الباشا

الباشا سانتا بقلم مايا خالد
في قسم الشرطة، مجرد ما صوت خطوات “المقدم سيف” يرن في الممر، الدبان بيسكت. سيف راجل في التلاتينات، ملامحه كأنها منحوتة من صخر، وعينه فيها نظرة تخلي أعتى المجرمين ينطقوا قبل ما يلمسهم. معروف عنه إنه “دبابة” بشري، لا بيعرف يضحك ولا بيفوت غلطة، حتى أهله في البيت بيعملوا له ألف حساب وبيخافوا يفتحوا معاه كلام.
لكن.. في “ليلة رأس السنة”، الوضع اختلف تماماً.
في شقة هادية وراقية، كان سيف واقف قدام المراية، ووشه أحمر من الغيظ وهو بيحاول يظبط “الدقن البيضا” القطن على وشه. لابس بدلة بابا نويل الحمراء الواسعة، والكرش الفايبر اللي بيتحط تحت الهدوم مضايقه جداً.
دخلت عليه “لينا”، البنت الوحيدة اللي قدرت تروض الوحش ده. لينا هي نقطة ضعفه، “المهووس” بيها لدرجة إنه ممكن يحرق الدنيا عشان ضحكتها.
لينا (بضحكة مكتومة): “يا روحي، شكلك يجنن! ناقص بس الضحكة بتاعة ‘هو هو هو’ وهتبقى أحلى بابا نويل شوفتوه في حياتي.”
سيف (بصوت خشن وهو بيعدل الطاقية): “لينا، أنا المقدم سيف اللي نص مجرمين القاهرة بيترعشوا من اسمي.. ينفع أقف باللبس ده؟ لو حد من العساكر شافني هقدم استقالتي الصبح.”
لينا (قربت منه ودلعت عليه): “بس إنت وعدتني.. قولتلي إنك هتعمل أي حاجة عشان تفرحني في الكريسماس. وبعدين إحنا لوحدنا، مفيش عساكر هنا.. وافق بقى عشان خاطري.”
سيف بص في عينيها، ونفخ بضيق بس ملامحه لانت تماماً. هو فعلاً مبيقدرش يرفض لها طلب. سحبها من وسطها وهو لسه لابس البدلة الحمراء، وقال بصوت واطي فيه حنية مبيطلعهاش لحد غيرها: مايا خالد
“أنا فعلاً بقيت بلياتشو عشانك.. بس خليكي فاكرة، بابا نويل ده لو حد ضايقك، هيقلب ‘ريا وسكينة’ في ثانية.”
لينا ضحكت من قلبها وحضنته، وفي اللحظة دي، “الوحش” اللي الكل بيخاف منه، كان أسعد راجل في الدنيا لمجرد إنه شاف اللمعة اللي في عينيها
وعلى حظه الأسود، الخبطة مكنتش خبطة عادية.. دي كانت خبطة “دبة” رجل عسكري، والباب اتفتح فجأة قبل ما سيف يلحق يداري نفسه.دخل “الصول غباشي”، المساعد بتاع سيف في القسم، ووشه كان أصفر ومخطوف:
الصول غباشي: “يا سيف باشا.. الحقنا يا فندم! فيه إخطار بـ…”
غباشي مقدرش يكمل الكلمة. عينه وسعت، وفضل باصص لسيف من فوق لتحت.. من أول الطاقية الحمراء والشرابة البيضاء، لحد الكرش الفايبر والدقن اللي كانت ملوحة شوية. سيف اتصلب في مكانه، وملامحه قلبت في ثانية من “الحبيب الحنين” لـ “الغول المرعب”، بس المشكلة إن البدلة كانت مبوظة الهيبة خالص.
سيف (بصوت يرعب وهو لسه بالدقن البيضا): “إنت دخلت هنا إزاي يا غباشي؟ وإزاي تفتح الباب من غير إذن؟”
غباشي (وهو بيحاول يبلع ريقه وبيكتم ضحكة هتموته): “يا فندم.. الباب كان موارب.. وأنا قولت حالة طارئة.. بس مكنتش أعرف إن حضرتك.. حضرتك بتوزع هدايا!”
لينا كانت واقفة ورا سيف، ميتة من الضحك وحاطة إيدها على بؤها عشان صوتها ميعلاش. سيف قرب من غباشي بخطوات بطيئة، وبص له بصه خلت الصول يرجع لورا لحد ما خبط في الحيطة.
سيف (بهمس مرعب): “غباشي.. اللي شوفتوا هنا يتنسي قبل ما تخرج من الباب. لو سمعت سيرة ‘بابا نويل’ دي بتتقال في القسم، أو حتى شوفت ضحكة مكتومة على وش عسكري.. أنا هخلي خدمتك الجاية في المحافظة اللي مبيطلعش عليها شمس.. فاهم؟” مايا خالد
غباشي (وهو بيأدي التحية العسكرية): “تمام يا فندم! أنا مشوفتش سيف باشا.. أنا شوفت “سانتا كلوز” بس كان لابس ميري! قصدي مشوفتش حاجة خالص يا باشا!”غباشي جري من قدامه، وسيف رزع الباب وراه وهو بيشتم في حظه. لينا مقدرتش تمسك نفسها ووقعت على الكنبة من كتر الضحك.
لينا: “مش قادرة يا سيف! هيبتك ضاعت يا حضرة الضابط.. الصول غباشي زمانه بيوزع شربات في القسم دلوقتي.”
سيف (وهو بيقلع الدقن وبيرميها بغيظ): “اضحكي يا لينا، اضحكي.. ده أنا لو حد قالي من سنة إني هقف الوقفة دي، كنت حبسته بتهمة الجنون. بس أعمل إيه؟ ما هو مفيش حد ممشيني على العجين ملخبطوش غيرك.”
سيف قعد جنبها، وبالرغم من نرفزته، مسك إيدها وباسها:
“بس تصدقي؟ البدلة دي خلتني أحس بحاجة غريبة.. أول مرة الناس تخاف مني وهي بتضحك، مش وهي بتترعش. بس خلاص.. ليلة وخلصت، وبكرة المقدم سيف هيرجع يفرّم الكل تاني.”
لينا بصت له بحب وقالت له: “المهم إنك “بابا نويل” بتاعي أنا بس.. وباقي العالم ملوش دعوة.”
تاني يوم الصبح، سيف وصل القسم ووشه “مقطع الخميرة”، نظرة عينه كانت كفيلة تخلي العساكر يلزقوا في الحيطة. دخل مكتبه ورزع الباب، وهو جواه غليان وخوف من إن هيبته تكون اتهزت.سيف كان قاعد بيراجع ملفات، وفجأة سمع صوت همس وضحك مكتوم جاي من “المنور” اللي ورا مكتبه، حيث العساكر بيشربوا الشاي.
صوت عسكري (بيوشوش): “يا شاويش غباشي، والنبي احكي لنا تاني.. يعني الباشا كان لابس البدلة الحمراء بجد؟ والدقن كانت قطن؟”
غباشي (بصوت واطي بس مسموع): “يا ابني بقولك كان قمر! لابس الطاقية اللي فيها كورة بيضا، والكرش قدامه متر، وكان ناقص بس يركب الغزالة بتاعته ويطير في السما.. بس وحياة أبوك يا عسكري “جمعة” لو كلمة طلعت بره، سيف باشا هيعمل منا كفتة.”
سيف في المكتب كان وشه بيتحول لألوان الطيف من الغضب. قام وقف، عدل جاكت البدلة الميري، وفتح باب المكتب “بشلوت” خلى القسم كله يتفزع.سيف وقف في نص الصالة، والكل اتسمر في مكانه. غباشي أول ما شاف سيف، الكوباية وقعت من إيده اتكسرت ميت حتة.
سيف (بصوت زي الرعد): “كلكم على مكتبه! غباشي.. جمعة.. وكل اللي كان واقف بيسمع الحواديت.. قدامي!” ماياخالد
دخلوا المكتب وهما رجليهم بتخبط في بعض. سيف قعد ورا مكتبه، وحط “كلبش” حديد قدامه على المكتب ورزعه بإيده.
سيف: “بتقول إيه يا غباشي؟ سمعني تاني.. كنت بطير بغزالة؟”
غباشي (وهو بيترعش): “يا باشا والله ده.. ده أنا كنت بمدح في سيادتك! كنت بقول إنك حنين وبتحب تنشر البهجة!”
وفجأة، تليفون سيف رن. كانت “لينا”. سيف بص للموبايل، وبعدين بص للعساكر اللي هيموتوا من الرعب. رد وفتح “الاسبيكر” عشان يثبت لنفسه إنه لسه مسيطر.
لينا (بصوت رقيق وكله دلع): “سيفو حبيبي.. نسيت أقولك، البدلة الحمراء لسه عندي، وماما بتقولك لازم تيجي تتغدى معانا بالدقن عشان هي مصدقتش إنك عملت كدة عشاني.. بحبك يا بابا نويل قلبي!”السكوت حل في المكتب. غباشي وعسكري جمعة بقوا باصين للأرض عشان ميفطسوش من الضحك قدام سيف. سيف قفل السكة، وبص لغباشي ببرود شديد وقال:
سيف: “غباشي.. انت وعسكري جمعة، قدامكم نص ساعة تنزلوا تشتروا 200 كرتونة حلويات، وتلفوا على كل العساكر والمساجين في الحجز، وتقولوا لهم دي ‘هدية من بابا نويل’.. واللي هيسأل مين هو بابا نويل، هتقولوا له ده سر عسكري.. فاهمين؟”
غباشي استغرب جداً: “يعني مش هتحبسنا يا باشا؟”
سيف ابتسم ابتسامة غامضة لأول مرة: “لا.. أصل لينا عندها حق، العالم محتاج شوية حنية.. بس لو حد فيكم فتح بؤه بكلمة بره القسم، الحنية دي هتقلب ‘تأبيدة’.. يلا غورا من قدامي!”
خرجوا وهما مش مصدقين إن “الوحش” بقى بيوزع شوكولاتة، وسيف رجع لورا بظهره وسند راسه وهو بيبتسم لرسالة جاتله من لينا فيها صورته بالبدلة.. وعرف إن هيبته ممكن تروح قدام الكل، إلا قدام عيونها هي.
النهاية





