول ما شفتيني؟”
​هي حاولت تستجمع قوتها، وزقت إيده بعيد عنها وهي بتقول بصوت بيترعش بس فيه نبرة تمرد:
“أنا مش ملك حد يا عمر.. ولا أنا ولا القطة دي. إنت فاكر إنك بفلوسك وسطوتك تقدر تشتري كل حاجة؟”
​عمر ملامحه متهزتش، بالعكس، الابتسامة الباردة وسعت على وشه، وقرب من ودنها وهمس لدرجة إن أنفاسه الحامية لمست بشرتها:
“الحاجة اللي مابتشتريهاش الفلوس، بتشتريها القوة. وإنتي عارفة كويس أنا أقدر أعمل إيه عشان أخليكي تيجي لحد عندي وانتي اللي بتطلبي الحماية.”
​فجأة، سمعوا صوت فرملة عربية سوداء ضخمة وقفت وراهم مباشرة، ونزل منها اتنين من رجالته، ملامحهم زي الصخر. واحد منهم قرب من عمر وقال بصوت واطي: “يا باشا، الصفقة هتتم كمان عشر دقايق، والكل مستني.”
​عمر بص لها نظرة أخيرة، نظرة كانت بتقول “كلامنا لسه مخلصش”، وبعدين طلع من جيبه منديل حرير وحط فيه سلسلة دهب رقيقة كانت واقعة منها وهي بتلعب مع القطة، ومسك إيدها وفتحها وحط السلسلة في كفها وقفل صوابعها عليها بقوة.
​وقال وهو بيمشي ورايح ناحية العربية:
“خبي السلسلة دي كويس.. عشان المرة الجاية لما نتقابل، هخد منك تمن الأمان اللي أنا مديهولك النهاردة.”
​ركب العربية، والزجاج الأسود اترفع، وطارت العربية في ثانية وسابوها واقفة في وسط الشارع، قلبها بيدق زي الطبل، وفي إيدها السلسلة اللي بقت ريحتها كلها من عطره.
​فضلت واقفة مكانها دقايق، مش قادرة تتحرك، وصوت ضربات قلبها كان مسموع في هدوء الشارع. فتحت كف إيدها ببطء، وبصت للسلسلة.. مكنتش مجرد سلسلة دهب عادية، دي كانت “القلادة” اللي ضاعت من والدتها من سنين، والسر اللي كانت بتدور عليه طول عمرها.
​”إزاي؟ إزاي السلسلة دي وصلت لإيده؟” الكلمة دي فضلت تتردد في دماغها زي الصدى.
​بدل ما تروح بيتها وهي مرعوبة، الفضول والخوف على ذكرى والدتها حركوها. افتكرت الجملة اللي قالها “الصفقة هتتم كمان عشر دقايق”. هي عارفة المكان اللي المافيا بتاعته بتجتمع فيه، “المخزن القديم” اللي عند المينا.
​المغامرة
​من غير تفكير، شاورت لتاكسي وركبت وهي بتقول لقلبها: “يا أنا يا إنت النهاردة يا عمر.”
​وصلت للمينا، الدنيا كانت ضلمة تماماً، مفيش غير كشافات العربيات السوداء اللي واقفة صف واحد زي الغربان. استخبت ورا صناديق خشبية كبيرة، وبدأت تتسحب وهي كاتمة نفسها.
​شافت “عمر” واقف في النص، وحواليه رجالته ورجالة تانية شكلهم أجانب. كان ماسك شنطة سوداء كبيرة، وبيفتحها عشان يوري الطرف التاني “البضاعة”. بس فجأة، عينه لمحت “حركة” ورا الصناديق.
​عمر ملامحه اتغيرت، وبنبرة صوت حادة زي السكينة قال لرجاله:
“وقفوا كل حاجة.. فيه قطة صغيرة شكلها تاهت وجت ورايا لحد هنا.”

​قبل ما تفكر تهرب، لقت اتنين من حراسه مسكوها من دراعاتها ورفعوها من ورا الصناديق ورموها قدامه. وقعت على ركبها للمرة التانية النهاردة، بس المرة دي وسط سلاح ورجالة قلوبها مابترحمش.
​عمر قرب منها ببطء، ووطى لمستواها، ومسك دقنها بإيده ورفع وشها ليه، وقال بسخرية ممزوجة بإعجاب:
“قلتلك تعالي خدي تمن الأمان، بس متوقعتش إنك “جيعانة” قوي كدة وجاية تاخديه دلوقتي.”
​هي بصت له بعيون مليانة دموع وتحدي وقالت: “السلسلة دي كانت مع أمي يوم ما اختفت.. إنت ليك علاقة باختفائها يا عمر؟ انطق!”
​عمر سكت لحظة، ونظرة “الحنان” اللي كانت في عينيه وهو بيطبطب على شعرها في الشارع اختفت تماماً، وحل مكانها برود مخيف. ضغط على فكها بإيده وقال:
“لو عرفتي الحقيقة يا (ليلى).. مش بس شعرك اللي هيترعش، حياتك كلها هتتهد. اركبي العربية.. المرة دي مفيش روح لبيتك، المرة دي إنتي داخلة “عرين الأسد” برجليكي.”
​رجالة عمر شالوها وحطوها في العربية الـ “4×4” السوداء، وقفلت الأبواب “سنتر لوك” بصوت كان وقعه على قلبها زي قفل السجن. عمر ركب جنبها، وولع سيجارته ببرود، والدخان بدأ يملى العربية ويخنق أنفاسها المترددة.
​طول الطريق مكنتش بتعمل حاجة غير إنها بتبص للسلسلة اللي في إيدها وبتعيط بصمت. عمر كان بيراقبها من ورا دخان سيجارته، وفجأة مد إيده ومسح دمعة نزلت على خدها بصباعه الكبير، وقال بنبرة واطية:
“العياط مش هيغير الحقيقة.. والأسئلة الكتير بتفتح أبواب إنتي مش قد اللي وراها.”
​ليلى بصت له بحرقة وقالت: “وديني عند أمي يا عمر.. لو هي عايشة قولولي، ولو ميتة عرفني مكانها. السلسلة دي كانت في رقبتها لآخر لحظة شفتها فيها!”
​عمر سكت ثواني، وبعدين بص للسواق وقال: “غير الطريق.. اطلع على القصر القديم اللي في الجبل.”
​في القصر المهجور
​وصلوا لمكان معزول تماماً، قصر قديم بس فخم جداً، الحراسة فيه كانت مشددة بشكل مرعب. نزل عمر وفتح لها الباب بنفسه، ومسك إيدها وضغط عليها كأنه بيحذرها تسيبها.
​دخلوا مكتبه الواسع، الحيطان كانت متغطية بصور وخرائط. عمر راح ناحية خزنة حديد مخفية ورا لوحة زيتية، فتحها وطلع منها “ملف قديم” لونه أصفر، و رماه على المكتب قدامها.
​”افتحيه..” قالها وهو بيقعد ورا مكتبه وبيحط رجل على رجل.
​ليلى فتحت الملف بإيد بتترعش، ولقت صور لوالدتها وهي قاعدة في جنينة، وصور تانية ليها وهي صغيرة.. بس الصدمة كانت في ورقة رسمية مكتوب عليها “تقرير حماية”.
​رفعت عينيها ليه وهي مش فاهمة، فعمر كمل كلامه وصوته فيه نبرة وجع مكتومة:
“أمك مكنتش ضحية يا ليلى.. أمك كانت “الكلبة” اللي المافيا كانت بتطاردها عشان كانت عارفة أسرار تودي رؤوس كبيرة في داهية. وأبويا.. الله يرحمه.. هو اللي كان مكلف بتصفيتها.”
​ليلى شهقت وحطت إيدها على بوقها، بس عمر قام ووقف قدامها مباشرة وقال:
“أبويا مقتلهاش.. هو حبها، وخبّاها في مكان محدش يعرفه، والسلسلة دي كانت الأمانة اللي سابتها عندي عشان أوصلهالك لما يجي الوقت المناسب.. أو لما “هما” يلاقوكي.”
​فجأة، صوت إنذار القصر ضرب، ونور أحمر بدأ يلف في كل مكان. واحد من الحرس دخل وهو بينهج: “يا باشا، رجال “الجنرال” حاصروا القصر.. عرفوا إن البنت هنا!”
​عمر ملامحه اتحولت لوحش، طلع مسدسه من جنبه وعمره، وبص لليلى وقال بابتسامة مرعبة:
“كنت ناوي أحميكي من بعيد لبعيد.. بس إنتي اللي جيتي لقلب النار. دلوقتي يا قطتي، هتتعلمي إزاي “تخربشي” عشان نطلع من هنا عايشين.”عمر أول ما سمع صوت الرصاص بدأ يقرب، ملامحه اتغيرت تماماً.. مابقاش الشخص اللي كان بيمسح على شعرها برقة، بقى “وحش” كاسر مستعد يحرق الدنيا عشان يحمي اللي يخصه.
​مسك ليلى من دراعها وسحبها بقوة ورا المكتبة الكبيرة، وضغط على زرار مخفي، فجأة الحيطة اتحركت وظهر ممر ضيق ومظلم.
​”ادخلي هنا وما تطلعيش مهما سمعتي.. فاهمة؟” قالها وهو بيزقها جوه الممر وصوته زي الرعد.
​ليلى كانت بتترعش وماسكة في قميصه: “عمر لا! هتموت لوحدك بره، دول كتير قوي!”
​عمر ابتسم ابتسامة مرعبة، وحط إيده على وشها لآخر مرة وقال: “أنا مابموتش يا ليلى.. أنا اللي بوزع الموت على الكل. الممر ده آخره نفق هيطلعك بره حدود القصر، استنيني عند الشجرة الكبيرة اللي على الطريق.. ولو ما جيتش قبل الفجر، اهربي وما تبصيش وراكي.”
​وقبل ما تنطق بكلمة، قفل الباب الحجري عليها، وبقت ليلى في ضلمة كحل، مش سامعة غير صوت ضرب النار اللي بدأ ينفجر في الصالة بره.
​المواجهة (بره في الصالة)ماياخالد
​عمر وقف في نص المكتب، ولع سيجارة ببرود والباب اتكسر ودخل منه 5 رجالة ملثمين بسلاحهم.
أول ما شافوه، واحد منهم صرخ: “سلم البنت يا عمر، والجنرال هيعفو عنك!”
​عمر نفخ دخان سيجارته في الهوا، وفجأة رمى السجارة وطلّع مسدسين من ورا ظهره وبدأ يضرب بنار دقيقة جداً.. في ثواني كان تلاتة منهم واقعين على الأرض.
​السرعة: كان بيتحرك بين الرصاص كأنه خيال، بيستخبى ورا العواميد الرخام ويظهر في ثانية يخلص على واحد.
​الغضب: كان بيضرب النار وهو بيضحك ضحكة هستيرية، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يفرغ طاقة الشر اللي جواه.
​فضل يضرب نار لحد ما السلاح اللي معاه خلص، فضل واحد بس من الملثمين، عمر هجم عليه بإيده وبدأ يضربه ضربات قاتلة، وهو بيصرخ فيه: “جايين لحد بيتي؟ جايين تاخدوا حاجة ملكي؟”
​في الممر المظلم
​ليلى كانت ماشية بتنهج، دموعها مغرقة وشها، وصوت الرصاص والانفجارات بيزلزل الأرض تحت رجليها. وصلت لآخر النفق، وفتحت باب حديد صغير ولقت نفسها فعلاً في الغابة اللي ورا القصر.
​جريت لحد الشجرة الكبيرة وقعدت تحتها، ضامة نفسها وبتترعش، وكل شوية تبص في الساعة.. الدقايق كانت بتمر كأنها سنين.
​الفجر بدأ يشقشق، والنور بدأ يظهر.. ليلى فقدت الأمل وقالت: “خلاص.. عمر راح.”
​وهي لسه بتقوم عشان تمشي، سمعت صوت خطوات تقيلة جاية من بعيد.. خطوات حد بيجر رجله بصعوبة. لفت وشها بسرعة، ولقت خيال راجل هدومه متقطعة، والدم مغطي قميصه الأسود، وماسك في إيده “سلسلة والدتها” اللي كانت وقعت منه في المعركة.
​كان عمر.. وشه كان شاحب بس عينيه كانت لسه فيها نفس اللمعة الحادة. أول ما شافها، وقع على ركبه من التعب.
​جريت عليه وهي بتصرخ باسمه: “عمر! إنت كويس؟”
​سند راسه على كتفها وهو بينهج، ورفع إيده اللي مليانة دم وحط السلسلة في إيدها تاني، وقال بصوت متقطع:
“قلتلك.. القطة.. لازم تخربش.. بس الأسد.. هو اللي بيخلص الحكاية.”
​ليلى قلعت “الشال” بتاعها بسرعة وبدأت تضغط بيه على الجرح اللي في جنبه وهي بتترعش، كانت مرعوبة من كمية الدم، بس قوة غريبة نزلت عليها في اللحظة دي.
​”مش وقت كلام يا عمر، اسند عليا.. لازم نقوم من هنا!” قالتها وهي بتحاول ترفعه بكل قوتها.
​عمر ضغط على سنانه من الوجع وسند على كتفها، وكان تقيل جداً عليها، بس هي كانت حاسة إنها لو سابته دلوقتي، روحها هي اللي هتطلع مش روحه. مشيوا وسط الشجر بخطوات تقيلة، لحد ما وصلوا لعربية قديمة كان هو مخبيها للطوارئ تحت شجر كثيف.
​ركبته بالعافية وركبت هي مكان السواق، ولأول مرة في حياتها تسوق وهي تحت ضغط الموت. طارت بالعربية في الطرق الجبلية الوعرة، وعينها كل شوية تروح عليه وهو بيغمض عينيه ببطء.
​”عمر! خليك معايا.. اوعى تغمض عينك، سامعني؟” كانت بتصرخ فيه وهي بتدوس بنزين أكتر.
​فتح عينيه نص فتحة وبص لها وهو بيبتسم بتعب: “طلعتي بتعرفي تسوقي أهو.. أنا اللي كنت فاكرك مجرد قطة أليفة.”
​في البيت “المخفي”
​وصلت بيه لبيت صغير متداري بين المزارع، كان هو قايل لها عليه في الطريق كخطة بديلة. دخلته وسندته لحد السرير، وبدأت تدور على علبة الإسعافات.
​وهي بتنظف جرحه، الجو كان مشحون بمشاعر غريبة.. خوف، امتنان، وحاجة تانية ليلى مش قادرة تفسرها. عمر مسك إيدها فجأة وهي بتمسح الدم، وبص في عينيها بعمق وقال:
“ليه ما هربتيش يا ليلى؟ كنتِ تقدري تاخدي السلسلة وتختفي.. ليه رجعتي ليا وأنا بموت؟”
​ليلى سكتت لحظة، ونزلت دمعة من عينها وقالت بصوت واطي:مايا خالد
“عشان إنت النهاردة مكنتش رجل المافيا اللي الناس بتخاف منه.. إنت كنت الراجل اللي مستعد يموت عشان يحمي ذكرى أمي.. وعشاني.”
​الصدمة الأخيرة
​وفجأة، وهما في قمة اللحظة دي، سمعوا صوت “تكة” سلاح جاية من وراهم. ليلى اتنفضت ولفت وشها، والصدمة شلتها تماماً.
​كان “السواق” بتاع عمر، الشخص اللي كان المفروض أكتر واحد بيثق فيه، واقف وماسك مسدسه وموجهه لراس عمر.
​السواق ببرود: “الجنرال بيدفع كتير قوي يا عمر باشا.. وإنت النهاردة بقيت كارت محروق. سلمني البنت والسلسلة، وهنهي وجعك ده بطلقة واحدة تريحك.”
​عمر رغم إصابته، ملامحه متخضتش، بالعكس، ضحك ضحكة باردة خلت السواق يتردد، وبص لليلى وقال بصوت هادي جداً:
“فاكرة لما قلتلك لازم تتعلمي تخربشي؟”
​ليلى بصت له وفهمت قصده، إيدها كانت قريبة من السكين اللي كانت بتقطع بيه الشاش..
​السواق ضغط على الزناد “نص ضغطة” وهو بيقرب أكتر، وعينه كلها غدر. ليلى في اللحظة دي حست إن الزمن وقف، مكنتش شايفة غير الخطر اللي بيهدد الراجل اللي لسه منقذ حياتها.
​بسرعة البرق، ومن غير ما السواق ياخد باله، ليلى مديت إيدها وسحبت “المشرط” الطبي اللي كان جنبها في علبة الإسعافات، وبكل قوتها وغضبها، لفت وضربت السواق في رجله.
​السواق صرخ بوجع وفقد توازنه، والطلقة طلعت منه في الهوا بعيد عنهم. في نفس اللحظة دي، عمر رغم إصابته، أثبت إنه “نمر” حتى وهو مجروح؛ سحب مسدسه الصغير اللي كان مخبيه تحت المخدة، وضرب طلقة واحدة سكنت في نص جبهة السواق.
​وقع السواق جثة هامدة، والهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء مرعب.
​المواجهة الأخيرة مع الحقيقة
​ليلى وقعت على الأرض وهي بتنهج، والمشرط لسه في إيدها وعليه دم. عمر بص لها بنظرة إعجاب حقيقية، وقال وهو بياخد نفسه بصعوبة:
“قلتلك.. القطة لما بتتحاصر، بتتحول لنمرة. إنتي النهاردة خلصتي حقك وحق أمك.”
​ليلى بصت له وهي بتترعش: “يعني إيه؟ السواق ده هو اللي…”
​عمر قاطعها: “السواق ده كان عين الجنرال عليا من سنين.. وهو اللي سلم مكان أمك زمان. كان لازم يقع، بس كان لازم إنتي اللي تاخدي الخطوة دي عشان تكسري خوفك.”
​قربت منه ليلى وسندت راسها على صدره، وعمر حط إيده على شعرها وبدأ يربت عليه بنفس الرقة اللي بدأ بيها المشهد في الشارع، بس المرة دي مكنتش لمسة تهديد، كانت لمسة “وعد”.
​”دلوقتي يا ليلى، الحكاية القديمة انتهت. السلسلة دي معاكي، والسر مات مع اللي ماتوا. الجنرال هيفتكر إننا متنا في انفجار القصر.”
​ليلى رفعت عينيها ليه: “وهنعمل إيه دلوقتي؟”
​عمر ابتسم ابتسامه حقيقية لأول مرة، وقال وهو بيشدها لحضنه:
“هنختفي.. زي ما القطة بتختفي في ضلمة الليل. بس المرة دي، هنختفي سوا، ومحدش في العالم هيعرف طريقنا.”
​النهاية
​في الصبح، العربية القديمة كانت بتتحرك بعيد عن المزارع، في طريقها للحدود. ليلى كانت سايقة، وعمر جنبها مريح راسه ومغمض عينيه بسلام. السلسلة كانت بتلمع في رقبتها، والشمس بدأت تطلع لتعلن بداية حياة جديدة.. حياة مفيهاش مافيا، مفيهاش خوف، بس فيها “قطة” عرفت إزاي تحمي “الأسد” بتاعها.
​تمت الحكاية.
​سجينة التملك بقلم مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *