حواديت توتا

زعيم مافيا الناس كلها بتخاف منه، كان بيجري في جنينة غرقانة في المطر في القاهرة، بيدوّر على ابنه الصغير اللي اختفى، لحد ما لقاه قاعد بأمان جنب بنت مشردة عندها ست سنين، كانت جعانة لدرجة الموت، وبتغنيله تهويدة عشان تهديه.
لكن بعد ما ابنه رجعله، البنت الصغيرة حاولت تختفي وسط الضلمة، والراجل اللي كان يقدر يلاقي أي حد تقريبًا في المدينة، اتصدم لما عرف إنها متسابّة هناك بقالها شهور… ومحدش رجع يدور عليها أبدًا.
اسمي آدم المصري.
في القاهرة، الناس كانت تعرف اسمي لأسباب عمري ما كنت بحب أتكلم عنها.
كنت بمتلك فنادق، ونايت كلوبس، ومخازن، وشركات كتير قانونية كفاية تخلي الجرايد مبسوطة.
لكن ورا كل ده، كان فيه تنظيم تاني.
تنظيمي أنا.
رجالة ليهم جمايل عندي كانوا يقدروا يلاقوا شحنة مفقودة قبل طلوع الشمس.
ظباط شرطة كانوا بيرجعوا مكالماتي.
والناس اللي كانت بتقف ضدي، غالبًا كانت بتندم.
لكن في الليلة دي، ولا حاجة من ده كله كانت مهمة.
ابني ياسين، اللي عنده خمس سنين، كان مفقود.
ياسين!
المطر كان بيخرّق الجاكت الأسود اللي لابسه وأنا بدوّر عليه في حديقه راقيه.
فريق الحراسة بتاعي اتوزع في كل الشوارع اللي حوالين المكان.
سبع دقايق.
ده كل الوقت اللي ابني كان غايب فيه.
بس بالنسبالي كانوا سبع سنين.
وفجأة… سمعته.
بابا!
لفيت بسرعة.
لقيت ياسين قاعد تحت شجرة، جنب بنت صغيرة جدًا لابسة جاكت قديم ومبهدل.
جريت عليه .
قال ياسين وهو بيعيط
شفت سنجاب… وبعدين معرفتش ألاقيك.
ساعتها بس أخدت بالي من البنت وهي بتبدأ ترجع لورا.
قال ياسين
هي فضلت معايا… وغنتلي أغنية نجمة ماما.
الكلام ده وقفني مكاني.
مراتي ماتت لما ياسين كان عنده سنتين.
وكان فيه حاجات قليلة جدًا تقدر تهديه لما يخاف أو يتوتر.
لكن البنت الغريبة دي قدرت تعمل اللي محدش غيرها قدر يعمله.
بصيتلها وسألتها
اسمك إيه؟
البنت اترددت شوية.
نور.
مكانتش ممكن تكون أكبر من ست سنين.
هدومها كانت متبهدلة ومليانة تراب.
وجزمتها كانت مبلولة بالكامل.
ولما
عرضت عليها أجيب لها شوكولاتة سخنة، عينيها راحت فورًا على الكافيه اللي الناحية التانية من الشارع.
مش ناحية المشروبات…
ناحية الأكل.
بعد عشر دقايق، كانت نور قاعدة قدامنا، ماسكة الكوباية الدافية بإيديها الاتنين.
طلبت لها بسكوت.
أكلت أول واحدة بسرعة.
وبعدين التانية.
وبعدين التالتة.
لكن وهي بتاكل التالتة، وقفت فجأة.
وهمست
آسفة.
سألتها
على إيه؟
قالت بصوت واطي
عشان أكلت كتير.
حسيت بحاجة جوايا اتجمدت.
سألتها
إنتي أكلتي آخر مرة إمتى؟
ما ردتش.
قربت منها أكتر وقلت
نور… باباكي ومامتك فين؟
صوابعها شدت أكتر حوالين الكوباية.
ماما ماتت.
سألتها
وأبوكي؟
قالت
معنديش.
مين بيهتم بيكي؟
سكتت.
وبعد شوية همست
حسام قال إنه هيرجع.
قطبت حواجبي.
مين حسام؟
قالت
صاحب ماما.
سألتها
سابك إمتى؟
نور فضلت باصة للمطر وهو بينزل على إزاز الكافيه.
وبعدين قالت
في الصيف.
حسيت إني بطلت أتنفس لثانية.
إنتي لوحدك من الصيف؟
هزت راسها آه.
أنا قضيت سنين ببني شبكة تقدر تلاقي أي شخص في البلد… حتى الناس اللي بتعمل المستحيل عشان محدش يلاقيها.
ومع ذلك، بطريقة ما، بنت صغيرة عندها ست سنين كانت بتنام لوحدها في القاهرة بقالها شهور.
مديت إيدي ناحية موبايلي.
لكن نور اتراجعت بسرعة وهي بتقول بخوف
أرجوك… لأ.
قلت لها
أنا مش هتصل بحسام.
رفعت عينيها الخايفة وبصتلي.
أمال هتتصل بمين؟
بصيت للبنت الصغيرة اللي حمت ابني، في الوقت اللي محدش كان فيه بيحميها.
وقلت بهدوء
برجالتي.
وشها شحب.
مكانتش عارفة معنى الكلمتين دول.
لكن قبل نص الليل…
حسام كان هيعرف معناهم كويس جدًا.
الفصل الأول البنت اللي محدش دور عليها
ما كنتش عارف وقتها إن الجملة اللي قلتها لنور
برجالتي.
هتكون بداية سلسلة أحداث هتغيّر حياتي أنا وياسين… وحياة طفلة صغيرة اسمها نور.
نور فضلت باصة ليّ كام ثانية، وبعدها نزلت عينيها للأرض.
واضح إنها كانت خايفة.
مش مني أنا شخصيًا.
لكن من فكرة إن حد يدور على حسام.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وبدل ما أكلم حد قدامها، ناديت واحد من رجالي كان واقف بره الكافيه.
دخل سليم.
سليم كان أكتر واحد بثق فيه.
راجل هادي، قليل الكلام، وعمره ما سألني ليه قبل ما ينفذ.
بصيتله وقلت
عايز اسم حسام كامل، وكل المعلومات عنه. ومش عايز حد يقرب من البنت ولا يخوفها.
هز راسه.
حاضر يا باشا.
نور انتفضت لما سمعت كلمة حسام.
سألتها بهدوء
هو كان بيضربك؟
هزت راسها بسرعة.
لأ.
استنيت.
وبعد ثواني قالت
بس كان بيزعق.
كان بيزعقلك ليه؟
سكتت.
ياسين كان قاعد جنبي، ولسه ماسك إيدي.
فجأة قال
هي كانت خايفة أوي لما لقتني لوحدي.
بصيت لنور.
إنتي اللي لقيتي ياسين؟
هزت راسها.
كان بيعيط.
وعملتي إيه؟
قعدت جنبه.
ليه؟
نور رفعت كتفها الصغير.
عشان ماما كانت بتقول إن اللي بيخاف مينفعش يفضل لوحده.
الجملة دخلت جوايا بشكل غريب.
يمكن لأنها كانت أول مرة أسمع فيها حاجة عن أمها.
مامتك كانت بتغنيلك إيه؟
نور بدأت تبص للكوباية.
أغنية النجمة.
ياسين قاطعها
غنيهالي تاني.
نور ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وبدأت تغني بصوت ضعيف.
كانت تهويدة بسيطة جدًا.
مش أغنية مشهورة.
كلمات قليلة عن نجمة صغيرة بتفضل منورة حتى لو السما كلها ضلمة.
ياسين سكت تمامًا.
وأنا فضلت باصص لنور.
صوتها كان ضعيف، لكن فيه حاجة غريبة.
حزن أكبر من سنها.
بعد حوالي عشرين دقيقة، سليم رجع.
قرب مني وقال بصوت منخفض
لقيناه.
رفعت عيني له.
فين؟
ساكن في شقة في شبرا. اسمه حسام كامل. كان شغال مع أم نور في محل ملابس من كام سنة.
بصيت لنور.
في أي أخبار عن أمها؟
سليم سكت لحظة.
اسمها مريم. متوفية من حوالي سبع شهور.
نور بصت للأرض.
سألت
هو قالك إنه هيرجعلك إمتى؟
ردت
قال لما يخلص شغله.
وما رجعش؟
هزت راسها.
في الأول كان بيرجع كل كام يوم.
وبعدين؟
اختفى.
وإنتي كنتي بتاكلي إزاي؟
نور سكتت.
وبعدها قالت
الناس ساعات بتديني.
سليم بصلي.
وأنا حسيت بغضب شديد.
طفلة عندها ست سنين كانت بتعتمد على ناس عشوائيين عشان تعيش.
سألتها
كنتِ بتنامي فين؟
نور أشارت ناحية الحديقة.
هنا.
ياسين فتح عينه بدهشة.
لوحدك؟
نور هزت راسها.
آه.
ومكنتيش بتخافي؟
بصتله وقالت
بخاف.
طب بتعملي إيه؟
بغني.
ياسين قرب منها.
عشان متخافيش؟
عشان أفتكر ماما.
ما عرفت أقول حاجة.
لأول مرة من سنين، حسيت إني عاجز.
أنا كنت أقدر أجيب مية راجل في أقل من ساعة.
أقدر أوقف شحنة.
أقدر أخلي واحد يختفي من القاهرة كلها.
لكن قدامي طفلة صغيرة كانت بتنام تحت شجرة، وأنا مش عارف أعمل إيه غير إني أقول لها
من النهارده مش هتنامي هنا.
نور بصتلي بخوف.
هتوديني فين؟
بيتي.
هزت راسها بسرعة.
لأ.
ليه؟
مش عايزة حد يبيعني.
اتجمدت مكاني.
مين قالك إن حد هيبيعك؟
نور بصتلي.
حسام.
سليم قرب خطوة.
لكن رفعت إيدي أمنعه.
قلت
حسام قالك كده؟
هزت راسها.
قال لو اتكلمت مع الشرطة هيسلمني لناس وحشة.
ناس مين؟
نور بدأت ترتعش.
معرفش.
وبعدين مدت إيدها تحت الجاكت القديم.
طلعت سلسلة صغيرة.
في آخرها مفتاح صغير جدًا.
حطته على الترابيزة.
ماما قالتلي ما أديهوش لحد.
بصيت للمفتاح.
مفتاح إيه؟
معرفش.
فين كانت ماما مخبياه؟
قالت لو حصل لها حاجة، أديه لحسام.
قطبت حواجبي.
وإنتي اديتيهوله؟
هزت راسها.
لأ.
ليه؟
قالت ببساطة
عشان حسام كان بيكدب.
بصيت لسليم.
سليم فهم من نظرتي.
الموضوع بقى أكبر من طفلة مشردة.
قلت
هات العربية.
بعد أقل من نص ساعة، كنا خارجين من الكافيه.
ياسين كان نايم في العربية.
نور كانت قاعدة جنبه، لافّة بطانية حوالين جسمها.
أما أنا فكنت قاعد قدام.
سليم اتصل.
يا باشا… حسام خرج من بيته.
فين؟
في اتجاه وسط البلد.
خليه تحت عينك.
حاضر.
سكت شوية.
وبعدين قال
في حاجة تانية.
قول.
حسام مش شخص عادي.
عارف.
لا… أقصد إنه كان شغال زمان مع شركة نقل كبيرة، والشركة دي مرتبطة باسم قديم أنت تعرفه.
سكت.
مين؟
قال الاسم.
اسم كنت أتمنى ما أسمعوش تاني.
فؤاد الجبالي.
رجل كنت أعتبره من أخطر أعدائي.
فؤاد اختفى من حياتي من تلات سنين.
لكن واضح إنه ما اختفاش فعلًا.
قلت لسليم
عايز كل حاجة عن مريم.
حاضر.
بصيت في المراية.
نور كانت نايمة، ورأسها ميلة ناحية ياسين.
ياسين، رغم نومه، كان ماسك طرف بطانتها.
المشهد كان غريب.
ابني اللي كنت خايف عليه من كل حاجة…
كان نايم جنب طفلة العالم كله نسيها.
وقتها قررت قرار.
مش هسيب نور.
مش الليلة دي.
ولا بكرة.
ولا بعد أسبوع.
وصلنا البيت.
نور أول ما شافت البوابة الكبيرة، وقفت.
ده بيتك؟
آه.
إنت غني؟
ابتسمت رغم نفسي.
يعني.
بصت لياسين.
إنت
لمحة نيوز





