جوزي سافر

جوزي سافر يشتغل في الخليج بقاله 10 سنين.. ولما رجع، لقيت في شنطته حاجة قلبت حياتنا جحيم!روايات مايا خالد
​عمر ما كنت أتخيل إن اليوم اللي هستنى فيه “محمود” يرجع لبيته هو نفسه اليوم اللي هيتكتب فيه نهاية عيلتي. 10 سنين يا ناس، 10 سنين صابرة ومستنية، بربي عيالي بلقمة ناشفة وبمسح دموعي بالليل وأنا بدعي ربنا يرجعه لي بالسلامة.
​البيت كان مفروش ومزين، والولاد لابسين أحسن ما عندهم، والريحة تملى الشارع. أول ما دخل من باب البيت، حسيت الدنيا بتضحك لي أخيراً. حضنته ودموعي على خدي، وبوست إيده اللي اتبهدلت في الغربة. قعدنا، والضحكة مش مفارقة وشنا، قولتله: “يا راجل كفاية، خليك جنبي إنت والولاد، اللي جمعناه كفاية يسترنا العمر كله”.
​بص لي بابتسامة غريبة، وقال: “يا صفية، الغربة علمتني إني لازم أخبي دايماً لزمن الغدر”.
​بعد ما ناموا الولاد، دخلت أفضّي الشنطة بتاعته عشان أغسل الهدوم، لقيت “جاكيت” تقيل هو ما لبسهوش من زمان. مديت إيدي في الجيب، لقيت ورقة مطبقة.. لما فتحتها، لا إرادياً وقعت من طولي!
​مش عارفة أعمل إيه.. أواجهه؟ ولا أستنى أشوف آخرتها؟ الستات اللي زيي في الصعيد مالهومش غير الصبر، بس المرة دي الصبر بقى مر زي العلقم.
​يومين عدوا عليّ زي السنين.. محمود متغير، بيقضي معظم وقته بره البيت، ولما يرجع يفضل سارح في الموبايل ومبتسم لنفسه. بقيت حاسة إني غريبة في بيتي، والورقة اللي لقيتها في جيب الجاكيت محروقة في جيبي زي الجمرة.
​الورقة دي ما كانتش مجرد ورقة.. كانت “عقد جواز” عرفي، ومعاها صورة لبيت في محافظة تانية، ومعاها ورقة تانية فيها رقم تليفون مكتوب عليه بخط إيده: “أماني.. قلبي وروحي”.
​الليل كان طويل، والسكوت في البيت مخنوق. قررت إني لازم أقطع الشك باليقين. قمت الصبح، طلعت “الدهب” اللي كان حايشه من غربته، لقيت خزنته ناقصة.. مش بس دهب، ده مبالغ كبيرة كانت محطوطة عشان جواز ابني الكبير.
​واجهته بدموعي.. رميت الورقة قدامه على التربيزة.
​بص لي ببرود، ومن غير ما يتهز، قال كلمة واحدة هزت أركان البيت: “وماله؟ الشرع حلل أربعة، وأنا راجل غريب وتعبت وشقيت، ومن حقي أعيش حياتي اللي اتحرمت منها سنين.. وبعدين يا صفية، إنتي كبرتي والعمر بيجري، وأماني صغيرة ومليانة حيوية”.
​كلماته نزلت عليا زي السك*ينة. 10 سنين يا محمود؟ 10 سنين بمسح دموعي وبصبر العيال وبقولهم أبوكم بيبني مستقبلكم؟ طلع بيبني مستقبل واحدة تانية خالص!
​الولاد سمعوا صوت الخناقة، ابني الكبير دخل بصدمة، وبص لأبوه نظرة عمري ما هنساهاله.. نظرة خيبة أمل انكسر فيها كل حاجة.
​دلوقتي أنا في بيت أبويا.. أهلي بيقولولي “ارجعي لبيتك واصبري عشان الولاد”، ومحمود باعتلي يقولي “لو ما رجعتيش دلوقتي، هعتبرك طالق وهحرمك من الولاد ومن كل قرش حوشناه”.
​أنا مش عارفة أعمل إيه.. أرجعلوا وأداس على كرامتي عشان ولادي يتربوا في حضن أبوهم؟ ولا أختار كرامتي اللي اتدبست في الأرض وأبدأ من الصفر وأنا في السن ده؟
​شوروا عليا.. أعمل إيه؟ وهل الراجل اللي يبيع عشرة 10 سنين يستاهل أضحي عشانه؟
الوضع في بيت أبويا بقى لا يُطاق.. أخويا الكبير “عزت” عينه على الفلوس اللي محمود أخدها، وكل ما يشوفني يقولي “إنتي اللي كنتِ غبية وسمحتي له يسيطر على كل حاجة”، وكأن ذنبي إني وثقت في راجل أكلت معاه الملح والعيش سنين.
​اللي وجعني أكتر، إن ولادي بقوا مكسورين. بنتي الصغيرة بتسألني كل يوم: “يا ماما هو بابا مش عايزنا ليه؟”، وابني الكبير سكت تماماً، بطل يخرج وبطل يتكلم، وعيونه فيها نظرة حقد على أبوه خلفت جوايا رعب تاني.. رعب إن ابني يتهور ويعمل مصيبة في أبوه.
​في نص الليل، جالي تليفون من رقم غريب. رديت، لقيت صوت ست.. صوتها هادي ومستفز، قالت لي: “أنا أماني.. يا صفية، محمود مش هيطلقك، بس هو مش هيسيبني، والبيت اللي في المحافظة التانية ده باسمي، والفلوس اللي أخدها كان لازم يدفعها عشان يشتري راحة باله مني ومن أهلي”.
​صدمة ورا صدمة.. يعني الموضوع مش حب ولا نزوة، الموضوع “ابتزاز”! محمود وقع في شر أعماله، وواحدة تانية ماسكة عليه زلة، ومستغلة شقاه وعرقه عشان تعيش هي.
​لما واجهته في التليفون وقولتله اللي عرفته، صوت نفسه اتغير، وقالي بصوت مكسور: “يا صفية.. أنا خايف. الست دي معاها صور وفيديوهات ليا، لو اتطلقت منها أو سبتها، هتفضحني في البلد وتخرب سمعتي وسمعة ولادي. أنا كنت بحاول أحميكم من فضيحة ما تتخيلوهاش”.روايات مايا خالد
​دلوقتي أنا بقيت في حيرة ما بعدها حيرة. هو ضحية لابتزاز، ولا بيحاول يمثل دور الضحية عشان يرجعني وأكمل معاه؟ وهل لو رجعت، هقدر أعيش مع راجل ساب نفسه يوصل للمرحلة دي؟ وهل لو فضلت هنا، هكون سبته يغرق لوحده؟
​أنا في دوامة.. الناس في البلد بدأت تتكلم، والكل بيسأل ليه “محمود” مراته سابته، والنميمة بدأت تنهش في سمعتنا.
​حد فيكم مر بموقف زي ده؟ هل أصدقه وأقف جنبه عشان نخلص من الابتزاز ده سوا؟ ولا أخليني في حالي وأسيب “السك*ينة تسرق الرقاب”؟لقيت نفسي قدام خيارين أحلاهما مُر، والبيت اللي اتبني بعرق الغربة بقى “ساحة معركة”. قبلت التحدي.. لبست عبايتي السوداء، وغطيت وشي، وخدت معايا “عزت” أخويا، وقررنا نواجه “أماني” في بيتها.
​وصلنا، والقلب بيدق طبول حرب. خبطت على الباب، وفتحت هي.. كانت زي ما اتخيلتها، أصغر مني بكتير، وعيونها فيها نظرة تحدي مش خايفة. دخلت من غير استئذان، لقيت محمود قاعد في الصالة، وشه في الأرض، وأول ما شافني وقف مذهول، مش عارف ينطق ولا كلمة.
​بصيت لـ “أماني” وقلتلها بصوت هادي، هدوء ما قبل العاصفة: “بصي يا بنتي.. أنا مش جاية أشد في شعرك ولا أعمل شوشرة. أنا جاية أقولك كلمتين: محمود ده لو فضلتي ماسكاه بتهديداتك، بكرة هيجيلك يوم وتدوقي من نفس الكأس. الراجل اللي يبيع مراته وأولاده عشان خايف من صورة أو فيديو، بكره يبيعك إنتي لما تخلص مصلحته”.
​أماني ضحكت باستهزاء، وقالت: “ده بيت جوزي، والورق اللي معايا قانوني، تقدري تطلعي بره قبل ما أطلب البوليس”.
​هنا، ابني الكبير -اللي كان واقف ورايا من غير ما أعرف- طلع موبايله وفتحه. الولد كان ذكي، كان مسجل مكالمات لأبوه وهو بيعترف بكل حاجة، ومسجل مكالمة تانية لـ “أماني” وهي بتهدد أبوه بتلفيق قض*ية مخدرات لو سابها!
​ابني وقف في وسط الصالة وقال بصوت يزلزل الحيطان: “أنا مش هسمح لأي حد يغلط في أبويا، بس كمان مش هسمح لأي حد يبتزه. الموبايل ده فيه بلاغ جاهز للنيابة، لو ما مشيتيش دلوقتي وسبتي ورقة الطلاق أو التنازل عن البيت ده، الكل هيدفع التمن.. أنا ومحمود وإنتي”.
​الصالة خيم عليها صمت الموت. محمود رفع عينه، ولأول مرة أشوفه بيبكي زي العيل الصغير.
​دلوقتي، أماني مشيت، والبيت رجع لينا، بس البيت نفسه اتغير. محمود بقاله أسبوع قاعد في ركن في الأوضةروايات مايا خالد، لا بياكل ولا بيشرب، بيبص للحيطان وعيونه مكسورة. أنا رجعت بيتي عشان ولادي، بس قلبي لسه معلق في مكان تاني خالص.. مكان بعيد عن “محمود” اللي عرفته بعد 10 سنين.
​أنا دلوقتي في مفترق طرق.. هل أسير في إجراءات الطلاق وأنهي الحكاية دي بمرارتها؟ ولا أحاول ألملم اللي باقي من “محمود” عشان خاطر العيال اللي محتاجين أب، حتى لو كان أب منكسر؟
​القصة لسه مخلصتش، والقرار اللي هاخده هو اللي هيحدد مصيري.. تفتكروا، التسامح في الحالة دي “ضعف” ولا “حكمة”؟مرت الأيام والبيت بقى عامل زي المقبرة، لا صوت فيه ولا نفس. محمود بطل الكلام، ملامحه كبرت فجأة، وبقى بيقضي يومه كله صلاة واستغفار في الأوضة، وكأنه بيدور على غفران من ربنا بعد ما فقد غفراني أنا والولاد.
​ابني الكبير “يوسف”، اللي كان هو بطل الموقف، اتغير تماماً. مابقاش بيطيق يبص في وش أبوه. كل ما يلمحه، يقوم سايب البيت وطالع، وفضلت أنا “حبل الوصل” الوحيد بين اتنين مكسورين، أب خايف يواجه عياله، وولد بيحس إن أبوه كان المفروض يكون بطل حياته، مش واحد مهدد بموبايل.
​يوم الخميس، وأنا بجهز العشا، محمود نادى عليّ. صوت لأول مرة أسمعه من ساعة ما رجع، كان صوت راجل بيودع، مش صوت راجل بيخطط لغدر. دخلت عليه، لقيته مطلع كل الأوراق، صكوك الملكية، شهادات استثمار، وحتى الدهب اللي رجعه من أماني، وحطهم كلهم في شنطة واحدة على السرير.
​بص لي وقال: “يا صفية.. أنا مش طالب منك تسامحيني، لأني عارف إن اللي كسرته لا بيتصلح بكلمة ولا بفلوس. أنا قررت أتنازل عن كل حاجة باسمك وباسم الولاد. أنا هروح أعيش في الغيط، في بيت الغفير القديم.. لا عايز فلوس، ولا عايز حياة، أنا عايز بس أطول رضا ربنا، وأحاول أصلح اللي باقي من روح ابني”.
​حسيت ببرودة في جسمي.. كنت مستنية منه يبرر، يرجع يعتذر، يحاول يشتري خاطري، بس هو اختار “الانسحاب الكامل”. سألته: “يعني إيه؟ هتهرب وتسبنا تواجهوا كلام الناس لوحدكم؟”
​رد وهو بيبص لي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة الندم اللي بيحرق صاحبه: “لو قعدت، كل ما هتشوفوني هتفتكروا الخيانة. ولو قعدت، يوسف هيشوفني دايماً الراجل اللي اتذل قدام واحدة غريبة. أنا ميت يا صفية.. ميت في نظر الكل، والحي ميت لازم يروح في مكان ماحدش يشوفه فيه”.
​خرج من البيت فعلاً، خد معاه هدومه بس. دلوقتي، أنا قاعدة في بيت كبير، معايا فلوس وعزة نفس، بس معايا “أشباح”. ولادي كبروا فجأة، ويوسف بيحاول يسد مكانه في غياب أبوه، بس عينه دايماً على باب البيت، مستني المعجزة اللي مش عارفة هتيجي ولا لأ.
​الناس بدأت تقول “محمود اتجنن” أو “محمود تاب توبة نصوحة”، وأنا واقفة في النص، لا أنا قادرة أكون الست اللي دمرت جوزها، ولا أنا قادرة أكون الست اللي مسامحة.
​الحكاية قفلت على وجع، وجع أكبر من خيانة الجواز.. وجع “انكسار الراجل”.
​دلوقتي دوركم.. هل تفتكروا اللي عمله محمود ده هو التكفير الحقيقي عن غلطته؟ وهل لو رجع في يوم من الأيام، هيكون من حقه يرجع لحضن بيته اللي بناه بدمه وتعب فيه؟
​مستنية رأيكم، لأن الحيرة دي هي اللي مانعاني أنام.روايات مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *