هوس الصقر

مايا خالد

هوس الصقر بقلم مايا خالد
المكان برا ضلمة أوي يا ليلى.. وانتي بتخافي من الضلمة، مش كدة؟”
كانت الدنيا بتمطر رعد وبرق، والجو برد لدرجة تخلي العظم يترعش. قدام البوابة الحديد الضخمة بتاعة قصر “صقر المنشاوي” – اللي العالم كله بيخاف من مجرد ذكر اسمه – كان فيه سلة صغيرة ملفوفة ببطانية صوف قديمة.
​صقر كان راجع من اجتماع متأخر، وعيونه الحادة لمحت الحركة الغريبة عند البوابة. نزل من عربيتة المصفحة ببروده المعتاد، شاور للحرس يتراجعوا، وقرب ببطء. كان متوقع قنبلة، رسالة تهديد، أو حتى فخ.. بس اللي لقاه كان طفلة مكملتش سنتين، عيونها واسعة وبتبصله ببراءة غريبة وسط المطر، وبدأت تضحك وترفع إيدها الصغيرة ناحية وشّه الخشن.
​في اللحظة دي، “صقر” اللي قلبه ميعرفش الرحمة، سكت تماماً. شالها بين إيديه اللي متعودة على شيل الس*لاح، وحس بدقات قلبها الصغيرة وهي بتلزق في صدره. بص لرجالته وقال بلهجة مفيش فيها نقاش: “البنت دي مش هتخرج من القصر.. البنت دي بقت تخصني.”
​مرت السنين، والقصر اللي كان عبارة عن حصن للمؤامرات والدم، بقى فيه ضحكة “ليلى”. صقر كبّرها على إيده، كان هو اللي بيختار لبسها، وأكلها، والناس اللي بتشوفهم. مع كل يوم بيعدي، ليلى كانت بتكبر وتتحول لقطعة من الجمال، ومع جمالها كان هوس صقر بيزيد.
​مبقاش مجرد خوف أب على بنته، بقى هوس تملك مرعب. كان بيراقب نفسها، بيعد خطواتها، ولو شاف نظرة إعجاب من أي حد ليها، كان الشخص ده بيختفي من على وجه الأرض قبل ما الشمس تغيب. ليلى كبرت وهي شايفة صقر هو أمانها الوحيد، بس بدأت تحس بإن القفص اللي عايشة فيه، حتى لو كان من دهب، بدأ يضيق عليها.. وصقر مش ناوي يسيبها تطير أبداً.في ليلة من الليالي، “ليلى” كانت واقفة ورا باب مكتب صقر الكبير، كانت رايحة تطلب منه يوافق إنها تخرج مع زميلاتها في الجامعة – اللي هو أصلاً وافق بالعافية إنها تدوس عتبتها – بس وقفت مكانها لما سمعت صوته اللي اتحول لزئير مخيف.
​بصت من فتحة الباب الصغيرة، وشافت “صقر” وهو ماسك واحد من رجاله من رقبته، وعيونه فيها نظرة غضب أول مرة تشوفها. صقر كان بيقول بصوت واطي ومرعب: “إنت كنت فاكر إني مش هعرف إنك بصيت لها في المرايا وإنت بتفتحلها باب العربية؟ ليلى دي ملكي أنا.. ملمسها، ضحكتها، حتى الهوا اللي بتتنفسه بتاعي! اللي يبص للي يخص صقر المنشاوي، عينيه ملهاش لازمة في جسمه.”
​ليلى حطت إيدها على بوقها عشان متصرخش، ورجعت لورا وهي بتترعش. الشخص اللي كانت بتشوفه “الحامي” والسند، طلع وراه وش تاني مرعب، وش فيه هوس لدرجة إنه مستعد يمحي أي حد لمجرد نظرة عابرة.
​فجأة، الباب اتفتح بهدوء، وصقر خرج. ملامحه اتغيرت في ثانية، الغضب اللي كان في عيونه اختفى وظهرت ابتسامة حنونة “مزيفة” وهو بيقرب منها. مسح على شعرها بإيده اللي كانت من ثواني بتخنق روح، وقال بصوت ناعم:
“واقفة ليه هنا يا ليلى؟ خفتي من صوتي؟ متخافيش يا روحي.. أنا عمري ما هأذيكي، أنا بس بحميكي من الوساخة اللي بره القصر ده.”
​قرب منها أكتر لدرجة إنها حست بأنفاسه، وكمل وهو بيعدل خصلة من شعرها وراه ودنها: “إنتي عارفة إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا صح؟ وعارفة إن مفيش حد يقدر يحبك ولا يحافظ عليكي زيي؟ قوليلي يا ليلى.. إنتي مش محتاجة حد غيري، مش كدة؟”
​ليلى كانت شايفة في عينيه نظرة تملك غريبة، نظرة بتقول إنها “عصفور” في قفص ملوش مفتاح، وإن “الحب” اللي كان بيقدمهولها طول السنين اللي فاتت، كان غلاف لهوس ملوش نهاية.تاني يوم، ليلى راحت الجامعة وهي حاسة إن عيون صقر في كل مكان. كانت بتحاول تتجنب أي حد، بس فيه زميل ليها اسمه “آدم” كان بقاله فترة بيحاول يقرب منها بسلامة نية.
​آدم قرب من ليلى في الكافيتريا وقالها بصوت عالي شوية: “ليلى! الكتاب ده وقع منك امبارح، كنت عايز ادهولك.”
ليلى قلبه قبضها، بصت حواليها بخوف وهي بتفتكر كلام صقر. لسه هتاخد الكتاب، لقت الدنيا فجأة سكتت، وصوت خطوات جزمة كلاسيك بتقرب بانتظام يرعب.
​صقر دخل الكافيتريا بهيبته اللي تخلي الحجر ينطق، وراه جيش من الحرس. ليلى وشها بقى شاحب زي الأموات. صقر قرب ببطء شديد، وقف قدام آدم اللي كان واقف مذهول ومش فاهم في إيه.
​صقر مد إيده وأخد الكتاب من آدم ببرود، وبص لليلى نظرة طويلة خلت ركبها تخبط في بعض، وبعدين بص لآدم وقال بابتسامة مرعبة:
“إنت طالب مجتهد يا… آدم، صح؟ بس في دروس تانية لازم تتعلمها بره المنهج.. زي مثلاً إن فيه حاجات في الدنيا دي ‘مُحرمة’ اللمس، أو حتى الكلام معاها.”
​صقر لف إيده حولين وسط ليلى وضمها ليه بقوة قدام الكل، حركة فيها إعلان ملكية صريح. ليلى حست بضوافره بتغرز في جنبها من كتر ما هو ضاغط عليها.
ميل على ودنها وهمس بصوت سمعه هي بس: “أنا قولتلك يا ليلى إن القصر أأمن لك.. بس إنتي شكلك حبيتي اللعب بالنار، وأنا ناري بتحرق يا روحي.”
​التفت لواحد من حرسه وقال ببرود: “آدم محتاج ‘يتعلم’ الأدب في المخزن بتاعنا.. خده.”
ليلى صرخت: “لا يا صقر! هو ملوش ذنب، ده كان بيرجعلي كتاب!”
​صقر وقف مكانه، ولف وشها ليه بإيده، وضغط على فكها بقوة وهو بيبص في عيونها بهوس جنوني: “طول ما إنتي بتنطقي اسمه، هو ذنبه بيزيد.. عايزاه يعيش؟ يبقى تنسي إن فيه رجالة في الدنيا غيري. أنا أبوكي، وأخوكي، وحبيبك، وسجانك.. إنتي فاهمة؟”
​ركبها العربية المصفحة، وطول الطريق مكنش بيتكلم، بس كان ماسك إيدها بقبضة حديدية، وعيونه مثبتة على الطريق وعروق إيده بارزة من الغضب. ليلى عرفت في اللحظة دي إنها مش بس “ابنته بالتبني”، هي بقت “هوسه” اللي مستعد يحرق العالم عشانه، أو يحرقها هي شخصياً لو فكرت تبعدأول ما دخلوا القصر، صقر سحب “ليلى” من إيدها لغاية المكتب، ورزع الباب وراه بقوة هزت الحيطان. ليلى كانت بتترعش، والدموع محبوسة في عينيها.
​صقر قلع الجاكيت بتاعه ورماه بإهمال، وبدأ يفك كرافتته وهو بيقرب منها بخطوات هادية، وده كان “الهدوء اللي قبل العاصفة”. وقف قدامها ورفع وشها بإيده، وقال بصوت واطي ومخيف:
“بقى ليكي أسرار يا ليلى؟ بقى فيه حد في الدنيا دي يقدر يقرب منك وتتكلمي معاه من ورايا؟”
​ليلى ردت بصوت بيقطع: “أنا مابعملش حاجة غلط! أنا بني آدمة ومن حقي أعيش وسط الناس.. إنت حابسني هنا سنين، أنا مش دمية في إيدك يا صقر!”
​صقر ضحك ضحكة قصيرة باردة، وقرب من ودنها وهمس:
“دمية؟ إنتي أغلى من كدة بكتير.. إنتي الروح اللي بتنفسها، بس الروح لو فكرت تخرج من الجسم، بتموته.. وإنتي مش هتخرجي مني أبداً.”
​فجأة، مسك إيدها ورفعها قدام عينيها، وكان فيها “خاتم” صغير ألماظ هو كان لبسهولها وهي عندها ١٦ سنة كهدية، وقالها بلهجة حادة:
“الخاتم ده مش مجرد زينة، ده قيد.. إنتي ملكي من يوم ما شيلتك من وسط المطر وأنا عمري ما هسيب “ملكي” لغيري. من النهاردة، مفيش جامعة، مفيش خروج، ومفيش حد هيشوف وشك ده غيري أنا.”
​ليلى صرخت وهي بتحاول تشد إيدها منه: “إنت مجنون! ده مش حب، ده مرض!”
​صقر ثبتها في الحيطة وحاصرها بإيديه، وعيونه كانت بتلمع بهوس مش طبيعي:
“سميه جنون، سميه مرض، سميه اللي تسميه.. المهم إنك هنا، وتحت رحمتي. أنا ربيتك عشان تكوني ليا، عشان تكوني النسخة اللي أنا صممتها على مقاسي. تفتكري بعد كل التعب ده هسيبك لواحد عيل في الجامعة يبتسم لك؟”
​طلع موبايله وفتح كاميرات المراقبة اللي في القصر وفي كل حتة هي بتروحها، ووراها إن كل دقيقة في حياتها متسجلة عنده.
“أنا عارف إنتي أكلتي إيه، وشربتي إيه، وحتى كنتي بتفكري في إيه وأنتي بتبصي من الشباك. متفتكريش إن ليكي خصوصية بعيد عني.. إنتي “ليلى صقر المنشاوي”، والاسم ده لوحده سجنك الأبدي.”
​ساب إيدها فجأة وخرج من المكتب وقفل عليها بالمفتاح من بره، وقال للحرس بصوت مسموع:
“محدش يقرب من الأوضة دي، والأكل يدخلها بإيدي أنا بس.. ليلى محتاجة تعرف إن العالم بره “صقر” ملوش وجود.”
​ليلى قعدت على الأرض وهي بتعيط، وحست لأول مرة إن الراجل اللي كان بيمسح دموعها وهي صغيرة، هو نفسه اللي بقى بيحبس أنفاسها وهي كبيرة.عدى أسبوع وليلى محبوسة في جناحها، مابتشوفش حد غير صقر. هو اللي كان بيدخلها الأكل بنفسه، يقعد قدامها ويراقبها وهي بتاكل ببرود، وكأنها لوحة فنية بيستمتع بتأملها، مش بني آدمة مكسورة.
​في ليلة، ليلى قررت إنها لازم تعمل حاجة. لاحظت إن صقر لما بيدخل، بيسيب مفاتيح الجناح و “جهازه الخاص” على التربيزة اللي جنبه. استنت لما جه بالليل، وكان باين عليه التعب من شغل المافيا والمشاكل اللي برا.
​صقر قعد على الكرسي وبص لها وقال بهدوء: “لحد إمتى هتفضلي ساكتة يا ليلى؟ أنا وحشني صوتك.. وحشني تقوليلي ‘صقر’ بطريقتك.”
ليلى قربت منه ببطء، وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة: “أنا تعبت من الحبس يا صقر.. لو عايزني أتكلم، خليني أشم هوا في جنينة القصر بس.”
​صقر ملامحه لانت شوية، وحس إنها بدأت “تخضع”، وده اللي هو عاوزه. مد إيده ولمس وشها بحنان مرعب: “أنا أعمل أي حاجة عشان ترضي، بس متفكريش تبعدي.”
وهو بيقوم يقلع س*لاحه، ليلى بلمحة سريعة قدرت تسحب “كارت” صغير كان واقع من جيبه، الكارت ده كان هو اللي بيفتح البوابات الإلكترونية السرية للممرات الخلفية في القصر.
​استنت لما صقر نام – أو هكذا ظنت – واتسحبت من الأوضة ببطء. كانت ماشية في ممرات القصر الضلمة، قلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إن الحرس هيسمعوه. وصلت للممر الخلفي، واستخدمت الكارت، والباب اتفتح.
​لسه هتدوس برجلها برا القصر، حست ببرد مفاجئ وصوت أنفاس ورا ودنها مباشرة.. صوت خلا دمها يتجمد.
“المكان برا ضلمة أوي يا ليلى.. وانتي بتخافي من الضلمة، مش كدة؟”
​ليلى لفت برعب، لقت صقر واقف وراها، عيونه كانت بتلمع في الضلمة زي عيون الصياد اللي لقى فريسته. مكنش غضبان، بالعكس، كان بيبتسم ابتسامة مايا خالد مرعبة.
“كنتي فاكرة إنك أذكى مني؟ كنتي فاكرة إني ممكن أغفل عنك ثانية واحدة؟”
​مسك الكارت من إيدها ببطء، وضغط على صوابعها: “انتي عارفة أنا كنت واقف وراكي من أول ما خرجتي من الأوضة؟ كنت مستني أشوف هتروحي لفين.. كنت أتمنى تفاجئيني وتقرري ترجعي لحضني، بس انتي اختارتي ‘الهروب’.”
​صقر شالها فجأة وهي بتصرخ وبتحاول تضربه: “سيبني يا صقر! سيبني أعيش!”
صقر وداها لمكان تحت القصر، “قبو” متصمم بشكل ملكي بس ملوش شبابيك. رماها على السرير وقال بصوت بيحمل نبرة جنون:
“انتي اللي اختارتي يا ليلى.. من النهاردة مفيش شمس، مفيش قصر.. أنا الشمس بتاعتك، وأنا العالم بتاعك. هتعيشي هنا معايا، بعيد عن عيون البشر كلهم. هنا مفيش “آدم”، مفيش جامعة، مفيش غيري أنا وانتي.. للأبد.”
​قفل الباب الحديدي التقيل، وليلى سمعت صوت التكات وهي بتتقفل.. وبقت لوحدها في “سجنها الجديد” اللي صقر بناه على مقاس هوسه.مرت أسابيع وليلى عايشة في “القبو الملكي” ده. صقر كان بيقضي معظم وقته معاها، ينقل شغله كله تحت عشان ميفارقهاش لحظة. كان بيسرح لها شعرها، ويجب لها أغلى الفساتين، ويحاول يتكلم معاها كأن مفيش حاجة حصلت، كأنهم مش في سجن تحت الأرض.
​ليلى في الأول كانت بتقاوم، بترفض تاكل وتصرخ في وشه، بس اكتشفت إن صقر بيستمتع بمقاومتها، وكأنها “قطة” بتخربش وهو “الأسد” اللي حابب اللعبة. فقررت تغير الخطة.. قررت تستخدم الس*لاح الوحيد اللي يملكه صقر ضد نفسه: حبه وجنونه بيها.
​في ليلة، دخل صقر ومعاه صينية عشا فاخرة. ليلى مكنتش بتصرخ كالعادة، كانت قاعدة بهدوء وبتبص للمراية. صقر قرب منها وحط إيده على كتفها: “ليلى.. النهاردة جبتلك الأكلة اللي بتحبيها. مش هتاكلي برضه؟”
​ليلى لفت وبصت له بعيون مليانة دموع “مزيفة” وقالت بصوت واطي ومكسور: “أنا مش زعلانة عشان محبوسة يا صقر.. أنا زعلانة عشان إنت مش واثق في حبك ليا. إنت خايف إني لو خرجت هسيبك، وده معناه إنك عارف إنك مش كفاية بالنسبالي.”
​صقر ملامحه اتصلبت، والغيرة والوجع بانوا في عينه: “أنا كفاية ونص يا ليلى! أنا اللي عملتك، أنا اللي خليت ليكي وجود!”
​ليلى قربت منه، وحطت إيدها الصغيرة على صدره، مكان قلبه اللي كان بيدق بعنف: “لو إنت واثق، افتحلي الباب.. خليني أطلع الجنينة أشوف النور، وأنا بوعدك إني مش هبعد. السجن ده بيخليني أكرهك، وأنا عايزة أجرب ‘أحبك’ يا صقر.”
​كلمة “أحبك” نزلت على صقر زي المخدر. هو بقاله سنين مستني يسمعها. سكت لفترة طويلة، صراع جواه بين هوسه بالسيطرة وبين رغبته إنه يمتلك قلبها فعلاً مش بس جسمها.
​تاني يوم الصبح، صقر فتح الباب وقال بصوت حازم: “هتطلعي الجنينة.. بس تحت عيني. أي حركة غدر يا ليلى، مش بس هحبسك، أنا هحرق القصر ده باللي فيه.. وإنتي أولهم.”
​ليلى خرجت الجنينة، وكانت الحراسة مشددة لدرجة مرعبة، صقر كان واقف في البلكونة بيبص عليها بالمنظار، مش سايبها تغيب عن عينه ثانية. ليلى كانت بتمثل إنها مستمتعة بالورد، بس هي كانت بتدور على “ثغرة” واحدة.
​وهي بتتمشى، لفت نظرها حاجة.. واحد من الحرس الجداد كان بيبص لصقر بخوف، وكان باين عليه إنه مرتبك. ليلى عرفت إن ده “الخيط”. قربت من السور بحجة إنها بتقطف وردة، وهمست بصوت مسموع للحارس: “أنا عارفة إن صقر هيق*تلك النهاردة.. هو شك فيك إنك كنت بتبص عليا.”
​الحارس وشه اصفرّ واتنفض: “والله يا هانم ما حصل! أنا…”
ليلى قاطعته بسرعة: “اششش.. صقر مبيسامحش. لو عايز تعيش وتنقذ نفسك وتنقذني، مفيش قدامنا غير حل واحد الليلة.”ليلى كانت عارفة إن نقطة ضعف صقر الوحيدة هي “الشك”، وفي نفس الوقت “الغرور”؛ هو متخيل إن مفيش حد يقدر يخونه في مملكته. الحارس اللي اسمه “منصور” كان مرعوب، وكلام ليلى خلاه يشوف الموت قدام عينيه.
​ليلى همست له بسرعة: “الساعة اتنين بالليل، صقر بياخد المنوم بتاعه عشان يعرف ينام من كتر الصداع اللي بيجيله.. في الوقت ده، عطل كاميرات الممر الجانبي، وأنا هكون هناك. لو ساعدتني أهرب، هخليك تاخد فلوس من الخزنة تهربك برا البلد خالص.. لو فضلت، صقر هيخلص عليك الصبح.”
​منصور وافق وهو بيترعش، وليلى رجعت القصر وهي بتمثل الهدوء. بالليل، صقر كان قاعد معاها، وكان باين عليه إنه “منتصر” لأنها بدأت تتجاوب معاه. ليلى قامت وجهزت له الكوباية اللي بيشربها كل يوم، وحطت فيها جرعة زيادة من المنوم بـ “خفة يد” اتعلمتها من مراقبتها له.
​صقر شرب وبدأ يدوخ، بص لليلى وقال بصوت تقيل: “ليلى.. إنتي بجد بدأتي تحبيني؟ ولا ده هدوء العاصفة؟”
ليلى قربت منه وبست دماغه وقالت بنعومة: “ارتاح يا صقر.. ارتاح عشان بكره يوم جديد.”
​أول ما صقر غط في نوم عميق، ليلى اتحركت زي الشبح. خرجت للممر، لقت منصور مستنيها، وبالفعل كانت الكاميرات مطفية. وصلوا للجراج، ومنصور ركبها عربية من عربيات الحرس عشان متلفتش النظر.
​العربية بدأت تتحرك، وليلى قلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيوقف. البوابات الكبيرة بدأت تتفتح.. وخلاص، شمت ريحة الحرية.
​لكن فجأة..
كل كشافات القصر اشتغلت في وقت واحد! وصوت سرينة الإنذار ضرب في كل مكان.
العربية وقفت فجأة بفرملة مرعبة، ومنصور رفع إيده وهو بيترعش.
​ليلى بصت قدامها، لقت “صقر” واقف في نص الطريق، لابس قميصه الأسود، وس*لاحه في إيده، وعيونه حمرا من الغضب والمنوم اللي كان بيقاومه بجنون. صقر قرب من العربية، وضرب نار على منصور في ثانية، لدرجة إن دم الحارس جه على إزاز العربية قدام ليلى.
​صقر فتح باب العربية وسحب ليلى من شعرها لبره، وصرخ بصوت زلزل المكان:
“كنتي فاكرة إن شوية بودرة في الكوباية هتخليني أنام عن روحي؟ أنا “صقر”، أنا اللي صاحي للعالم كله، تفتكري هغفل عنك إنتي؟”
​شالها على كتفه وهي بتصرخ وتضربه، ودخل بيها القصر وهو بيقول للحرس: “احرقوا العربية دي بالج*ثة اللي فيها.. والهانم حسابها معايا فوق.”
​لما وصلوا الأوضة، رماها على السرير وقفل الباب بالمفتاح، وطلع “كلبشات” حديد وربط إيدها في السرير، وبص لها بنظرة خلتها تحس إن دي آخر ليلة في عمرها:
“انتي مش بس خنتي ثقتي، انتي حاولتي تبعدي عني يا ليلى.. والجزاء في قانون المافيا على الخيانة هو الموت.. بس أنا مش هق*تلك، أنا هخليكي تتمني الموت وماتلاقيهوش.”صقر قعد على الكرسي قدام السرير، وفضل باصص لها بسكوت مرعب وهي مربوطة بالكلبشات وبتحاول تفك نفسها بانهيار. طلع سيجار وولعه، والدخان بدأ يملى الأوضة وهو بيتأملها ببرود، وكأنها فريسة وقعت في الفخ للأبد.
​قال بصوت هادي يقطع القلب: “عارفة إيه أصعب حاجة في الدنيا يا ليلى؟ إنك تحاولي تخدعي الشخص اللي عارف تفاصيل نفسك.. أنا اللي مربيكي، أنا اللي عارف لفتة عينك دي معناها إيه. كنت عارف إنك هتحطي المنوم، وكنت عارف إنك هتكلمي منصور.. أنا سيبتك توصلي للبوابة بس عشان أكسر الأمل جواكي، عشان تعرفي إن مفيش خروج من هنا إلا على قبرك.”
​ليلى صرخت وهي بتعيط: “إنت وحش! أنا بكرهك يا صقر، بكرهك وبكره اليوم اللي شلتني فيه من قدام الباب!”
​صقر قام وقف وقرب منها، ومسك وشها بقوة لدرجة إن صوابعه علمت في جلدها: “الكره ده هو اللي هيخليكي فاكراني طول الوقت.. الحب بيبرد، بس الكره بيفضل قايد نار.. وأنا راضي بنارك يا ليلى.”
​فجأة، طلع من جيبه “جهاز صغير” وثبته في إيدها، وقال بصوت حاسم: “ده جهاز تتبع (GPS) مزروع تحت الجلد.. لو فكرتي بس تقربي من حدود الجنينة، الجهاز ده هيبعتلي إشارة، وهتلاقي المكان كله اتقفل عليكي آلياً.”
​كمل وهو بيفك الكلبشات من إيدها ببطء، بس نظرة التهديد لسه في عينه: “من النهاردة، مفيش حرس هيقفوا قدام بابك.. مفيش قيود حديد.. بس فيه قيود تانية أشد. أنا سحبت ورقك من الجامعة، وقطعت صلتك بالعالم كله. ليلى القديمة ماتت في الحادثة اللي حصلت للعربية برا.. النهاردة ولدت ليلى جديدة، ليلى اللي مش بتشوف غيري، ومش بتسمع غير صوتي.”
​ليلى بصت له بصدمة: “يعني إيه؟ الناس فاكرة إني مت؟”
​صقر ابتسم ابتسامة انتصار مرعبة: “الناس، الجامعة، آدم اللي كنتي خايفة عليه.. كلهم جالهم خبر إنك موتي في انفجار عربية. دلوقتي إنتي ملكيش وجود غير في “عالمي”. إنتي دلوقتي بقيتي (شبح) ملوش صاحب غيري.”
​ليلى حست إن الدنيا بتلف بيها، صقر مش بس حبسها، ده محى هويتها من الدنيا عشان يخليها ملكه هو وبس. صقر ميل عليها وباس راسها بحنان غريب وقال: “دلوقتي إنتي بقيتي أمان.. مفيش حد هينافسني فيكي، ومفيش حد هيدور عليكي. نامي يا عرستي.. نامي عشان من بكره هتبدأ حياتنا اللي مفيهاش حد تالت.”
​خرج صقر وسابها في قمة ضياعها، ليلى مكنتش عارفة تصرخ ولا تستسلم، بس فجأة لمحت “مقص صغير” كان صقر نسيه على المكتب وهو بيفك علبة السيجار..ليلى بصت للمقص وعينيها لمعت بلمعة غدر ويأس في نفس الوقت. مسكت المقص وخبته تحت المخدة وهي بتنهج، وقلبها بيدق زي الطبل. مكنتش بتفكر تهرب المرة دي، كانت بتفكر “تكسر” صقر زي ما كسرها.
​بعد ساعتين، صقر دخل الأوضة تاني. كان باين عليه إنه مش قادر يبعد عنها، هوسه بيها بيخليه عايز يفضل مراقبها وهي نايمة. قرب من السرير وقعد على الطرف، ومد إيده يلمس شعرها بحنان وهو بيهمس: “أنا عارف إنك بتكرهيني دلوقتي، بس مع الوقت هتعرفي إن مفيش حد في الدنيا حبك قدي يا ليلى.. أنا حاميتك من العالم كله.”
​في اللحظة دي، ليلى فتحت عينيها فجأة، وبسرعة البرق طلعت المقص وغرزته في كتف صقر بكل قوتها!
​صقر صرخ صرخة كتمها بسرعة، ومسك كتفه والدم بدأ يغرق قميصه الأسود. ليلى قامت وقفت على السرير وهي بتترعش والمقص في إيدها، وصرخت فيه: “إنت مامتنيش يا صقر! إنت ق*تلت نفسك يوم ما فكرت إنك تملكني! لو فاكر إنك محيت وجودي، أنا هنهي وجودك إنت!”
​صقر بص لجرحه وبعدين بص لها، والمفاجأة إنه “ضحك”. ضحكة مكتومة ومليانة وجع، بس فيها نشوة غريبة. قام وقف وهو بيقرب منها رغم الدم اللي نازل منه، وقال بصوت هادي ومرعب:
“اضربي كمان يا ليلى.. اضربي في قلبي المرة دي. وجعك ده هو اللي بيحسسني إنك لسه حية، إنك لسه بتعافري معايا. إنتي فاكرة إن الوجع ده هيخليني أسيبك؟ بالعكس.. ده بيخليني أعشقك أكتر.”
​ليلى رجعت لورا وهي مصدومة: “إنت مجنون.. إنت مش بني آدم! مايا خالد
​صقر مسك إيدها اللي فيها المقص بقوة، وضغط عليها لدرجة إن المقص وقع من إيدها، وزنقها في الحيطة وهو بينهج من الألم: “أنا المجنون اللي عملك، وأنا الوحش اللي مبيعرفش يحب غيرك. جرحك ده هيفضل علامة في جسمي عشان كل ما أبص له أفتكر إنك “خربشتيني” في يوم.. زي القطة اللي بتحاول تهرب من صاحبها.”
​شالها وهي بتعيط بهستيريا، ورماها على السرير، وبص في عينيها وقال بلهجة مفيش فيها رجوع:
“الجرح ده تمنه غالي أوي يا ليلى.. ومن النهاردة، مش هكتفي إني أحبسك في الأوضة. من النهاردة، إنتي هتكوني معايا في كل اجتماع، في كل عملية، في كل مكان بروح فيه.. هتشوفي “الوحش” اللي بجد، عشان تعرفي إن الهروب مني مستحيل، وإن حياتك بقت مربوطة بدمي.”
​صقر نادى على الحرس يضمدوا جرحه، وهو خارج بص لها وقال: “جهزي نفسك.. بكره فيه اجتماع للمافيا الكبار، وإنتي هتكوني قاعدة جنبي.. ‘ملكة’ صقر المنشاوي اللي ماتت بالنسبة للعالم، وصحيت بالنسبة ليا أنا وبس.”
تاني يوم، القصر كان مقلوب. صقر أمر الخادمات يجهزوا ليلى كأنها عروسة، بس عروسة لمملكة من الضلمة. ليلى كانت قاعدة زي الج*ثة، مستسلمة ليهم وهم بيلبسوها فستان أسود طويل، ضيق وماسك على جسمها، وحطوا لها مكياج قوي يداري آثار العياط والتعب تحت عينيها.
​صقر دخل الأوضة، كان لابس بدلة سودة شيك جداً، وكتفه مربوط تحت القميص مكان طعنة ليلى. قرب منها وبص لجمالها في المرايا، وابتسم ببرود: “الأسود بياكل منك حتة.. النهاردة الكل هيعرف إن صقر المنشاوي مابقاش لوحده.”
​ليلى بصت له بجمود وقالت: “إنت عايز تتباهى بيا قدام تجار الدم بتوعك؟”
صقر ميل على ودنها وهمس: “عايزهم يعرفوا إن اللي يفكر بس يلمح خيالك، هحرق مملكته. يلا يا ملكتي.”
​نزلوا القاعة الكبيرة في مكان سري تحت الأرض، مخصص لاجتماعات رؤساء المافيا. المكان كان مليان رجالة بوشوش تقطع الخميرة من البيت، س*لاح، ودخان سيجار مالي الجو. أول ما صقر دخل وهو ماسك إيد ليلى، الكل سكت.. العيون كلها اتوجهت للبنت اللي داخلة مع “البعبع” بتاعهم.
​صقر قعد على رأس التربيزة، وقعد ليلى جنبه، وحط إيده على كتفها بتملك واضح. واحد من كبار الزعماء، راجل عجوز وعينه غدارة، ضحك وقال: “أخيراً يا صقر قررت تورينا الجوهرة اللي مخبيها؟ بس مش خايف عليها مننا؟”
​صقر طلع س*لاحه وحطه على التربيزة قدامه بمنتهى الهدوء، وبص للراجل وقال: “اللي يخاف هو اللي عنده حاجة يخسرها.. وأنا ليلى مش خسارة، ليلى هي ‘روحي’.. واللي بيقرب من روح صقر، بياخد تذكرة لجهنم من غير عودة.”
​الاجتماع بدأ، وليلى كانت بتسمع صفقات مرعبة، ق*تل وتجارة وس*لاح.. كانت حاسة إنها في كابوس. فجأة، دخل واحد من الحرس وهمس في ود صقر بحاجة خلت عيونه تتحول لكتلة نار.
​صقر بص لليلى وبعدين بص للرجالة وقال بصوت جهوري: “يبدو إن فيه حد من اللي قاعدين معانا النهاردة، حاول يلعب من ورايا ويوصل لليلى وهي في الجامعة.. حد كان فاكر إن صقر نايم.”
​ليلى قلبها سقط في رجليها.. تفتكر صقر عرف حاجة تانية؟
صقر شاور لرجاله، ودخلوا واحد متكتف ووشه كله دم.. ليلى صرخت لما شافت إنه “آدم” زميلها في الجامعة! مكنش مات، صقر كان خاطفه ومعذبه عشان يذلها بيه في اللحظة دي.
​صقر قام وقف، ومسك راس آدم ورفعه قدام ليلى وقالها بقسوة: “عشان تعرفي إن مفيش حد بيلمس حاجة تخصني وبيعيش.. ليلى، إنتي اللي هتنهي الحكاية دي.”
​صقر طلع مسدسه وحطه في إيد ليلى، ووقف وراها وحضنها من ضهرها، ووجه إيدها ناحية آدم وقال بجمون: “اضربي يا ليلى.. اضربي عشان تثبتي لي إنك بقيتي مني.. عشان تمحي أي ذكرى ليكي برا القصر ده!”
​ليلى كانت بتترعش، وصوابع صقر ضاغطة على صوابعها فوق الزناد.. إيد ليلى كانت بتترعش لدرجة إن المسدس كان هيقع منها، وصوت أنفاس صقر في ودنها كان زي فحيح الثعبان. آدم كان بيبص لها بعيون مكسورة ومنفوخة من الضرب، بيحاول ينطق اسمها بس الدم كان مالي بوقه.
​صقر ضغط بجسمه على ضهرها أكتر، وهمس بصوت رخيم ومرعب: “يلا يا ليلى.. وريني إنك اخترتي عالمي.. وريني إنك بقيتي (منشاوي) بجد. اضربي عشان تخلصيه من عذابه، وعشان تخلصي نفسك من ذكرياته.”
​ليلى غمضت عينيها بقوة، ودموعها نزلت على إيد صقر اللي ماسكة إيدها. فجأة، وبحركة متهورة منها، بدل ما توجه المسدس لآدم، حاولت تلف إيدها بسرعة وتوجهه لصدر صقر، وهي بتصرخ: “أنا مش هبقى قاتلة زيك! موتني وخلصني!”
​صقر كان أسرع منها بكتير، وبقوته الجسمانية لوي ذراعها في ثانية، والطلقة خرجت في الهوا وكسرت النجفة الكبيرة اللي في سقف القاعة. النجفة وقعت وعملت صوت انفجار، والكل قام مفزوع.
​صقر سحب المسدس من إيدها بعنف، وزقها على الكرسي، وبص لآدم وبص لها بضحكة شيطانية: “كنت عارف إنك لسه ضعيفة.. لسه القلب الأبيض ده ملوثش.”
​التفت لواحد من رجاله وقال ببرود يجمّد الدم: “خده يا جابر.. مش عايز أشوف وشه تاني، ارميه للكلاب في المزرعة.. بس وهو صاحي، عايزه يحس بكل لحظة.”
​ليلى صرخت صرخة مكتومة وهي شايفة آدم بيتسحل قدام عينيها، وحاولت تقوم تجري وراهم بس صقر قبض على وسطها بإيد واحدة وحبسها في مكانها. الزعماء اللي قاعدين بدأوا يتهامسوا، وصقر بص لهم بنظرة خلتهم يسكتوا فوراً.
​صقر شال ليلى قدام الكل وخرج بيها من القاعة، رمى المسدس لواحد من حراسه وقال له: “نظف المكان، والاجتماع يتأجل لبكرة.”
​لما وصلوا الجناح، صقر رماها على الأرض ودخل وقفل الباب. كان وشه أحمر وعروقه بارزة، قلع قميصه والدم كان لسه مبقع الشاش اللي على جرحه القديم. قرب منها ومسكها من كتافها وهزها بقوة:
“لحد إمتى؟! لحد إمتى هتحاولي تق*تليني يا ليلى؟ أنا اللي عملتلك قيمة، أنا اللي خليت الملوك يوطوا راسهم قدامك النهاردة! إنتي فاكرة إن الواد ده كان هيحبك؟ ده كان هيخاف من ظلك لو عرف إنتي بنت مين!”
​ليلى بصت له بتحدي وهي بتنهج: “أنا مش بنتك! أنا المخطوفة اللي إنتي قررت تملكها! إنت دمرت حياتي يا صقر، ومحيت وجودي.. أنا بكرهك، وهفضل أحاول أق*تلك لآخر نفس فيا.”
​صقر سكت فجأة، والشر اللي في عينه اتحول لهدوء مرعب أكتر. قعد على الأرض قدامها، ولمس وشها بصباعه برقة غريبة، وقال: “عارفة.. أنا بدأت أقتنع إنك مش هتمشي باللين. إنتي محتاجة تعرفي إنك فعلاً (ميتة) بالنسبة للكل.”
​طلع صور من جيبه ورماها قدامها.. كانت صور لـ “جنازة”. جنازة رسمية بتابوت عليه صورتها، وناس بتبكي، وصقر نفسه كان واقف بيمثل الحزن.
​”الكل دفنك يا ليلى.. مفيش حد بيدور عليكي. إنتي دلوقتي (ملك) خاص لصقر المنشاوي.. ومن اللحظة دي، مفيش خروج من الأوضة دي نهائي. هجيبلك المدرسين هنا، والأكل هنا، وهتنامي وتصحي وأنا جنبك.”
​قام وقف وقال وهو خارج: “بكرة هنجيب المأذون.. هنكتب كتابنا يا ليلى. عشان لو فكرتي تق*تليني، تق*تلي (جوزك).. وتورثي جحيمي لوحدك.”
​ليلى بصت للصور وهي مش مصدقة، حست إنها اتدفنت وهي حية فعلاً.اليوم اللي بعده كان كأنه مأتم مش فرح. القصر كله كان متزين بالورد الأبيض، بس ريحة الموت والخوف كانت لسه مسيطرة على المكان. ليلى كانت قاعدة قدام المراية، لابسة فستان أبيض حرير، بس وشها كان خالي من أي تعبير، عيونها كانت مطفية تماماً زي ما يكون روحها سابت جسمها.
​صقر دخل الأوضة، كان لابس بدلة سودة شيك جداً، وريحته كانت قوية لدرجة تخنق. وقف وراها وبص لانعكاسها في المرايا، حط إيده على كتفها وهمس: “النهاردة هتكوني ملكي رسمي.. مفيش حد في الكون يقدر يقول إن ليلى مش لصقر.”
​ليلى مردتش، فضلت باصة للفراغ. صقر مسك دقنها ورفع وشها ليه: “انطقي! قولي أي حاجة! اشتمي، اصرخي.. بس متسكنيش كدة.”
​ليلى بصت في عينه ببرود مرعب وقالت: “إنت عايز ورقة تثبت ملكيتك ليا؟ خدها.. بس الورقة دي مش هتديك قلبي، ولا هتمحي دم آدم اللي لسه على إيدك، ولا هتمحي كرهي ليك يا صقر. إنت بتمضي على وثيقة موتك بإيدك.”
​صقر ضحك بوجع، وباس راسها: “أنا ميت فيكي أصلاً.. مش هتفرق كتير.”
​نزلوا الصالون الكبير، وكان المأذون قاعد وواضح عليه الرعب من منظر الحرس والس*لاح. صقر قعد وجنبه ليلى، وحط مسدسه على التربيزة قدام المأذون، وقال بكلمة واحدة: “ابدأ.”
​المأذون بدأ يكتب الكتاب وإيده بتترعش. لما جه الوقت عشان ليلى تمضي، صقر وراها القلم وقالها بصوت واطي: “امضي يا ليلى.. فكري في الناس اللي لسه عايشة في القصر ده وبتحبك، بلاش تخليني أتهور.”
​ليلى مسكت القلم، وبصت لصقر نظرة أخيرة، ومضت. في اللحظة دي، صقر حس بنشوة انتصار ملقهاش في أي معركة دخلها قبل كدة. المأذون قال جملته الشهيرة “بارك الله لكما..” وقام جرى من القصر حرفياً.
​صقر قام وشال ليلى بين إيديه وهي مستسلمة تماماً، وطلع بيها الجناح بتاعه. أول ما دخل، قفل الباب وبدأ يفك الشاش من على جرحه، وقالها: “دلوقتي إنتي بقيتي مراتي.. يعني مفيش حواجز، مفيش هروب.. أنسي كل حاجة حصلت برا الأوضة دي، وخليكي معايا هنا.”
​ليلى قربت منه ببطء، وده خلى صقر يستغرب ويقف مكانه. حطت إيدها على الجرح اللي هي سببهوله، وقالت بصوت ناعم ومخيف: “عارف يا صقر.. الجواز ده هو اللي هيخليني قريبة منك أوي.. لدرجة إنك مش هتعرف الغدر هيجيلك منين. إنت حبستني في بيتك، بس أنا هحبسك في حبي لغاية ما تخنق نفسك بنفسك.”
​صقر شدها ليه بقوة وباسها بعنف وهوس، وكأنه عايز يبلع روحها جواه: “أنا راضي بالسجن ده.. لو إنتي السجانة، أنا موافق أعيش عمري كله محبوس فيكي ماياخالد.”
​فجأة، وهما في قمة اللحظة دي، صوت ضرب نار انفجر برا القصر! وصوت انفجار هز أركان الجناح. صقر ساب ليلى وسحب س*لاحه في ثانية، وبص من الشباك لقى هجوم مسلح على القصر.. هجوم مش طبيعي.
​صقر بص لليلى وقال بصوت حاد: “ادخلي الحمام واقفي ورا الباب المصفح ومتخرجيش مهما حصل!”
​ليلى بصت له بخوف حقيقي المرة دي: “مين دول؟”
​صقر ابتسم ابتسامة غامضة وهو بيحمر س*لاحه: “الظاهر إن فيه ناس فاكرة إن فرحي نقطة ضعف.. بس هما ميعرفوش إن صقر بيبقى أخطر وهو بيحمي حتة من قلبه.”صقر خرج من الجناح زي الإعصار، وليلى فضلت واقفة مكانها وقلبها بيدق بجنون. صوت الرصاص كان في كل حتة، وصراخ الحرس وهدم الحيطان كان مسموع بوضوح. ليلى للحظة حست إن دي “فرصتها”، الحرية بتناديها وسط الفوضى دي.
​فتحت باب الجناح ببطء، لقت الممرات عبارة عن ساحة حرب. شافت واحد من المهاجمين بيصوب س*لاحه على ضهر صقر اللي كان بيضرب نار ببراعة في الجهة التانية. بدون تفكير، ومن غير ما تحس، ليلى صرخت بأعلى صوتها: “صقررر! حاسب!”
​صقر لف في أقل من ثانية، وضرب المهاجم طلقة في نص راسه قبل ما يضغط على الزناد. بص لليلى نظرة سريعة كانت خليط بين الذهول والخوف عليها، وشاور لها بإيده ترجع لجوه، بس القصر كان خلاص بيتحرق.
​فجأة، دخل من البوابة المحطمة راجل لابس لبس غالي بس ملامحه مليانة غل.. كان “زين المنشاوي”، ابن عم صقر والمنافس الوحيد ليه على زعامة المافيا، واللي كان الكل فاكر إنه هرب برا البلد.
​زين ضحك بصوت عالي وهو ماسك رشاشه: “مبروك يا عريس! كان لازم أجي أباركلك على العروسة اللي قلبت كيانك وخليتك تضعف وتنكشف قدامنا كلنا.”
​صقر وقف قدام ليلى، حماها بضهره العريض وقال بصوت يهز الأرض: “زين.. إنت جيت لحتفك. لو لمست شعرة منها، هخليك تتمنى الموت وما تلاقيهوش.”
​زين بص لليلى بنظرة مقرفة وقال: “هي دي بقى البنت اللي صقر المنشاوي عمل عشانها جنازة وهمية وحبس نفسه معاها؟ شكلها يستاهل فعلاً.. بس خسارة، هتموت معاك النهاردة.”
​المعركة اشتدت، وصقر بدأ يتبادل الرصاص مع رجال زين. ليلى كانت وراه، ماسكة في قميصه من الضهر بكل قوتها. وفي لحظة غدر، قنبلة يدوية وقعت قريبة منهم. صقر من غير تردد، رمى نفسه فوق ليلى عشان يحميها بجسمه من الشظايا.
​الانفجار حصل، والدخان ملى المكان. ليلى فتحت عينيها وهي بتكح، لقت صقر فوقيها، مبيتحركش، والدم مغرق ضهره وراسه.
​”صقر! صقر رد عليا!” ليلى صرخت وهي بتهزه بانهيار. الكره اللي كان جواها اتبخر في لحظة لما شافت الراجل اللي حبسها وحرق دمها، بيضحي بحياته عشان هي تعيش.
​زين قرب منهم وهو بيضحك، ووجه س*لاحه لراس صقر المغمى عليه: “باي باي يا ابن عمي.. مكنتش أتخيل إن نهايتك هتكون بسبب حتة عيلة.”
​ليلى شافت مسدس صقر واقع جنب إيدها. مدّت إيدها ببطء، وعيونها كانت بتلمع بشراسة أول مرة تظهر فيها. رفعت المسدس بكل قوتها، وقبل ما زين يضغط على الزناد، كانت ليلى أسرع..
​”طاااااخ”
​طلقة واحدة سكنت في قلب زين، اللي وقع مكانه وهو مش مصدق إن البنت الرقيقة دي هي اللي نهت حياته.
​ليلى رمت المسدس وارتمت في حضن صقر وهي بتعيط بهستيريا: “قوم يا صقر! متسيبنيش.. أنا مش عايزة أهرب، أنا عايزة أفضل معاك.. قوم يا مجنون!”ماياخالد
​صقر بدأ يفتح عينيه ببطء، وابتسامة تعب ظهرت على وشه وهو شايف دموعها وخوفها عليه. مسح دموعها بإيده اللي متغطية بدمه وهمس بصوت متقطع: “قولتي.. متسيبنيش؟ يعني.. مش هتهربي؟”
​ليلى هزت راسها بـ “لأ” وهي بتضمه بقوة: “مش ههرب.. بس قوم عشان خاطري.”
​صقر غمض عينيه وهو بيتنفس بصعوبة وقال: “دلوقتي بس.. ليلى بقت ملكي بجد.. مش بالخوف، بس بالحب.”بعد كام شهر، القصر اللي كان محروق ومتهدم رجع أحسن من الأول، بس المرة دي مكنش مجرد حصن، كان “مملكة” خاصة ليهم. صقر نجى من الموت بأعجوبة، بس الإصابة سابت أثرها عليه، والجرح اللي في ضهره بقى جنبه علامة تانية.. “رصاصة” فدا بيها ليلى.
​ليلى اتغيرت تماماً، مق*تلتش بس زين، هي ق*تلت “ليلى البريئة” اللي كانت بتخاف من صوت الرصاص. بقيت واقفة في بلكونة الجناح، لابسة فستان أحمر قانٍ زي لون الدم، وبتبص على الجنينة اللي كانت في يوم من الأيام سجنها.
​صقر قرب منها من ضهرها، وحضنها بقوة وهو بيدفن وشه في رقبتها، همس بصوت لسه فيه بحة التعب: “بتفكري في إيه يا ملكتي؟ لسه بتدوري على ثغرة تهربي منها؟”
​ليلى لفت وبصت له بعيون مفيهاش خوف، عيون بقت تشبه عيونه في حدتها، وقالت بابتسامة غامضة: “أهرب وأروح فين؟ العالم برا ميعرفش ليلى.. العالم برا فاكرني ميتة. أنا ماليش وجود غير هنا، جنبك.”
​صقر شالها وحطها على حرف السور، وبص لها بهوس لسه مبيقلش، بل بيزيد: “إنتي عارفة إني لو حسيت للحظة إنك بتمثلي عشان تخدعيني، هعمل إيه؟”
​ليلى حطت إيدها على خنجر صغير كان صقر عاطيهولها “هدية” عشان تحمي نفسها، وقالت بنعومة: “عارفة.. هتق*تلني. بس إنت مش هتقدر، لأنك لو ق*تلتني، هتق*تل نفسك. إحنا بقينا روح واحدة في جسمين يا صقر.. إنت علمتني الوحشية، ودلوقتي لازم تستحمل النسخة اللي إنت صنعتها.”
​صقر ضحك، ضحكة فيها فخر مرعب: “دي ليلى اللي كنت مستنيها.. ليلى اللي تقدر تقف جنبي وهي بتمضي على قرارات الموت ببرود. النهاردة فيه شحنة س*لاح كبيرة داخلة المينا، ورجالتي محتاجين يشوفوا ‘الكبيرة’ بتاعتهم وهي بتشرف على الشغل.”
​ليلى بصت له بتحدي: “مش هروح كضيفة يا صقر.. هروح كشريكة. الس*لاح ده نصه ليا، والكلمة كلمتي.”
​صقر عيونه لمعت بالجنون والرضا، باس إيدها وقال: “كل اللي أملكه ليكي.. المهم تفضلي في حضني.”
​نزلوا مع بعض، والرجالة كلهم وقفوا صفين، ونكسوا راسهم احترماً ليهم. مكنش حد يقدر يرفع عينه في ليلى، مش بس عشان هي “حرم صقر المنشاوي”، لكن عشان الكل عرف إنها البنت اللي ق*تلت زين بدم بارد وهي لسه بفستان فرحها.
​ركبوا العربية المصفحة، وصقر مسك إيدها وشبك صوابعه في صوابعها، وبص للطريق وقال: “زمان كنت خايف عليكي من العالم، دلوقتي أنا خايف على العالم منك.”
​ليلى سدت ضهرها على الكرسي وابتسمت لصورته في الإزاز: “إنت اللي اخترت يا صقر.. إنت اللي حطيت الطفلة دي قدام باب قصرك، ودلوقتي لازم تعيش مع النتيجة.”
​العربية مشيت في طريق الضلمة، والاتنين مع بعض، مفيش حد يقدر يفرقهم.. لا قانون، ولا موت، ولا حتى ضمير. بقوا هما الاتنين “أسطورة المافيا” اللي ميرحموش، والحب اللي بينهم كان عامل زي النار، بيحرق كل اللي يقرب منه، بس بيدفيهم هما وبس.
تمت بقلم ماياخالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *