عروس أختفت يوم زفافها مايا خالد

عروس أختفت يوم زفافها
ساد الصمت الدامس في دار العائلة الكبيرة بقرية الصعيد العريقة، ولم يخرق هذا السكون سوى دقات الطبول البعيدة التي تعلن اقتراب موعد الزفة الكبرى. كان “رجل الموقف”، الشيخ صقر، كبير العائلة، يجلس في الديوان متربعًا على كرسيه الخشبي العتيق، ووجهه يتشح بوقار مرعب تكسوه هيبة الزعامة.
انفتح الباب فجأة بعنف، ودخل “همام”، شقيق العريس وأيمن رجالات الدار، ووجهه يخلو من أي دم. اقترب بخطوات متعثرة وهتف بصوت منخفض مرجوف:
– يا أبوي… المصيبة وقعت! العروسة مش في اوضتها، والدار كلها اقلبت ولا كأنها حفلة، دي كأنها مأتم!
نهض صقر بقامة فارعة، وتجهم وجهه أكثر، وسأله بصوت غليظ يحمل نبرة تهديد:
– كيف يعني مش في اوضتها؟ انشق الأرض وابلعتها؟ دوروا زين يا همام، دي الليلة ليلة فرح “زيدان”، ومينفعش الكلام ده يوصل لناس البلد.
– يا كبير، احنا دورنا في كل حتة، في الجنينة، وفي المخازن، وفي سرايا الحريم… ملهاش أي أثر. بس لاقينا دي فوق مخدتها.
مدّ همام يده بوراكة مطوية، خط عليها بقلم حبر أسود خشن كلمات معدودة. تناول صقر الورقة، وفتحها بعينين حادتين كالصقر، وقرأ بصوت خافت:
– “لو لقيتوني… اقت/لوني.”
تسمر زيدان، العريس، الذي كان يتابع بذهول من خلف الباب، وتقدم بسرعة مجنونة واختطف الورقة من يد كبير العائلة، وصاح بجنون:
– دي ضحكة! دي أكيد أكيد تهريج! “فاطمة” مستحيل تعملها! كيف تختفي ليلة زفتنا؟ كيف؟!
– اخرس يا زيدان! صوتك ما يعلاش في الديوان، وعيب ينطرح الكلام ده قدام الرجالة.
التفت صقر نحو همام وأمره بنبرة لا تقبل النقاش:
– اجمع رجالة العائلة وكل دراويش الحوش. البت دي ما خرجتش برا السرايا بالساهل، وراها سر، والسر ده هيتكشف الليلة قبل طلوع الفجر، حتى لو استعان جن الأرض.
انطلق همام في رحلة بحث مضنية داخل السراديب القديمة للدار وملحقاتها المنسية، ومعه مصباح يدوي وبعض الرجال المخلصين. كان الغبار يعبق في الأرجاء، والأبواب الخشبية القديمة تصدر صريرًا مزعجًا مع كل حركة. وقف همام أمام باب الغرفة السرية الواقعة أسفل السلم الحجري القديم، باب لم يفتح منذ عشرين بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. عامًا بحسب أوامر جدهم الراحل.
– هاتوا العدة دي، افتحوا الباب حالًا!
بعد محاولات شاقة، سقط القفل الصدئ على الأرض، وانفتح الباب ليصدر رائحة رطوبة وكتب قديمة متناثرة. دخل همام وبيده المصباح، وشرع يقلب الأوراق المتناثرة على طاولة خشبية قديمة. وجد مذكرات قديمة تحمل اسم “صالحة”، وتاريخًا يعود إلى عشرين عامًا مضت.
قرأ همام السطور بتمعن، وعيناه تتسعان تدريجيًا من شدة الصدمة:
– ياه… يا لطيف! يعني الحكاية مش وليدة اللحظة؟
في تلك اللحظة، دخل وراءه زيدان الذي كان يتبعه خلسة، وسأله بلهفة قاتلة:
– لاقيت إيه يا همام؟ اتكلم، فاطمة فين؟
أجابه همام بصوت مخنوق وهو يناوله الدفتر:
– فاطمة ما هربتش يا زيدان، فاطمة كانت بتنبش في ماضي أبويا وجدي. الدفتر ده بيقول إن فاطمة أصلاً مش بنت عمنا اللي مات، دي بنت الحارس القديم اللي اتقت/ل غدر قبل عشرين سنة، وعيلتنا هي اللي كتمت السر وربتها وسطنا عشان تداري فضيحة كبرى.
