حذاء الأمبراطور بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الفصل الرابع: ظلال الشك
​
ساد القاعة صمتٌ أثقل من جبال الشمال الثلجية.
​
الكلمات المكتوبة في الورقة كانت تتراقص أمام عيني مايا، لكنها لم تفهم منها شيئًا. التفتت إلى ظافر لتجد وجهه قد تحول إلى قناع صلب من الفولاذ، عروق رقبة بارزة وعيناه تثقبان الورقة كأنما يريد إحراقها بنظراته.
​
كسرت مايا هذا الصمت الرهيب وقالت بصوت متسائل:
– “هو يعني إيه ‘زوجته الحقيقية’؟ هو أنت متجوز عليّ من ورايا ولا إيه يا ظافر؟”
​
تجاهل ظافر سؤالها تمامًا، ولم يتحرك له جفن. رفع يده بحركة قاطعة وأمر بصوت زلزل القاعة:
– “أغلقوا القصر بالكامل! أطلقوا فرسان الحرس الإمبراطوري في كل شبر، ولا يسمح لأحد بالخروج أو الدخول حتى لو كان من دمي!”
​
ثم التفت إلى جلنار، التي كانت تقف بهدوء مريب وابتسامتها الباردة لم تفارق شفتيها. خَطَا ظافر نحوها بخطوات ثقيلة جعلت البلاط الرخامي يهتز، حتى أصبح يفصله عنها إنشات قليلة.
– “جلنار… أنصحكِ ألا تكوني خيطًا في هذه اللعبة، لأنني عندما أقطع الخيوط، أقطع الرؤوس التي تمسكها.”
​
لم ترمش جلنار، بل انحنت بهدوء ملكي وقالت بنبرة تقطر سماً ناعماً:
– “مولاي الإمبراطور… أنت تعلم أنني أخلص العبيد لعرشك. لكن ربما عليك أن تسأل نفسك: من أين جاءت هذه الفتاة القروية فجأة؟ وكيف تعرفت على ريح السموم بتلك السهولة؟ هل تعتقد حقاً أن صيادة سمك بسيطة يمكنها تمييز سمٍّ نادِرٍ يُصنع في أعماق مملكة أعدائك؟”
​
فتحت مايا فمها بذهول وضربت صدريها بيدها:
– “يا حلاوة! يعني بدل ما تشكروني إن أنقذت الراجل من الموت، بتقلبيها عليا؟! وبعدين السم ده ريحته زي ريحة سمك ‘المبروكة’ لما يعفن في الشمس يومين! ريحة تقطع الخلف، مش محتاجة علم كيمياء يعني!”
​
لكن الشك كان قد بدأ ينساب كالأفعى في نفوس الوزراء والحراس الواقفين. بدأت الهمسات تتصاعد في القاعة:
– “إنها محقة… كيف لفتاة قروية أن تفعل ذلك؟”
– “ربما هي جاسوسة أُرسلت لتكسب ثقة الإمبراطور أولاً!”
​
نظر ظافر إلى مايا نظرة عميقة، غامضة ومحملة بأسئلة لا نهاية لها. لم يقل كلمة واحدة دفاعًا عنها، بل اكتفى بأن قال للحرس:
– “اصطحبوا مايا إلى القناح الملكي… واجعلوا على بابها حراسة مشددة. لا تخرج حتى آذن بذلك.”
​
وسعت مايا عينيها بصدمة:
– “حبسة؟! يعني أنا أمنع عنك السم، تقوم تحبسني؟! طب وحياة جزمة الإمبراطور اللي اصطدتها، لتندم يا ظافر!”
​
تجاهلها ظافر وأدار ظهره ماشيًا بخطوات سريعة نحو قاعة العرش، تاركًا إياها تُساق بواسطة الحراس وهي تتذمر وطول الطريق تسب وتلعن في البروتوكولات الملوكية.
​
​
في الجناح الملكي…
​
كانت مايا تراوح مكانها في الغرفة كالمرأة المجنونة، تذرع السجاد الفاخر جيئة وذهاباً. الخادمة التي كانت معها تقف في الزاويه ترتجف خائفة.
​
– “بقى أنا جاسوسة؟! أنا اللي كنت ببيع السمك بالفصال عشان أجيب كيلو دقيق، أطلع جاسوسة دولية؟! ده أنا لو جاسوسة كنت بعت أبويا للعدو بعشرين جنيه!”
​
قاطعتها الخادمة بصوت خفيض:
– “مولاتي… الأمر ليس بهذه البساطة. الورقة التي وُجدت مع الج\ثة… تشير إلى أسطورة قديمة في المملكة.”
​
توقفت مايا عن المشي ونظرت إليها باهتمام:
– “أسطورة إيه يا أختي؟ اتكلمي وضحي.”
​
قربت الخادمة وهمست ورأسها يتلفت نحو الباب:
– “يقال إن الإمبراطور ظافر عندما كان طفلاً، تم عقد قرانه سراً على أميرة من أقصى الشرق لضمان تحالف حربي ضخم… لكن تلك الأميرة اختفت في ظروف غامضة أثناء هجوم على موكبها، ولم يعثر لها على أثر. والأطراف المتربصة بالعرش ينتظرون ظهور تلك الأميرة لأنها الوحيدة التي تملك شرعية سلب العرش منه أو مشاركته فيه بعهد قديم مکتوب بدم العائلتين!”
​
صفقت مايا بيدها بذهول:
– “يا نهار أسود ومنيّل! يعني أنا أكلت دماغي عشان أتجوز الراجل بتاع الجزمة، وأتاري الموضوع فيه عرش وأميرة مفقودة وعصابات؟!”
​
وفجأة… سمعت مايا صوت حركة خفيفة مصدرها الشرفة العالية!
​
أشارت للخادمة بأن تصمت. سحبت مايا شمعداناً ناسيًا ثقيلاً من فوق الطاولة، وتسللت بخطوات حذرة نحو الشرفة الثلجية.
​
كانت الرياح تعصف، والتبريد شديداً. وفجأة، قفز خيال أسود ملثم من فوق السور وسبح في الهواء ليهبط داخل الشرفة مباشرة!
​
لم تنتظر مايا ثانية واحدة!
قبل أن يستوعب الملثم ما يحدث، هويت بالشمعدان التقيل على رأسه بأقصى قوتها!
​
طاااااخ!
​
سقط الرجل الملثم على الأرض وهو يئن ويمسك رأسه:
– “آآآخ… تبّاً لكِ يا امرأة!”
​
تراجعت مايا وهي ترفع الشمعدان كالسيّاف وتصرخ:
– “أنت مين يا روح أمك؟! جاي تقتلني أنا كمان؟ والله لأوريك غضب صيادين السمك!”
​
رفع الرجل الملثم يده بسرعة وأزال اللثام عن وجهه وهو يتأوه بوجع…
​
فتحت مايا عينيها على وسعهما، وشلت الحركة في يدها.
​
الرجل الملثم لم يكن سوى… الإمبراطور ظافر نفسه!
​
سقط الشمعدان من يد مايا على الأرض بصوت مرتفع:
– “ظافر؟! أنت جاي تنط لي من الشباك زي الحرامية ليه يا راجل أنت؟! هو الباب يشتكي من حاجة؟!”
​
قام ظافر وهو يمسح على رأسه بوجع شديد، وعيناه تشتعلان غضباً:
– “أنتِ كدتِ تفلقين رأسي نصفين!”
​
حطت مايا يدها على خصرها وردت بكل بجاحة:
– “تستاهل! حد ينط على واحدة قعدا في أوضتها في نص الليل متلثمة كأنه قاطع طريق؟! وبعدين أنت مش حابسني تحت؟ جاي لي ليه بقى؟”
​
تنهد ظافر بقوة للسيادة على غضبه، وقرب منها بثبات حتى أصبح يقف أمامها مباشرة في ظلام الشرفة. انخفض صوته وأصبح شديد الجدية والهمس:
​
– “أتيت لأن القصر لم يعد آمناً لكِ… ولأنني أعلم أنكِ لستِ جاسوسة.”
​
رمشت مايا عدة مرات بدهشة:
– “طب وليه عملت النمرة دي قدام الوزراء وحبستني؟”
​
رد ظافر بعينين كالمحيط المغضب:
– “لكي أستدرج العقرب من جحره. هم يعتقدون الآن أنني أشك بكِ وأنكِ بلا حماية… وسيحاولون تصفيتكِ الليلة لإنهاء اللعبة.”
​
صمتت مايا برهة، وبدأت تفهم خطته، لكنها سألت بسؤال ذكي مفاجئ:
– “وظافر الإمبراطور… مهتم يحميني ليه؟ مش أنا بالنسبة لك مجرد بنت قروية صادت جزمتك بالصدفة؟”
​
أمسك ظافر بمعصمها ببطء، وكانت يده دافئة رغم البرد القارس. نظر في عينيها بثبات وقال بصوت خفيض أرسل قشعريرة في جسدها:
– “لأنكِ الوحيدة في هذا القصر الملعون التي تنظرين في عينيّ دون أن ترتعدي… ولأنني لا أسمح لأحد بأن يمسّ أملاك الإمبراطور.”
​
ارتفع حاجب مايا وقالت وهي تسحب يدها بدلع وبساطة:
– “أملاكك؟ ماشي يا عم الإمبراطور… بس على فكرة، أنا معروضة للبيع بالأكل الحلو بس!”
​
لم يبتسم ظافر هذه المرة، بل سحب خنجراً مرصعاً بالجواهر من حزامه ووضعه في يدها:
– “خدي هذا. ستبقين هنا، وأنا سأكون قريباً جداً. الليلة… ستسقط الأقنعة.”
​
وفي تلك اللحظة بالذات، ومن أقصى الممر المظلم المؤدي إلى الجناح الملكي… كانت هناك أقدام خفيفة تتقدم في الظلام، وفي يدها سيف يلمع تحت ضوء القمر.
​
وقبل أن يتحدث ظافر، سمعا صوت صرير الباب الخارجي للجناح وهو يُفتح ببطء شديد…
​
تأهب ظافر، واستلت مايا خنجرها، ووقفا جنباً إلى جنب في ظلام الغرفة، بانتظار الطريدة التي ظنت أنها الصياد!
الفصل الخامس: انكشاف القناع
​
انحبست الأنفاس داخل الجناح الملكي.
​
اندفع الظل الأسود عبر الباب المفتوح بلمح البصر، متجهاً مباشرة نحو السرير المظلم، ورفع سيفه الحاد ليهوي به بكل قوته على الفراش!
​
طااااااخ!
​
قطع السيف الوسائد والغطاء، لكنه لم يصب سوى الهواء!
​
وقبل أن يستوعب المهاجم ما يحدث، خرج ظافر من بين ظلال الشرفة كالصاروخ، وركل السيف من يد الرجل بكل قسوة، ليطير الس\لاح في الهواء ويرتطم بالجدار.
​
صرخ المهاجم وتراجع للخلف ممسكاً بيده المكسورة، وفي ثوانٍ معدودة، كانت مايا قد أسرعت وإضاءت الشمعدان، ليمتلئ الجناح بالنور ويظهر وجه القاتل.
​
شهقت مايا بذهول وهي ترفع الشمعدان:
– “يا نهار أسود! أنت الكابتن الأصفر?!”
​
كان القاتل هو قائد الحرس الخاص بالعرش! الرجل الذي كان يرتجف ووجهه كالصفار عندما اصطادت مايا حذاء الإمبراطور أول مرة عند النهر!
​
نظر إليه ظافر بعيون كالجمر المشتعل، وتقدم منه ببطء مرعب. استل ظافر سيفه الثقيل ووضعه على رقبة القائد الذي جثا على ركبتيه وهو يرتجف برعب حقيقي:
– “عـ… عفواً يا مولاي! الرحمة!”
​
قال ظافر بصوت هادئ يسبق العاصفة:
– “كنتُ أعلم أنك الخائن الذي يُسرّب الأخبار، لكن من أرسلك لتصفية مايا؟ جلنار… أم شخص آخر؟”
​
بلع القائد ريقه بتوتر ورعب، وبص عينه على مايا وقال بصوت متقطع:
– “ليست جلنار يا مولاي… إنها… إنها السيدة أوليفيا!”
​
تغيرت ملامح ظافر فوراً، وساد صمت ثقيل في الغرفة.
​
قربت مايا من ظافر وسألته بفضول وهي تضيّق عينيها:
– “مين السيدة أوليفيا دي كمان؟ هي الشغلة فيها نسوان كتير كده ليه؟”
​
رد ظافر بنبرة قاتمة دون أن يبعد سيفه عن رقبة الخائن:
– “أوليفيا هي عمّتي… وكبيرة العائلة الإمبراطورية.”
​
ثم نظر للقائد وسأله:
– “وما علاقة أوليفيا بالورقة والمكتوب فيها؟”
​
انهمرت دموع القائد من الخوف وقال:
– “السيدة أوليفيا هي من تملك الختم الإمبراطوري القديم! هي من أحضرت فتاة من الشرق وتدّعي أنها الأميرة المفقودة وزوجتك الحقيقية، وكان مخططها أن تقتل هذه الفتاة القروية الليلة، لتعلن غداً عن ظهور الأميرة الحقيقية وتجبرك على التنازل عن عرش الشمال لها!”
​
مايا حطت إيدها على رأسها بصدمة:
– “يا حلاوة! يعني الكوسة واصلة للرقاب في القصر ده! طب وأنا ذنبي إيه أدخل في فيلم دراما ملكي وأنا كل اللي طلبته سمكة مشوية ورغيفين عيش؟!”
​
التفت ظافر إلى مايا، وقبل أن يتكلم… حاصرت قوات الحرس الإمبراطوري الجناح الملكي بالكامل، ودخلت “جلنار” ومعها العشرات من الجنود والفرسان!
​
قالت جلنار وهي تنحني باحترام لظافر:
– “مولاي الإمبراطور… السيدة أوليفيا أعلنت العصيان في القاعة الكبرى، وتجمع معها النبلاء ومعهم الفتاة التي تدعي أنها الأميرة المفقودة!”
​
رفع ظافر رأسه بهيبة طاغية، وصوت سيفه وهو يعود لغمده أحدث رنيناً قادراً على إرهاب الجيش بأكمله.
– “إذاً… حان الوقت لننهي هذه المهازل.”
​
نظر إلى مايا وقال بصرامة:
– “ابقِ هنا مع الحرس.”
​
مسكت مايا في عباءته السوداء بسرعة وقالت بثقة وعفوية:
– “وحياة جزمة جلالتك لا طالعة معاك! أنا اللي اتعمل عليا محاولة اغتيال مرتين في يومين، ولازم أحضر قفلة الفيلم ده وأشوف مين اللي كانت عايزة تطير رقبتي!”
​
نظر ظافر في عينيها الصافيتين والجريئتين، ولأول مرة… لم يجادلها. هز رأسه ببطء وقال:
– “لا تفارقي ظلي.”
​
​
في القاعة الكبرى للقصر…
​
كانت السيدة أوليفيا تقف بوقار وأناقة وسط كبار النبلاء والوزراء. وبجانبها فتاة شابة ترتدي ثياباً ملكية فاخرة وتاجاً مرصعاً بالألماس، وتبدو عليها سيماء الأميرات.
​
وقفت أوليفيا وصرخت بصوت مرتفع هز الأرجاء:
– “يا رجال الشمال! الإمبراطور ظافر خالف العهد القديم، وتزوج فتاة قروية لا أصل لها ولا فصل، بينما الأميرة الحقيقية وشركته في العرش واقفة بينكم الآن!”
​
بدأ النبلاء يتهامسون بذهول وتأييد.
​
وفجأة…
تفتحت الأبواب الحديدية الضخمة للقاعة بقوة وصوت يرعب القلوب!
​
دخل ظافر بخطوات ثقيلة كالجبل، وعن يمينه كانت تسير “مايا” بمنتهى الروقان والبساطة، ماسكة خنجرها وبتتفرج على التاج والألماظ بفضول!
​
توقفت أوليفيا متفاجئة:
– “أنت؟! كيف ما زلت حية أيها القروية؟!”
​
ردت مايا وهي بتمشي جنب ظافر بثقة:
– “أصل القاتل بتاعك طالع خايب أوي يا طنط، والشمعدان بتاعي كان أسرع منه!”
​
تقدم ظافر وقف أمام عمته والنبلاء، وساد صمت يرعب الحجر.
أشارت أوليفيا للفتاة التي بجانبها وقالت بقسوة:
– “هذه هي الأميرة المفقودة! تملك الختم الملكي للشرق، وعهد الدم بين العائلتين يقضي بشركيتها في العرش أو زواجك منها!”
​
نظر ظافر للفتاة الشابة بثبات بارد، ثم التفت لعمته أوليفيا وقال بنبرة واثقة هادئة:
– “الختم الملكي للشرق سرق منذ سنوات… وهذا ليس دليلاً.”
​
ضحكت أوليفيا بخبث:
– “ولكن الدم لا يكذب! الأميرة المفقودة تحمل شامة على شكل خطين متقاطعين خلف أذنها اليمنى منذ ولادتها! وهذا شيء لا يعلمه إلا من شهد ولادتها!”
​
رفع الوزراء رؤوسهم بذهول… وابتسمت الفتاة المزيفة بثقة وهي ترجع شعرها للخلف لتظهر الشامة!
​
ساد القاعة ارتباك شديد، وبدا أن العرش يسحب من تحت أقدام ظافر…
​
لكن في تلك اللحظة…
قربت مايا من الفتاة وظلت تبص خلف أذنها بتركيز شديد. وفجأة، رفعت إيدها وبكل بساطة… بلت صباعها بريقها ومسحت خلف أذن الفتاة بقوة!
​
صرخت الفتاة:
– “آه! ماذا تفعلين يا مجنونة?!”
​
رفعت مايا صباعها قدام الوزراء والنبلاء وقالت بضحكة عالية:
– “يا نهار أسود ومصدي! دي حبر وهباب فرن يا جماعة! أهو اتمسح في إيدي!”
​
نزل الذهول على القاعة كالصاعقة!
نظر الجميع إلى خلف أذن الفتاة ليجدوا أن الشامة قد اختفت تماماً وأصبحت بقعة سوداء ملطخة!
​
ارتبكت الفتاة وتراجعت للخلف وهي ترتجف، بينما اصفر وجه السيدة أوليفيا تماماً وسقط الكأس من يدها ليتشظى على الأرض!
​
مايا بصت لأوليفيا وغمزت لها:
– “قلت لكم قبل كده… أنا بصطاد السمك تحت المية، وبأعرف المزور من الأصلي من ريحته وشكله!”
​
انفجرت القاعة بهتافات الحراس والفرسان، وسحب ظافر سيفه وأشار به نحو أوليفيا والحراس المحيطين بها:
– “اقبضوا على الخونة فوراً!”
​
تم سحب أوليفيا والفتاة المزيفة والقائد الخائن خارج القاعة وهم يصرخون ويطلبون الرحمة، بينما وقف الوزراء والنبلاء وينحنون جميعاً للإمبراطور ظافر.
​
​
بعد انقضاء الليلة وتحقيق العدالة…
​
كان الشفق الأحمر يشرق فوق جبال الشمال الثلجية.
وقفت مايا في الشرفة العالية تتأمل منظر الغيوم، ولابسة عباءة دافئة.
​
جاء ظافر ووقف بجانبها، وسند على السور الرخامي.
نظر إليها بعينين دافئتين على غير العادة، وقال ببطء:
– “لقد أنقذتِ الإمبراطورية الليلة يا مايا.”
​
ابتسمت مايا وهزت كتفها ببساطة:
– “أنا ما عملتش حاجة… أنا بس ما بحبش الغش والتزوير. وبعدين، طالما الأكل هنا حلو ومفيش سم، يبقى القصر ده يستاهل نعيش فيه بروقان.”
​
التفت إليها ظافر بالكامل، وأمسك بيديها الاثنين ببطء.
انخفض صوته وأصبح ناعماً ودافئاً لأول مرة:
– “مايا… لم تعد هذه الجوازة مجرد مصادفة أو نصيب عند النهر.”
​
رفعت مايا حواجبها بابتسامة شوارع خفيفة:
– “أومال بقت إيه يا أبو ابتسامة سرية؟”
​
قال ظافر وهو ينظر في عينيها بثبات وحب صادق:
– “بقت اختيار… أنتِ إمبراطورة الشمال الحقيقية.”
​
ضحكت مايا بصوت عالٍ ودافئ، وقالت وهي بتعدل ياقة عباءته:
– “ماشي يا عم الإمبراطور… بس بشرط!”
​
رفع ظافر حاجبيه بدهشة:
– “شرط؟ وما هو؟”
​
غمزت له مايا وقالت:
– “من بكرة الصبح… أنا اللي هصطاد السمك بنفسي، وأنت اللي هتقعد تقشره وتشويه معايا على النهر!”
​
لأول مرة في تاريخ الشمال… لم يبتسم الإمبراطور ظافر ابتسامة سرية خفيفة فقط، بل أطلق ضحكة عالية وصريحة هزت القصر كله، وأمسك بيدها ليطلا معاً على مملكتهما الجديدة.
فصل خاص: رحلة على النهر
​كانت الشمس في منتصف السماء، والهواء البارد يلف جبال الشمال الثلجية، عندما وقفت مايا في منتصف القاعة الكبرى حاطة إيدها في خصرها وبتبص لظافر بتحدٍّ:
– “أنا قلت كلمة واحدة ومفيش غيرها… شرطي يتحقق يعني يتحقق!”
​كان ظافر واقفًا بهيبته المعتادة، لابس عباءته السوداء الثقيلة، وحوليه كبار القادة والوزراء اللي بيبصوا للبعض بذهول.
تنحنح كبير الوزراء وقال بصوت متوتر:
– “يا مولاتي… جلالة الإمبراطور لديه اجتماع عاجل مع سفراء الجبال، ولا يجوز لقامة ملكية أن…”
​قاطعته مايا وهي بتشاور بإيدها:
– “بس يا بابا أنت وهو! سفراء إيه ورسميات إيه؟ الراجل ده وعدني يوم ما وافقت أجوز جزمه قصدي أتجوزه، إنه هيطلع معايا يصطاد سمك وهو اللي هيقشره ويشويه بنفسه!”
​التفت الجميع لظافر، منتظرين منه نظرة غضب واحدة تطير رقبة العروس الجريئة… بس ظافر سكت لحظة، وبعدين طرف شفايفه اترفع بابتسامة خفيفة.
رفع يده وقال بصرامة هادئة:
– “إلغوا جميع اجتماعات اليوم.”
​شهق الوزراء كلهم في نفس الواحد، بينما غمزت مايا للإمبراطور وقالت بثقة:
– “جدع يا أبو ابتسامة سرية… يلا بينا نلبس هدوم الصيد!”
​بعد ساعة… عند شط النهر.
​المكان كان هو هو نفس الشط اللي التقوا فيه أول مرة، بس المرة دي، الحراس كانوا واقفين على مسافة بعيدة جداً بناءً على أمر ظافر الشديد بعدم الاقتراب. بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
​كان ظافر قلع عباءته الفخمة ولابس قميص أسود بسيط وشمر أكمامه، ماسك صنارة خشبية جديدة زيرو، وواقف جنب النهر كأنه تمثال رخامي شديد الهيبة.
أما مايا، فكانت قاعدة على الصخرة إياها، حافية القدمين، ماسكة صنارتها وبيتهاكلها الشوق للسمك.
​بصت مايا لظافر وضيقت عينها:
– “أنت واقف كده ليه يا ظافر؟ أنت هترعب السمك بالطريقة دي!”
​التفت إليها بحواجب مرفوعة:
– “ماذا تفعلين؟ أنا أقف بهدوء.”
– “يا حبيبي الهدوء ده هدوء الموتى! أنت واقف زي الصنم ولا بترميش رمش حتى، السمك تحت المية بيشوف خيالك وبيحس إن في حرب جاية في السكة فيستخبى تحت الحجار!”
​تنهد ظافر وقرب منها بخطوات ثقيلة:
– “وماذا أفعل إذاً يا معلمة الصيد؟”
​ابتسمت مايا وقامت من فوق الصخرة:
– “اقعد هنا جنبي… وفك وادلع كده! الصيد محتاج طولة بال ورقة، مش هيبة جبال!”
​قعد ظافر على الصخرة جنبها بحذر، ولأول مرة في حياته، كانت رجله القريبة من المية مكشوفة للرياح الباردة.
مسكت مايا إيده وحطت الصنارة في إيده التانية، وقربت منه قوي عشان تظبط له ماسكة الخيط.
​كان ظافر بيبص لوشها القريب منه، لعينها الصافية اللي فيها لمعة شقاوة، وشعرها اللي بيتطاير مع الهواء.
قال بصوت خفيض ودافئ:
– “أنتِ أغرب إمبراطورة شهدتها المملكة يا مايا.”
​ضحكت مايا وهي بتسحب الخيط شوية:
– “وأنت أغرب عريس صادت جزمه صنارة… ركز في المية بقى بدل ما تبص لي كده، السمك مش هييجي بالحب!”
​وفجأة… الخيط بتاع صنارة ظافر اتشد بعنف!
​انتفض ظافر واقفاً في لحظة، وعضلات دراعه اتشدت فوراً وهو بيسحب الصنارة بقوة إمبراطور متعود يقطع الرقاب!
صرخت مايا:
– “بالراحة يا مجنون! هتجيب الخيط في إيدك والسمكة تطير!”
​بس ظافر ما سمعش الكلام، وسحب الصنارة بكل قوته في الهواء…
وفجأة، طار كائن فضي كبير من المية وهبط прямо فوق وش ظافر!
طرااااخ!
​السمكة كانت ضخمة وبتخبط بديلها على وش الإمبراطور المرعب بكل حيوية!
​مايا سقطت على الأرض من كثرة الضحك، ماسكة بطنها ومش قادرة تاخد نفسها:
– “ههههههههههه! يا نهار أسود! السمكة بتضرب الإمبراطور بالقلم! والله لو حد شافك من الوزراء ليغمى عليه!”
​مسك ظافر السمكة بإيده التانية بكل سهولة وسيطر عليها، ووشه كان متغرق مية، وشعره نازل على جبهته.
بصلها بعيون بتلمع بالضحك، وفجأة… مسك المية بإيده ورشها كلها على وش مايا!
​شهقت مايا وهي بتمسح المية من وشها:
– “إيه ده؟! أنت بتقلبها حرب مية يا ظافر؟ ماشية!”
​ونطت مايا من مكانها وبدأت ترش عليه المية، وظافر يرد عليها وهو بيضحك بصوت عالي وصريح، صوت هز هدوء النهر وخلى الحراس الواقفين بعيد يفركوا عينيهم بعدم تصدق…
الإمبراطور ظافر بيلعب بالمية وبيضحك من قلبه!
​عند غروب الشمس…
​كانت النار بتقيد على شط النهر، وصوت فرقعة الخشب الدافي يملأ المكان.
كانت أربع سمكات كبار متشكين في سياخ خشب ومحطوطين على النار، وريحة المشوي مالية الهواء.
​كان ظافر قاعد على الأرض، لابس عباءته تاني، وقاعد جنب مايا اللي كانت ساندة رأسها على كتفه العريض.
كان بينضف شوك السمك بإيده بكل حرص، ويمد لها حتة لحم أبيض ناعم:
– “خدي يا مايا… دي مفيهاش شوك.”
​أخدت مايا القطعة وأكلتها بروقان وقالت وهي بتمضغ:
– “تسلم إيدك يا أبو ابتسامة سرية… بصراحة؟ تقشيرك للسمك أرحم من سياساتك الملكية بكتير!”
​ابتسم ظافر وضمها بذراعه ليحميها من برودة الليل:
– “إذاً… هل أنتِ سعيدة هنا؟ بعيداً عن القصر والبروتوكولات؟”
​رفعت مايا رأسها وبصت لعيونه القاسية اللي بقت مليانة دفء وحنان، وقالت بعفوية:
– “أنا سعيدة في أي مكان، طالما الأكل حلو… وأنت معايا يا ظافر.”
​نظر إليها ظافر لثوانٍ طويلة، ثم انحنى وقبّل جبهتها ببطء وقال بصوت هادئ:
– “وأنا أعدك… أن تبقى كل أيامكِ هنا أكل حلو، وضحك، وسمك مشوي.”
​ابتسمت مايا وسندت رأسها على صدره تاني وهي بتقول بنعاس:
– “طب بس أوعى تنسى تغسل إيدك من ريحة السمك قبل ما ندخل القصر يا إمبراطور… عشان الهيبة بس!”
​وانطلقت ضحكة ظافر الدافئة لتختلط مع صوت جران النهر ودفء النار، في ليلة لم تكن مجرد رحلة صيد… بل كانت بداية حكاية حب أسطورية بين إمبراطور الشمال وصيادة السمك البسيطة.
تمت
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *