صعيدي من أكسفورد الرابع الاخير حكايات مايا خالد

مايا خالد

الرابع الاخير
صعيدي من أكسفورد حكايات مايا خالد

​في المحروسة… روتين بارد وقلب معلق
​عادت نور إلى القاهرة، لكن القاهرة لم تعد كما كانت في عينيها. شوارع وسط البلد المزدحمة، صوت آلات التنبيه، جدران مكتبها في الجريدة التي كانت تعشق رائحة الحبر فيها… كل شيء بدا باهتًا، خاليًا من تلك الهيبة والعمق اللذين عاشتهما في ليالي الصعيد.
​مرت خمسة أيام كاملة.
عادت نور إلى روتينها اليومي كصحفية شهيرة بعد أن نُشر تحقيقها الذي هز الرأي العام وأطاح برأس سليم زهران خلف القضبان. كانت تجلس وراء مكتبها، تمسك بقلمها وتكتب، لكن عينيها كانت تزيغ رغماً عنها نحو شاشة هاتفها الموضوع بجانبها.
​”لم يتصل… ولا حتى رسالة واحدة يطمئن فيها إن كنتُ قد وصلت.”
​تحدثت إلى نفسها بمرارة وجرح كبريائها ينزف في صمت. لقد ظنت للحظة أنه أحس بشيء تجاهها، وأن نظراته الكحلية الدافئة خلف دخان البارود كانت حقيقية. لكنها الآن تفهم… لقد كانت مجرد قض*ية، ضيفة دخلت عرينه وحمايتها فرضتها عليه شيم الرجال الصعايدة، وبمجرد أن انتهى الخطر، أُغلقت الصفحة وعاد الصقر إلى جباله، وتركها هي هنا تواجه طيفه الذي لا يغادر مخيلتها.
​قطع حبل أفكارها رنين هاتف المكتب الداخلي، ليرد عليها صوت والدها، الحاج عاصم، بنبرة ملؤها الرجاء والهدوء:
“نور يا بنتي… جهزي نفسك بكرة بالليل، فيه ضيوف جايين يقابلونا، مهندس محترم ومن عيلة طيبة، وأنا عطيته ميعاد عشان يجي يشوفك وتتعرفوا.”
​تنهدت نور بتعب، وكان ردها التلقائي الرفض كما تفعل دائماً، لكنها تذكرت صمت يونس، وتجاهله لها طوال هذه الأيام، وكبرياءها الغجري صرخ بداخلها أن تتوقف عن انتظار سراب لرجل رأى أن دورها انتهى بمجرد وصولها لبلدها.
أغمضت عينيها وقالت بنبرة جامدة:
“ماشي يا بابا… اللي تشوفه. أنا موافقة أقعد معاه بكرة.”
​في الصعيد… كبرياء الصقر ونار الشوق
​في قصر الهوارية، كانت الشمس تميل نحو الغروب، لتصبغ النخيل والجدران العتيقة بلون الذهب المطفأ. يونس كان يقف في شرفة مكتبه الواسعة، مرتدياً جلبابه الرمادي الفخم، ممسكاً بسبحته الكهرمانية التي تداعبها أصابعه بقوة وعصبية لم يعتدها رجاله فيه.
​تنهد بعمق، ومرر يده على كتفه المصاب الذي بدأ يتماثل للشفاء. فجأة، قفزت صورتها أمام عينيه… لمعة عينيها العنيدة وهي تركع أمامه لتطهر جرحه، وصوت أنفاسها المتوترة التي كانت تلف وجهه في عتمة الليل.
​نفض يونس رأسه بعنف، وضغط على حبات سبحته وهو يهمس لنفسه بحدة وغضب صعيدي مكتوم:
“جرا لك إيه يا ولد الهواري؟ عاد واجف تفكر في بنت البندر وتتنهد كيف المراهقين؟ دي بنت بنديرية، كانت واجفة تتأفف وتستعر من الصعايدة وتقول علينا بنضرب بالكرابيج! تلاقيها الحين نسيتك وراحت لحياتها وناسها… أنت يادوب مشتاق لوشها الصبياني وعنادها الغجري، مش أكتر واصل.”
​حاول إقناع نفسه بأنها مجرد نزوة عابرة فرضها ظرف الخطر، لكن دقات قلبه التي كانت تثور مع كل ذكرى لها كانت تفضح كذبه على نفسه.
​قطع خلوته رنين هاتفه المشفر. نظر إلى الرقم الذي يظهر على الشاشة، ليرد على المكالمة الغامضة التي لم تتجاوز الكلمات المعدودة والمبهمة.
أصغى يونس للطرف الآخر بتركيز شديد، وبدت ملامحه غامضة ولا تكشف شيئاً مما يدور في عقله، سوى أن عروق يده برزت بقوة وهو يضغط على الهاتف.
​أغلق الخط دون مقدمات، ونظر من الشرفة بشرود عميق، ثم نادى بصوت جهوري رجولي تردد في أنحاء القصر:
“همام! جهز العربية الكبيرة الحين… أنا هوصل المحروسة على الفجر.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *