حذاء الأمبراطور بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

حذاء الأمبراطور بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
الفصل الأول: هدية للإمبراطور
كانت “مايا” قاعدة فوق صخرة كبيـرة عند شط النهر، ماسكة صنارتها بإيد، وبالإيد التانية حتة عيش ناشفة بتقضم فيها بملل شديد. عينها كانت سرحانة في المية وهي بتتأوه وتدعي بصوت واطي:
– “يا رب سمكة واحدة بس… والله مش طالبة دهب ولا حرير، سمكة نشويها وخلاص!”
وفجأة، الخيط اتشد بعنف!
انتفضت واقفة من فوق الصخرة وهي بتصرخ بفرحة:
– “مسكتهاااا! يارب تطلع كبيرة!”
سحبت الصنارة بكل قوتها وهي بتعافر، بس بدل ما تطلع سمكة بتلمع في المية، طلع حذاء جلدي أسود ضخم، متغرق طين وعالق في الصنارة بإنعاف.
سكتت مايا تماماً… عينها وسعت وهي بتبص للحذاء.
رفعت رأسها ببطء شديد عشان تشوف الحذاء ده واصل لرجل مين… لقيت قدامها راجل طويل عريض، كأنه جبل واقف، لابس هدوم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. سودة فخمة مطرزة بخيوط فضية، ووشه حاد وجامد لدرجة إن الهواء حوليه تحس إنه سقع وفقد أكسجينه.
تراجعت مايا خطوة لورا، وبصت للحذاء اللي لسه علقان في صنارتها، وقالت بمنتهى الصدق والبراءة:
– “آسفة والله… افتكرتك سمكة كبيرة وبنت حلال.”
الصمت نزل على المكان زي الصاعقة. الحراس اللي كانوا واقفين ورا الراجل اتجمدوا في أماكنهم، أكنهم اتتحولوا لحجارة.
الراجل نفسه ما تحركش ولا رمش. اقترب منها حارس بوجه أصفر زي الليمونة، وهمس بصوت مرعوب وبيترعش:
– “اخرسي يا بنت! أنتِ مش عارفة أنتِ واقفة قدام مين?!”
بصت له مايا باستغراب، وبعدين رجعت بصت للراجل الضخم وقالت للحارس:
– “هو مين يعني؟”
الحارس كان هيغمى عليه من الصدمة، بس الراجل أخيرًا اتكلم… صوته كان واطي، بس رخيم وبارد زي الثلج:
– “ظافر.”
عينين مايا وسعوا:
– “ظافر… الإمبراطور اللي مروع المملكة كلها؟”
ما ردش عليها، بس عينيه كانت بتدرس كل إنش في وشها.
ابتسمت مايا ابتسامة صغيرة وهي بتهز رأسها:
– “آه… بصراحة؟ شكلك عادي يعني، افتكرتك أطول من كده وعندك قرون.”
شهق الحراس كلهم في نفس الواحد، ولأول مرة من سنين طويلة، ظافر مالقاش الرد المناسب اللي يقوله.
بعد بضع ساعات…
كانت مايا واقفة في صالة بيتها البسيط، وأبوها رايح جاي قدامها بيلف حول نفسه ومتوتر جداً.
– “اسمعيني يا مايا… الموضوع ده جه من السماء، وده كله في صالحك وصالح العيلة.”
رفعت حاجبها وقالت وهي بتعدل طرحتها:
– “أنت لما تقول ‘في صالحك’ بعرف على طول إن في مصيبة سودة جاية في السكة.”
بلع أبوها ريقه بتوتر وقال:
– “الإمبراطور ظافر… طلب يتجوزك.”
سكتت مايا شوية، وبعدين قالت بهدوء:
– “طب وهو يسيب بنات الأمراء والنبلاء ويطلبني أنا ليه؟”
– “لأنه… اختارك أنتِ بالذات.”
– “شافني فين إن شاء الله؟”
تبادل أبوها نظرة سريعة ومربوكة مع القائد اللي واقف، وبعدين قال بصوت واطي:
– “عند النهر…”
شهقت مايا وهي بتفتكر:
– “آه! الراجل بتاع الجزمة!”
حط أبوها إيده على وشه بحسرة:
– “أرجوكِ يا مايا… بلاش سيرة الجزمة دي خالص!”
– “ليه يا أبا؟”
– “عشان دي جزمة الإمبراطور يا بومة!”
صمتت مايا لحظة وهي بتفكر، وبعدين بصت لأبوها بجدية:
– “يعني أنا هروح اتجوز الراجل اللي اصطدت جزمه؟”
– “أيوه.”
– “طب أنا موافقة.”
رفع أبوها رأسه بدهشة وعدم تصدق:
– “بالسرعة دي؟! من غير مناهدة ولا عياط؟”
هزت كتفها ببساطة:
– “هو القصر بتاعه فيه أكل حلو؟”
– “طبعًا! أكل ملوك!”
– “وفيه سمك وطباخين؟”
– “أكيـد.”
– “خلاص، اتكلنا على الله.”
بعد ثلاثة أيام…
كانت عربة ملكية سودة ضخمة بتشق طريقها وسط جبال الشمال الثلجية متجهة لقصر الإمبراطور.
جوه العربية، كانت مايا قاعدة بتاكل تفاحة بمنتهى الروقان، في حين إن الخادمة اللي قاعد قصادها كانت بتموت من الخوف ودموعها نازلة مغرقة وشها من ساعة ما تحركوا.
مدت لها مايا تفاحة وقالت:
– “خدي يابنتي كلي لك قطمة وماتعيطيش، صحتك بالدنيا.”
هزت الخادمة رأسها برعب وهي بتمسح دموعها:
– “أنا مش خايفة على نفسي… أنا خايفة عليكِ أنتِ يا مولاتي!”
– “خايفة عليا ليه يا حسرة؟”
– “لأنك رايحة تتجوزي الإمبراطور ظافر! ده بقطع الرقاب على أقل غلطة!”
قضمت مايا التفاحة وقالت وهي بتمضغ:
– “يعني هيعمل إيه؟ مش هيأكلني يعني.”
– “يا مولاتي الناس بتقول إنه قتل سبع رجالة مرة واحدة عشان بس ضايقوه في الكلام!”
– “عادي، أنا ضايقته أكتر من كده وشتمت جزمه.”
– “ماذا?!”
– “اصطدت جزمه بالصنارة وقلت له شكلك عادي.”
شهقت الخادمة ولطمت على خدها:
– “وأنتِ لسه عايشة وبتمشي على رجليكي?!”
ابتسمت مايا وغمزت لها:
– “واضح إنه راجل طيب وقلبه أبيض وزي الفل.”
أخيرًا، وقفت العربية قدام البوابة الهائلة للقصر العظيم. الحراس كانوا مصفوفين على الجانبين بأسلحتهم، والرايات السوداء بترفرر فوق الأبراج العالية.
نزلت مايا ببطء وهي بتبص للمكان الشاهق ده. رفعت رأسها لفوق وقالت للخادمة بصوت واطي:
– “هو القصر ده مفيهوش أي شباك صغير قرايب من الأرض؟”
– “ليه يا مولاتي؟”
– “عشان لو الأكل طلع وحش أو حبيت أهرب، أعرف أنط منه.”
وقبل ما الخادمة ترد… اتفتحت أبواب القصر الحديدية الضخمة بصوت يرعب.
وظهر ظافر.
ما كانش لابس تاج ولا زينة، وما كانش محتاجهم أصلاً. مجرد ظهوره في المكان هيبته خلّت كل الحراس والخدامين يخفضوا رؤوسهم للأرض في نفس اللحظة.
إلا مايا… كانت واقفة بتبص له وعينها في عينه.
تقدم ظافر بخطوات ثقيلة ومحسوبة لحد ما وقف قدامها. نظر لها لفترة طويلة بصمت يوتر الحجر، وبعدين قال:
– “قربي.”
قربت خطوة.
توقف أمامها تمامًا، وبص لوشها الهادي وقال:
– “عارفة أنتِ واقفة قدام مين؟”
– “الإمبراطور ظافر.”
– “وخايفة مني؟”
فكرت مايا ثانية، وبصت لعيونه القاسية، وبعدين قالت بكل بساطة وعفوية:
– “كنت خايفة بصراحة… بس دلوقتي أنا جعانة جدًا ومحتاجة آكل.”
ساد الصمت المكان كله. الحراس غمضوا عينيهم منتظرين انفجار غضب الإمبراطور…
بس المرة دي… ظافر ما غضبش. طرف فمه اترفع لأول مرة، وظهرت ابتسامة خفيفة جدًا لا تكاد تُرى، بس كانت كافية عشان تذهل كل اللي واقفين.
الإمبراطور ظافر… يبتسم؟!
في اللحظة دي، مايا ما كانتش فاهمة إن رجلها لما وطت القصر ده، ما كانتش داخلة مجرد جوازة والسلام… دي كانت بداية حرب خفية ومكائد ملكية.
وفي مكان ما ورا الستائر العالية في أعلى القصر… كانت في عينين بتبص عليها بكره وغل مش طبيعي، وصوت خفيض بيهمس في الضلمة:
– “الفتاة دي مش هتعيش عشان تشوف ليلة زفافها… موتها هيكون أسرع مما تتخيل.”
الفصل الثاني: زوجة الإمبراطور
لم كادت “مايا” تتخطى البوابة الضخمة للقصر، حتى بدأ يدق في قلبها ندم خفيف.
مش عشان اتجوزت الإمبراطور مرعب المملكة… لأ خالص! بس عشان اكتشفت إن القصر ده كأنه مدينة لوحده، وأكبر من قريتها مرتين ثلاثة.
كانت ماشية بتتسحب ورا واحدة من الخادمات، عينيها عمالة تروح وتجي على الأعمدة الذهبية والستائر الثقيلة والتماثيل اللي مالية المكان. وفجأة، وقفت في مكانها وقالت وهي بتبص وراها:
– “هو أنا لو تهت في الممر ده… هعرف أرجع ولا هضيع وأموت من الجوع؟”
التفتت لها الخادمة بحيرة وقلق:
– “بالتأكيد لا يا مولاتي… القصر متداخل جداً.”
– “طب وليه بتجري بيا كده أكننا داخلين سباق؟”
– “لأن جلالة الإمبراطور ينتظرك في الجناح الملكي!”
تنهدت مايا وضمت أيديها:
– “ماشي يا ستي، بس لو جرالنا حاجة من الجري ده، أنا هزعل منك جداً.”
وصلوا وأخيراً فتح الحارسان باب الجناح الهائل.
دخلت مايا بخطوات بطيئة، عينيها بتفحص الأوضة الضخمة.. سرير واسع في النص تحيط بيه ستائر سودة فخمة، وفي الناحية التانية شرفة كبيرة بتطل على حدائق القصر الثلجية.
حطت شنطتها القماش الصغيرة فوق طاولة مذهبة، وبصت حولها وقالت للخادمة:
– “دي أوضتي يعني؟”
– “نعم يا مولاتي.”
ابتسمت مايا بروقان:
– “حلوة والله وشرحة.. فين بقى المطبخ؟”
تجمدت الخادمة ورجعت لورا خطوة:
– “المطبخ?!”
– “آه، المطبخ اللي بيعملوا فيه الأكل.. أومال هنطبخ فين؟”
– “الإمبراطور أمر بإعداد وليمة كاملة لكِ في القاعة الكبرى.”
لمعت عينين مايا زي الأطفال:
– “وليمة؟! طب ما تقولي كده من الصبح! يلا بينا!”
بعد ساعة…
كان ظافر قاعد على رأس المائدة الملكية، زي السيف في هيبته وقسوته. عن يمينه كبار رجال الدولة وقادة الجيش، وعن شماله أفراد من العائلة الإمبراطورية.
المكان كان يسوده صمت رهيب.. الكل خايف، والكل مستني ظهور العروس الجديدة اللي تجرأت وصادت جزمة الإمبراطور!
وفجأة، اتفتحت الأبواب ودخلت مايا.. بس ما دخلتش بوقار الملكات. كانت داخلة وماسكة في إيدها طبق صغير فيه حتة كيكة ناشفة بتسلك بيها زورها!
توقفت قدام المائدة وقالت بكل بساطة:
– “معلش يا جماعة… اتأخرت عليكم.”
نظر لها ظافر بعينين باردتين حادتين:
– “ولماذا التأخير؟”
رفعت الطبق الصغير في وش الإمبراطور والوزراء بكل فخر:
– “كنت باكل حتة كيكة خفيفة كده عقبال ما الأكل يجهز.. العياط بيجوع بصراحة.”
تبادل الوزراء والضباط النظرات بذهول، ورجال الدولة كانوا هيطبوا ساكتين من الجرأة دي!
جلست مايا في الكرسي اللي جنب ظافر على طول من غير ما تستأذن حتى. مدت إيدها في الطاولة الفاخرة، وبعدين وقفت فجأة وبصت لظافر اللي كان بيراقب كل حركة منها:
– “هو أنا ينفع آكل عادي؟ ولا في بروتوكول وشغلة؟”
قال ظافر بنبرة جافة ورزينة:
– “أنتِ زوجتي.”
– “يعني آه آكل؟”
– “نعم.”
ابتسمت ابتسامة عريضة:
– “حلو أوي.. اتكلنا على الله.”
وبدأت تأكل بمنتهية التلذذ والانطلاق، وكأنها قاعد في بيتها. كان الجميع بيحدقوا فيها بصدمة، حتى ظافر نفسه ما قدرش يشيل عينه عنها.
وبعد دقائق، مد ظافر إيده عشان يمسك كاس المية بتاعه، وفجأة صرخت مايا:
– “استنى عندك!”
توقفت إيد ظافر في الهواء، وضيق عينيه:
– “ماذا؟”
أشارت للكاس:
– “سيب الكاس ده واشرب من الكاس التاني ده.”
وسحبت هي كاس الإمبراطور وبدأت تشرب منه بقوة!
قام أحد الوزراء بقلق وتوتر وهو بيزعق بصوت واطي:
– “يا مولاتي!.. هذا الكأس مخصص للإمبراطور شخصياً!”
هزت مايا رأسها وهي بتمسح فمها بكمها:
– “عارفة والله إنه بتاعه.”
التفت ظافر ليها كلياً، وظل يبص في عينها بثبات:
– “ولماذا شربتِ منه إذاً؟”
ردت وهي بتمضغ حتة لحمة:
– “عشان أتأكد إن مفيهوش سم.. أومال هسيبك تشربه ويموت منك عريس ليلته الأولى؟!”
توقفت شوية أيدي الحراس على أسلحتهم، وارتفع حاجب ظافر بدهشة:
– “ومن قال لكِ إن هناك من يريد تسميمي هنا؟”
رفعت مايا كتفها ببساطة شديدة:
– “محدش قال لي… بس القصور دي باين عليها فيها ناس بتعشق المشاكل والغل، ورش السم عندهم أسهل من رش الملح.”
للمرة الثانية على التوالي… طرف فم ظافر اترفع، وظهرت ابتسامة خفيفة جداً وسرية.
بس المرة دي، مايا لمحته! ضيقت عينها وبصت لوشه بتركيز:
– “إيه ده؟! أنت بتضحك؟”
اختفت الابتسامة فوراً ورجع وشه جامد زي الصخر:
– “لا.”
– “وحياة ربنا ضحكت! أنا شفت سنانك!”
– “توهمتِ يا فتاة.” بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
– “أنا نظري ستة على ستة وبشوف السمك تحت المية!”
– “كُلي طعامك وسكوت.”
ابتسمت مايا وغمزت له:
– “حاضر يا سيدي… حاضر يا أبو ابتسامة سرية.”
خفض أحد الوزراء رأسه بسرعة وكتم ضحكته بالعافية عشان ما يتعدمش، أما ظافر فنظر له بنظرة نارية خلت الوزير يتجمد في مكانه كأنه صنم!
في منتصف الليل…
كانت مايا مستلقية على السرير الملكي الضخم، عمالة تتقلب وتعد في الخشب اللي في السقف. وفجأة قعدت بضيق:
– “يووه بقى! أنا مش عارفة أنام خالص!”
قامت فتحت الباب وخرجت تتسحب في الممرات الهادية الثلجية، لحد ما وصلت للشرفة العالية اللي بتطل على المملكة كلها.
بس ما كانتش لوحدها…
كان ظافر واقف هناك، ساند على السور الرخامي، ولابس عباءته السودة، بيبص للظلام بصمت وهيبة.
قال من غير ما يلتفت أو يبص وراه:
– “ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟”
توقفت مايا ومسكت في روبها:
– “مش عارفة أنام والله.”
– “ولماذا؟ هل الجناح ليس مريحاً؟”
– “السرير كبير أوي زيادة عن اللزوم! بحس إن أطرافي تايها فيه.. أنا متعودة على سرير صغير يلمني.”
التفت إليها ظافر باستغراب شديد من منطقها الغريب:
– “ماذا؟”
قربت هي منه وسندت جنب منه على السور، وبصت للنجوم:
– “وأنت بتعمل إيه هنا في البرد ده؟”
– “أفكر.”
– “بتفكر في إيه؟”
– “في أمور معقدة تخص الإمبراطورية والحروب.”
هزت رأسها بتفهم واهتمام:
– “آه… ربنا يكون في عونك.”
صمتت لحظة، وبعدين قالت بصوت واطي:
– “أنا كمان كنت واقفة بفكر في موضوع مهم جداً.”
نظر إليها بحواجب مرفوعة:
– “وفي ماذا تفكرين؟”
– “بكرة على الفطار هيعملولنا إيه؟ وهل في سمك مقلي ولا هينكدوا عليا تاني؟”
ضل ظافر يبص لوشها البسيط ولعينها الصافية لثوانٍ طويلة… وبعدين أدار وشه الناحية التانية بسرعة عشان يخفي ابتسامة صريحة طلعت منه.
قالت مايا وهي بتشاور عليه بثقة:
– “أهو! بتضحك تاني أهو! والله مسكتك!”
– “عودي إلى غرفتك فوراً يا مايا.”
– “حاضر حاضر.. نازلة أهو.”
تحركت خطوتين، بس وقفت فجأة والتفتت له:
– “ظافر؟”
– “نعم؟”
– “هو أنت صح بتقتل أي حد يضايقك أو يزاعلك؟”
ساد الصمت بينهما.. نظر إليها ظافر بنظرة عميقة، ثم قال ببطء:
– “ليس أي شخص.”
ابلتعت مايا ريقها وقالت:
– “طب الحمد لله.. كويس والله.”
– “ولماذا يسعدك هذا؟”
ابتسمت بعفوية وشاوَرِت على نفسها:
– “عشان أنا غالباً هزعلك وأطير لك برج من عقلك كتير الفترة الجاية!”
للمرة الأولى في حياته… لم يجد إمبراطور الشمال الرهيب أي رد يقوله! أما هي، فدبت رجليها وعادت لجناحها بمنتهى البساطة وكأنها ما قالتش مصيبة.
وفي الجناح الآخر المظلم من القصر…
كانت السيدة “أوليفيا” تقف أمام نافذة مطلة على الحديقة، دخلت عليها الخادمة وهي بترتجف وبتنهد:
– “سيدتي…”
التفتت أوليفيا ببرود وغضب مكتوم:
– “هل فعلتِ ما أمرتكِ به؟”
خفضت الخادمة رأسها برعب:
– “نعم يا سيدتي… تم تجهيز كل شيء.”
ابتسمت أوليفيا ابتسامة خبيثة وشيطانية:
– “ممتاز… غداً مع شروق الشمس، لن تكون هذه الفتاة القروية زوجة للإمبراطور، بل ستكون مجرد ج\ثة هامدة.”
ثم أضافت بصوت كالسم:
– “اجعلي السم يصل إلى طبقها الخاص أثناء طعام الفطور وأمام الجميع.. لتكون عبرة.”
ترددت الخادمة وقالت بخوف:
– “وماذا إن أكل الإمبراطور معها كما حدث اليوم؟”
رفعت أوليفيا عينيها بثبات قاسي:
– “لا يهم… المهم أن يفهم الجميع أن هذا القصر ليس مكاناً للفتيات الساذجات.”
وفي الجهة الأخرى من القصر…
كانت مايا قد عادت لسريرها الكبير، حطت رأسها على الوسادة الثقيلة وهي بتتمتم بنعاس:
– “بكرة لازم أصحى بدري عشان ألحق الفطار ساخن…”
توقفت حركتها فجأة.. وفتحت عين واحدة في الضلمة:
– “استنى كده…”
قعدت على السرير بسرعة وهي بتضرب جبهتها:
– “هو أنا ليه حاسة إن في حد بيكرهني ومغلول مني وفي محاولة قتل سودة بتتجهز لي بكرة?!”
فتحت عينيها الاتنين على آخرهم وقالت بصوت واطي:
– “يا نهار أسود… ده أنا لازم أركز في الأكل أكتر من كده!” بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
الفصل الثالث: الكأس المسموم
في صباح اليوم التالي، الشمس كانت لسه بتفرك عينيها، ومايا سمعت خبط على الباب مش طبيعي.
فتحت عين واحدة وهي بتتمتم:
ـ “مين اللي بيخبط الفجرية؟ لو دي الخدامة، هقولها إن الأكل لسه قدامه شوية.”
صوت الخادمة جه من بره:
ـ “مولاتي، الإمبراطور مستنيكي على الفطار.”
نطت مايا من على السرير زي الياي:
ـ “فطار؟! قولي كده من الصبح!”
فتحت الباب بلهفة، الخادمة كانت واقفة ومعاها فستان تقيل ومطرز، مايا بصتله بقرف:
ـ “يا بنتي ده فستان ولا درع حربي؟ هاتيلنا حاجة مريحة، أنا رايحة آكل مش رايحة أحارب.”
بعد شوية…
دخلت مايا قاعة الطعام. كان ظافر قاعد في مكانه، هيبته مالية المكان، وعينه على الأوراق اللي قدامه.
مايا كانت لابسة فستان بسيط، مريح، وشعرها مربوط لورا بديل حصان، لا فيه دهب ولا فيه ألماظ. ظافر رفع عينه وبصلها من فوق لتحت.
ـ فين العقد والتاج اللي بعتلك إمبارح؟
مايا لمست رقبتها ببساطة:
ـ شيلتهم.
ـ ليه؟
ـ بتوجع رقبتي.. أنا رقبتي متعودة على خيط الصيد مش على حجر وزنه نص كيلو.
ظافر سكت، ملامحه كانت حجر، بس عينه قالت حاجات كتير. شاور على الكرسي:
ـ اقعدي.
قعدت مايا وبدأت تبص للأطباق اللي مغطية الترابيزة. عينها برقت:
ـ يا نهار أبيض! كل ده فطار؟
ظافر بصلها بذهول:
ـ أنتِ كنتِ فاكرة إني بقتل الناس بس؟
مايا ابتسمت وهي بتمد إيدها:
ـ لأ.. طلعت بتأكلهم كويس كمان.
وزير من الوزراء كان بيشرب مية، شرق وكح كح جامد. ظافر غمض عينه وأخد نفس طويل:
ـ كلي يا مايا.
الخدم بدأوا يقدموا الأطباق. واحدة من الخادمات قربت وحطت كاس قدام مايا، وكاس تاني قدام ظافر.
مايا كانت لسه بتمد إيدها، بس فجأة وقفت.
بصت للكاس.
رفعت الكاس شوية، وقربته من مناخيرها.
فجأة ملامحها اتغيرت، والضحكة اللي كانت على وشها اختفت.
ظافر لاحظ الحركة دي فوراً، صوت إيده على الورق وقف:
ـ في إيه؟
مايا ما ردتش. نزلت الكاس، وبصت لظافر بنظرة جادة جداً، وزقيت الكاس اللي قدامها ناحيته:
ـ اشرب من ده.
ظافر رفع حاجبه:
ـ ليه؟
مايا قربت منه وهمست بصوت واطي:
ـ عشان أنا شاكة إن فيه حاجة مش تمام.
ظافر وشّه اتغير تماماً. اتشدت عضلات وشه، وبص للحراس بصوت هادي بس مرعب:
ـ الكل يطلع بره.
الوزراء ارتبكوا:
ـ مولاي…
ظافر ما كررش الكلام. في ثواني، القاعة بقت فاضية إلا منهم وحراس القصر.
ظافر بص للكأس اللي قدامه، وبص لمايا:
ـ عرفتي منين؟
مايا حطت إيدها على خصرها:
ـ ريحته.
ظافر بصلها بذهول:
ـ شميتي السم؟
هزت راسها:
ـ أنا قضيت عمري كله بصيد سمك في الغابات، فيه أعشاب وسموم ريحتها بتميزها، زي بالظبط ريحة الطين والتعفن.. وده فيه نفس الريحة.
ظافر بصلها وكأنه بيشوفها لأول مرة:
ـ وليه ما خفتيش؟
مايا ببرود:
ـ أخاف ليه؟
ـ واحد بيحاول يقتلك!
مايا سكتت لحظة، وبعدين قالت:
ـ بصراحة؟ أنا زعلت أكتر على الأكل، كان شكله تحفة.
ظافر غصب عنه، طرف شفايفه أتحرك، كان هيضحك بس مسك نفسه.
بعد دقيقة، كبير الأطباء دخل، فحص الكأس، وبعدين رجع لورا وشّه أصفر:
ـ مولاي.. ده سم قاتل، كفيل يموت حصان!
ظافر لف لمايا، كانت بتمسك تفاحة وبتاكل منها عادي:
ـ سيبي التفاحة دي فوراً!
مايا وقفت:
ـ ليه؟
ـ يمكن تكون مسمومة هي كمان.
مايا سابت التفاحة بملل:
ـ ماشي.. بس أنا جعانة.
ظافر تنفس ببطء، بصلها بجدية:
ـ اقفلي القصر.
الحارس:
ـ مولاي؟
ـ لا حد يدخل ولا حد يخرج.
بعد ساعات… كل الخدم والجواري واقفين في القاعة، مرعوبين.
مايا واقفة جنب ظافر، بتبص في وشوشهم واحد واحد.
ظافر:
ـ الخادمة اللي قدمت الكاس تطلع.
بنت صغيرة طلعت وهي بتترعش، وقعت على ركبها:
ـ والله ما أنا يا مولاي!
ظافر:
ـ مين اللي إداكي الكاس؟
البنت كانت هتبدأ تعيط، بس مايا مسكت إيد ظافر:
ـ استنى.
بصت للخادمة وقالت بصوت حنين:
ـ هي خايفة.. بس مش خايفة منك يا ظافر. هي خايفة من حد تاني هنا.
الخادمة رفعت عينها، وبصت لناحية الستات الأنيقة اللي واقفين في الجنب.
مايا ركزت، شافت ست بتبتسم ابتسامة هادية، بس عينيها باردة زي التلج.
مايا قربت من ظافر وهمست:
ـ هي.
ـ مين؟
أشارت مايا بدقنها:
ـ الست اللي بتبتسم دي.
ظافر بصلها، وشّه أتغير تماماً. دي “الأميرة جلنار”.
جلنار قالت بصوت ناعم ومستفز:
ـ مولاي، هتصدق البنت دي؟ دي لسه جاية إمبارح!
مايا بصتلها:
ـ أنا ما اتهمتكيش.. أنا بس قلت إن ابتسامتك مش مريحة.
ساد صمت القبور. ظافر بص لجلنار بنظرة غامضة، مش غضب.. لأ، دي نظرة حد بيواجه عدو ذكي.
فجأة، صوت صرخة بره القاعة!
حارس جري جوه:
ـ مولاي! لقينا الراجل اللي جاب السم ميت في الممر!
ظافر:
ـ ومعاه حاجة؟
الحارس مد إيده بورقة:
ـ كان ماسك دي.
ظافر فتح الورقة، قرأها.. وشّه جاب ألوان.
مايا قربت:
ـ مكتوب إيه؟
ظافر بصلها بنظرة غريبة:
ـ “الإمبراطور لا يعرف من هي زوجته الحقيقية.”
مايا اتجمدت:
ـ يعني إيه؟
جلنار كانت بتبص لمايا، والابتسامة على وشها زادت.. ابتسامة بتقول إن اللعبة الكبيرة لسه بتبدأ.
