عابث في الظلام الفصل الأول شروق مصطفى حصري

عابث في الظلام
الفصل الأول بقلم شروق مصطفى
البيت دايماً بيكون هو مكان الأمان، المكان اللي بنستخبى فيه من الدنيا.. بس بالنسبة لـ “نور”، البيت كان هو السجن والملجأ في نفس الوقت.
ست شهور عدوا على الحادثة اللي قلبت حياتها وشقلبتها رأس على عقب. ست شهور وهي صاحية نايمة على نفس الكابوس.. لسة فاكرة صوت فرملة العربية وهي بتصرخ، صرختها اللي هزت المكان، وإيد جوزها “شريف” اللي سابت إيدها فجأة وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة جنبها. والأصعب من كل ده، لما فوقت في المستشفى والدكاترة ملامحهم كلها أسف وبيمهدوا لها الصدمة الثانية: ” البقاء لله يا مدام نور.. الجنين نزل ميت، مالحقناش ننقذ البنت”.
من اليوم ده، ونور حابسة نفسها في أوضتها، قفلت على نفسها الأبواب والشبابيك وكأنها بتحاول تقفل على ذكرياتها. الخوف من الشارع بقى عامل زي الفوبيا، مجرد ما تبص من البلكونة ضربات قلبها بتزيد ونفسها بيتكتل. ذكريات جوزها وبنتها اللي ملحقتش حتى تضمها وتشم ريحتها كانت بتطاردها في كل ركن في الشقة.
كانت “منى” أخت جوزها وصاحبت عمرها، هي الست الوحيدة اللي مسبتهاش، كانت بتعافر معاها بكل طاقتها عشان توقفها على رجليها تاني. منى مكنتش مجرد أخت زوج، دي كانت الحبل اللي بيشد نور من قاع البئر. كانت تقعد جنبها على السرير، تاخدها في حضنها وتطبطب عليها وهي بتقولها بدموع ونبرة كلها رجاء:
”يا نور، عشان خاطري كفاية.. العمر مش بيقف يا حبيبتي. شريف راح، وبنتك راحت للّي خلقها، بس أنتِ لسة عايشة.. ربنا سابك عايشة لسبب. لازم تنزلي وتواجهي الدنيا، الشغل هو الوحيد اللي هيخليكي تنسي وتقدري تكملي.”
بالفعل، بعد محاولات وعياط وخناق كتير، منى قدرت تقنع نور تنزل وتتحرك. منى كانت بتدير كافيه صغير، وأصرت إن نور تنزل تشتغل معاها فيه عشان متفضلش لوحدها. البداية كانت قطعة من العذاب.. نور كانت بتترعش من نظرات الزباين، حركة العربيات برا الكافيه كانت بتفزعها، بس وجود منى جنبها كان بيطمنها ويهدي الرعب اللي جواها شوية بشوية.
بدأت نور تتعود على ريتم الشغل، لكن الأيام مابتفضلش على حالها.. منى جيلها نصيبها واتجوزت، وكان لازم تنقل لبيتها الجديد في محافظة تانية بعيدة. يوم وداعهم كان صعب، منى حضنتها وهي بتوصيها: “خلي بالك من نفسك يا نور، أنا سيباكي وأنا مطمنة إنك بقيتي أقوى”.
بس الحقيقة إن نور مكنتش أقوى ولا حاجة.. بمجرد ما منى مشت وسابت الشقة، رجع الفراغ القاتل، ومع الفراغ.. بدأ الكابوس الحقيقي اللي مكنش على البال ولا على الخاطر.
في يوم، وهي راجعة من الكافيه بالليل بعد ما منى مشت بأسبوع، الشارع كان فاضي والهوا بارد. نور كانت بتسرع خطواتها والشنطة متمسكة بيها بإيد بتترعش. فجأة، حست بخطوات وراها.. خطوات تقيلة ومنتظمة. قلبت عينيها برعب ولمحت خيال راجل طويل ماشي وراها. سرعت أكتر، ولسة هتجري، لقت الراجل ده بقوته وجسمه الضخم بقى جنبها.. عدا من جنبها زي النسمة، بس وهو بيمر، مال عليها وهمس بصوت فحيح الأفاعي، صوت غامض ومرعب هز كيانها:
”ارجعي بيتك.. ومتنزليش الشارع تاني.. البيت أأمن ليكي.”
نور اتسمرت في مكانها، الصدمة لجمت لسانها، لفت تبص وراها لقت الراجل اختفى وسط الضلمة كأنه فص ملح وداب! جريت على بيتها وهي بتصرخ من غير صوت، دخلت الشقة وقفت الباب وراها بتلات أقفال وترابيس حديد، وقلبها هيطلع من ضلوعها.. مين ده؟ وعايز منها إيه؟ وليه بيراقبها؟
مرت الليلة دي بصعوبة، وتاني يوم نور نزلت الشغل وهي بتحاول تقنع نفسها إنها أوهام، أو حد بيعاكسها وخلاص. لكن الرعب الحقيقي بدأ يظهر جوة بيتها المقفول بالحديد!
بعد كام يوم، نور صحيت من النوم حاسة بتقل غريب ورهيب في جسمها.. إحساس مريب كأن في حد كان معاها في الأوضة، حد لمسها وهي غايبة عن الوعي. قامت مفزوعة، دخلت الحمام وبصت في المراية.. لقت علامات زرقاء وحمراء على جسمها مش مبررة، علامات بتقول إن في حد كان هنا! هزت راسها برعب وعياط وهستيريا وقالت لنفسها: “لأ.. لأ أنا أكيد بيتهيألي! من كتر المهدئات والأدوية اللي باخدها وبنام، أنا أكيد بخبط في السرير وأنا نايمة”.
حاولت تكدب عينيها وعقلها.. بس الكابوس اتكرر تاني وتالت.. وفي المرة الثالثة، نور صحيت من النوم على وجع حارق ومؤلم جداً في إيدها، وجع كأن في نار قايدة في جلدها. بصت برعب لقت “وشم” غريب، حروف محفورة بعمق على جلد إيدها، مكتوبة بدقة وموت!
هنا نور صرخت بكل صوتها.. الموضوع مش وهم، ومش مهدئات.. في حد بيدخل الشقة وهي نايمة، في حد بيعمل فيها كدة وهي مش حاسة!
نزلت تجري في الشارع وهي منهارة، مش شايفة قدامها، الدموع مغرقة وشها والوشم على إيدها بيحرقها. مكنش قدامها غير حل واحد.. لازم تروح البوليس، لازم تشتكي وتنقذ نفسها من الموت ده.
وصلت عند القسم، ولسة برجل بتترعش هتقدم وتدخل من الباب، خبطت بقوة في عيل صغير كان بيجري. الولد متكلمش، بس بسرعة البرق حط في إيدها ورقة مطبقة، وجري واختفى وسط الناس.
نور وقفت مكانه، فتحت الورقة بإيد بتترعش وعين مشوشة من الدموع، ولقت مكتوب فيها بخط حاد:
”بنتك لسة عايشة ومماتتش في الحادثة.. لو عايزة تشوفيها ارجعي بيتك فوراً، وهسيبلك رسائل تمشي وراها لحد ما تقابلي بنتك وتوصلي لها.”
الدنيا لفت بنور، ومبقتش حاسة برجليها وهي شايلاها.. بنتها؟ بنتها اللي قالوا إنها ماتت عايشة؟! الصدمة كانت أقوى من إن عقلها يستوعبها، الورقة غيرت مسار حياتها في ثانية، ولفت ورجعت بيتها وهي مش شايفة قدامها، ودموعها نازلة من غير توقف.. ومن هنا، بدأت اللعبة الكبيرة.
يتبع بقلم شروق مصطفى