– فضيحة إيه يا همام؟ انت بتقول إيه في الليلة السودة دي؟!
– السر اللي كان مخبيه الجد والعم، والبت دي عرفته فجأة، وعرفت إن جوزها اللي هو أنت يا زيدان… يبق ابن القاتل الحقيقي لبوها!
بينما كان زيدان وهمام يتشاجران بصوت خافت وسط الظلام الدامس للغرفة السرية، دوى صوت صراخ حاد قادم من باحة الدار الكبيرة. ركض الاثنان خارجًا، ليفاجآ بالرجال يتحلقون حول فتاة غريبة ترتدي عباءة سوداء ممزقة، وتبكي بحرقة شديدة وتصرخ في وجه الشيخ صقر:
– ابعدوا عني! أنتوا قت/لتوا أهلي وربيتوني هنا عشان تضحكوا على الكل!
تقدم صقر بخطوات بطيئة، وبدا عليه الاضطراب الواضح لأول مرة في حياته، وهتف بحدة:
– إنتي مين يا بت؟ وإيه الكلام الفارغ اللي بتديه وسط الدار والناس برة سامعة؟
رفعت الفتاة وجهها، وكان المثير أن الشبه بينها وبين فاطمة المختفية كان قاطعًا إلى حد التماثل، وقالت وهي تشير بإصبعها نحو صقر:
– أنا فاطمة الحقيقية! والبنت اللي سرقت اسمي وخطوبتها لزيدان… هي أختي من أمي اللي اتجوزها عمك في الخفاء!
علت أصوات الهمهمات بين الحاضرين، وتحول الديوان إلى خلية نحل من الذهول والريبة. صرخ أحد الأعمام:
– كيف يعني؟ هو جاد الكلام ده يا كبير؟
رمقهم صقر بنظرة حارقة، وقال بصوت مرعد:
– اسمعوا زين… البت دي مجنونة وعايزة تهدم البيت على دماغنا، ومفيش هنا غير فاطمة واحدة اللي هربت ومعانا خبرها.
لكن فاطمة الحقيقية صرخت بجنون:
– هي ما هربتش! فاطمة اتخطفت عشان ما تنطقش باللي عرفته في السرداب!
تدخل همام بسرعة وحسم لإنقاذ الموقف، وأمر الرجال بإبعاد الفتاة إلى إحدى الغرف المقفلة تحت حراسة مشددة، ثم أخذ زيدان وجره بعيدًا عن أعين الحاضرين إلى الممر الخلفي للدار.
– يا زيدان، الشغلة كبرت وعرفت راسها من رجلها. البت ما هربتش بمحض إرادتها، دي اتخطفت بمعرفة حد جوة السرايا دي.
سأله زيدان بعيون حمراء من القهر:
– مين يقدر يخطف عروس من قلب الدار ليلة زفتها والرجالة مالية الحوش؟ مين؟!
– اللي ليه مصلحة يقفل باب السر للأبد.
في تلك اللحظة، لاحظ همام قطرات دم خفيفة على الأرضية الحجرية للممر المؤدي إلى غرفة الأسلحة القديمة. تبعه زيدان بصمت مهيب، وهما يرفعان سل/احيهما. دفع همام الباب الخشبي برفق، لتتجلّى أمامهما الصدمة الكبرى.
كانت فاطمة المختفية ملقاة على الأرض، بلا حراك، والدماء تملأ المكان. وقف بجانبها شخص يحمل خنجرًا ملوثًا بالدماء، وعندما استدار وواجههما، انفتح فم زيدان و”همام” من شدة الصدمة والهول.
كان الواقف أمام ج/ثة فاطمة هو عمهم الأكبر، “موسى”، الذي ظهر عليه الارتجاف الشديد وهو يحاول إخفاء الخنجر.
صرخ زيدان بجنون واندفع نحوه ليخنقه:
– أنت؟! يا عمي… أنت اللي قت/لتها؟! ليه؟!
تراجع موسى إلى الخلف، وابتسم بابتسامة مريرة وموجوعة، وقال بصوت متحشرج:
– قت/لتها عشان كانت عايزة تبلغ عننا للشرطة وتفتح ملفات دماء قديمة تهدم البيت كله! أبوك وجدي هم اللي قت/لوا أبوها الحقيقي وسرقوا أملاكها، وأنا كنت بحمي العائلة من الفضيحة!
أطلق همام صرخة غاضبة ورفع س/لاحه في وجه عمه، وقال بصوت كالرعد:
– حماية العائلة مش بتبرر القت/ل يا عمي… واليوم حسابك خلص، والستر اللي استمر عشرين سنة انتهى للأبد.
سقط موسى على ركبتيه وهو يرى نظرات الخذلان في عيون الجميع الذين تجمعوا على صوت الجلبة، بينما بقيت ج/ثة فاطمة الشاهد الأخير على سر دفنته الرمال طويلاً وظلت ليلة الزفة مأتماً لا يُنسى.
اقترب الشيخ صقر بخطوات بطيئة، ووجهه مصدوم ومحطم، فنظر إلى شقيقه موسى نظرة طويلة محملة بسنوات من الخزي، ثم نطق بصوت خجول ومكسور:
– ضيعت الكل يا موسى… الستر اللي بنيناه فوق ج/ثث الأبرياء هدمته بيديك في ليلة فرح.
أشار صقر بحركة صارمة إلى الحراس، فتقدموا وألقوا القبض على موسى وسط صمت مهيب خيم على الدار بأكملها، بينما سقط زيدان على الأرض بجوار جسد فاطمة، ليتلاشى صخب الطبول والزفة، ويحل محله سواد ليلة كست قلوب الجميع بالندم الأبدي.
مرت ليالي القرية كأنها دهور، وتحول ديوان العائلة الكبير من مأوى للهيبة والسلطان إلى سجن تائه تلاحقه نظرات أهل البلد وأقاصيصهم التي لا تنتهي. بعد تسليم موسى للعدالة واعترافه الكامل بجرائمه القديمة والجديدة، طوت جدران السرايا على أسرارها المرة، لكن الجراح لم تلتئم.
في تلك الليلة الهادئة التي أعقبت العاصفة، وقف زيدان وحده في الشرفة المطلة على الحقول الواسعة، شاحب الوجه، يمسك بيده ذات الخطاب القديم الذي تركته فاطمة على مخدتها. لم يعد هناك عرس ولا عروس، بل بقيت حقيقة واحدة: أن الدماء التي تُسفك بالظلم لا تضيع أبدًا، وأن الماضي، مهما طال دفنه في السراديب المظلمة، لا بد أن يتردد صداه ليطرق الباب ولو بعد عشرين عامًا.
ترددت أصوات أذان الفجر الأول حامِلةً معها نسيم الصباح البارد، لتبدد آخر خيوط تلك الليلة حالكة الظلام. دخل همام إلى الشرفة بخطوات بطيئة، ووضع يدَه على كتف زيدان بحنو أخوي، وقال بصوت خافت يملؤه اليقين:
– الشمس طلعت يا زيدان… والنهارده لازم نبدأ صفحة جديدة، نغسل فيها ذنوب الكبار ونرجع الحق لأصحابه، عشان ديارنا تفضل طاهرة. بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
أومأ زيدان برأسه في صمت، ونظر إلى الأفق البعيديث حيث تبدأ السشمس تشرق تدريجيًا فوق حقول الصعيد الخضراء، مؤذنة بنهاية عصر الظلمات وبداية عدالة جديدة لا تستتر خلف الجدران.
وفي وسط هذا السكون الجميل، انفتح باب السرايا بهدوء لتخرج منه فاطمة الحقيقية، تلك الفتاة التي عانت طويلاً وظلت لسنوات طويلة ضحية لأسرار العائلة ووزرائها. اقتربت بخطوات ثابتة نحو زيدان وهمام، ورفعت رأسها بشموخ يشبه هيبة الصعيد الذي نشأت على أرضه، وقالت بصوت هادئ يحمل قوة لا تُكسر:
– الشمس اللي بتطلع دي يا زيدان، مش بس بتكشف النور، دي كمان بتعلن إن الحق راجع لأصحابه، وإن الدار دي هتقوم تاني بس على أساس نضيف مش على كذب وستر مزيف.
نظر إليها زيدان بعيون تعلوها دمعة أخيرة تهرّبت من مقلتيه، ثم مد يده نحوها باحترام وتقدير، وقال بصوت حازم:
– حقك مش هيضيع يا فاطمة، وكل شبر سُرق من أبوكِ هيترد لسيادتك، ودارنا مش هتكون مكان للظلم تاني أبدًا.
ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة مزجت بين ألم الماضي وأمل المستقبل، بينما وقف همام إلى جوارهما، ممسكًا بطرف عباءته، ليشهدوا معًا ميلاد صفحة جديدة في تاريخ العائلة، صفحة طوت آلام الماضي المظلم وفتحت الأبواب لعدالة حقيقية لا تنحني.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *