حكايه دياب وفاتن ج١

الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
مطار القاهرة، الزحمة والصوت العالي في كل حتة، وشنطة سفر سودا بتجرها عجلة مكسورة نصها. دياب الهلالي واقف في نص الصالة، البدلة الكحلي متكرمشة من السفر، وعينه تايهة بين لوحة الرحلات وبين البوابة اللي هتاخده على أمريكا.
6 سنين طب في جامعة أسيوط… سهر وتعب ومذاكرة تحت لمبة جاز في الدوار لما الكهربا كانت بتقطع في البلد. والمنحة دي؟ دي كانت حلم عمره من وهو عيل صغير بيقلب في كتب الطب القديمة بتاعة عمه. بس الحلم دلوقتي طعمه مُر، عامل زي الدوا اللي لازم تبلعه غصب عنك.
قبلها بأسبوعين… دوار الهلايلة في أسيوط
ريحة الشاي بالنعناع مالية الدوار، والحاج هلالي قاعد على الكنبة الخشب العتيقة، العصاية الأبنوس متسندة جنبه، وملامحه زي الحجر. مفيش كلمة بتطلع من بقه إلا وليها وزن.
الحاج هلالي بص لدياب اللي قاعد قدامه على الأرض بإحترام، وعينه فيها قرار مفيهوش رجعة:
“يا ولدي، قبل ما تركب الطيارة وتسافر بلاد بره، لازم تستر بنت عمك فاتن. أنا وعدت أبوها المرحوم وهي لسه في اللفة إنك ليها وهي ليك. كلمتي يا دياب ما تنزلش الأرض.”
دياب حس إن ريقه نشف. فاتن… فاتن اللي كانت بتجري في حوش البيت وهي صغيرة وتقع وتعيط فيجي هو يشيلها. فاتن اللي كانت بتعمل له الشاي وهو بيذاكر للثانوية. أصغر منه بـ 5 سنين، طيبة وغلبانة وعينها دايماً في الأرض. عمره ما شافها غير أخته الصغيرة. إزاي؟ إزاي تبقى مراته؟ مرات الدكتور اللي هيسافر أمريكا؟
حاول يمسك نفسه، صوته طلع واطي ومهزوز:
“يا جدي، بالله عليك… أنا لسه هسافر 4 سنين دراسة وتخصص. حرام أربط البت جنبي وأنا مش موجود. أظلمها معايا ليه؟”
الحاج هلالي خبط العصاية في الأرض خبطة هزت القهوة في الفنجان. صوته بقى زي الرعد:
“تكتب كتابك وتسافر! بنت عمك متتعايَرش في البلد ويقولوا الهلالي سابها من غير كتب كتاب. احنا صعايدة يا ولدي، والعِرض عندنا أغلى من الروح والدم. الكلام خلص.”
ورا الباب الخشب التقيل، كانت فاتن واقفة، قلبها بيدق زي الطبلة. سامعة كل كلمة، كل خبطة عصاية. إيديها بتترعش وهي ماسكة طرف طرحتها. ما نطقتش. ما قالتش آه ولا لأ. اتربت على إن البنت سكوتها علامة الرضا… حتى لو الرضا ده بيكسر قلبها ميت حتة.


