رقم خطأ مايا خالد كاملة

الرقم الأخطر بقلم مايا خالد
كانت تشعر بالملل… رفعت الهاتف، قلبت في الأرقام، ضغطت أرقام لا تعرفها، أرقام بلا أسماء، بلا وجوه، بلا تاريخ.
ابتسمت بسخرية وهي تقرّب الهاتف من شفايفها، وهمست كأنها بتلقي نكتة على الكون:
أنا حامل منك.
ثانيتين صمت…
ثانيتين كانت فيهم مستعدة تضحك، تقفل الخط، وتكمّل لعبتها السخيفة.
لكن الصوت اللي جه من الناحية التانية ماكانش ضحك.
كان هادي…
بارد…
صوته كأنه خارج من قبر مفتوح.
أوه… اعتني بطفلنا جيدًا، واستنّي موعد قدومي يا حلوة.
تجمدت.
الابتسامة وقفت في نص وشها.
قلبها نزل في رجليها.
إيه؟ إنت فاهم غلط… أنا بهزر.
ضحكة قصيرة طلعت منه، ضحكة ما فيهاش أي حياة.
ما بهزرش. الرقم ده ما بيتطلبش بالغلط.
شدّت البطانية حواليها كأنها تحتمي من الصوت.
إنت مين؟
سكت شوية… وبعدين قال اسمها.
اسمها الكامل.
بنبرة يعرفها، كأنه نطقها قبل كده ألف مرة.
إنتِ اللي اتصلتي… وفتّحتي باب كان مقفول.
قفل الخط.
قعدت تبص في شاشة الموبايل، إيدها بترتعش.
بعد دقيقة… وصلتها رسالة.
العنوان اللي قاعدة فيه دلوقتي مناسب… بس غيري لون الستارة، الأسود لايق أكتر.
قامت جريت على الشباك.
الستارة كانت سودا فعلًا.
ساعتها فهمت الحقيقة اللي كانت أفظع من أي هزار:
هي ما اتصلتش بشخص غريب…
هي اتصلت بحاجة كانت مستنياها من زمان.
ومن الليلة دي،
ما بقاش عندها ملل…
ولا نوم…
ولا إحساس إن الهاتف مجرد لعبة.
لأنه في أي لحظة…
ممكن يرن.
ومرة تانية…
ما يكونش هزار.
من الليلة دي،
الهاتف بقى تقيل في إيدها.
مش وزنه… معناه. كل مرة الشاشة تنور، قلبها ينقبض. وكل مرة تسكت، الخوف يزيد.
حاولت تقنع نفسها إن اللي حصل كان صدفة، مكالمة غلط، حد بيهزر تقيل. لكن التفاصيل ما بتهزرش. الاسم اللي قاله.
العنوان اللي عارفه. الستارة السودة اللي ما كانتش واخدة بالها منها غير لما قالها.
في اليوم التاني، نزلت بدري.
غيرت طريقها.
بصت وراها أكتر من مرة.
ولا حد. بس الإحساس ما سابهاش.
إحساس إن في عين شايفه، حتى لو الشارع فاضي.الهاتف رن وهي في المترو.
رقم مخفي. ما ردتش.
قفلت الصوت. بعد ثواني… رسالة.
تجاهلك لطيف. بس مش هيحمِيكي.
نزلت في أول محطة. إيديها كانت بتعرق.
كتبت له إنت عايز إيه الرد جه أسرع مما توقعت.
عايزك تفتكري إنك دخلتي عالمي بإرادتك.
حاولت تضحك. ضحكة باهتة.
كتبت أنا مش عارفاك
الرد كان أبرد من المرة اللي فاتت. بس أنا عارفك.
وعارف كل مرة قلتي فيها كدبة عشان تعيشي.
وقفت. أنفاسها اتلخبطت. ما حدش يعرف عنها كده. ولا حتى أقرب الناس.
كتبت إنت مين
التلات نقط ظهرت… اختفت… رجعت.
أنا واحد ما بيحبش اللُعب.
بس بيعشق الغلطات الصغيرة اللي زي مكالمتك.
في نفس اللحظة، حسّت بحاجة اتحطت في شنطتها. فتحتها.
موبايل تاني قديم. أسود ردّت غصب عنها.
قال بهدوء قاتل دلوقتي نقدر نتكلم من غير شهود. سكتت. كمّل
اسمك اتحط في ملف بالغلط. وأنا ما بسيبش الغلط يعدي.
سألت بصوت مكسور ملف إيه
قال ملف ملكية.
قفلت المكالمة. بس الموبايل ما سكتش.
رسالة واحدة بس ظهرت على شاشته:
من النهارده… إنتِ تحت حمايتي.
والحماية عندي ليها تمن. رفعت راسها.
الناس حواليها ماشية. ولا حد شايف إن حياتها لسه اتقسّمت نصين. نص قبل الرقم. ونص بعده.
وهي ما كانتش تعرف إن اللي اتصلت بيه
مش مجرد راجل خطير… ده زعيم شبكة مافيا اسمه ما بيتقالش. وصوته كان آخر حاجة بتسمعها الناس قبل ما تختفي.
ما نامتش.
ولا دقيقة.
قعدت على طرف السرير، الموبايل الأسود في إيدها كأنه قنبلة موقوتة.
حاولت تطفيه.
ما رضيش.
الشاشة نورت لوحدها.
مكالمة جاية.
ردّت.
قال بصوته الهادي اللي بيدخل تحت الجلد
الحماية تبدأ دلوقتي.
بلعت ريقها
أنا ما طلبتش حماية
رد من غير ما يرفع نبرته
طلبتيها أول ما نطقتي اسمي في المكالمة الأولى
سكتت.
سألته
إنت عايز مني إيه
قال
عايزك تسمعي
سمعت صوت باب عربية بيتقفل.
صوت محرك.
وبعدين صوت شوارع بتجري.
قال
ابصي من الشباك
قامت ببطء.
قربت.
ستارة سودا… وراها شارع واقف.
عربية سودا طويلة كانت واقفة تحت العمارة.
نفس العربية اللي دايمًا بتشوف زيها في الأخبار.
قال
ما تخافيش
دي مش جاية تاخدك
لسه
قلبها دق بعنف
لسه؟
قال
لسه لما تفهمي القواعد
سألته
قواعد إيه
قال
ما تسأليش عن اسمي
ما تحاوليش تهربي
وما تفتكريش إنك لوحدك
قالت
وأنا لو كسرت القواعد
سكت ثانيتين…
وبعدين قال
ما بحبش أكرر نفسي
قفل.
العربية اتحركت.
بس إحساسها إن حد سايب عينه عليها ما اتحركش.
في اليوم اللي بعده، وهي خارجة من الشغل، لقت الطريق فاضي أكتر من اللازم.
الهواء تقيل.
صوت خطوات وراها.
سرّعت.
إيد شدّت دراعها.
صرخت.
بس الصوت اللي جه كان معروف
اهدّي
هو.
واقف قدامها.
مش زي ما تخيلت.
ما كانش ضخم.
ولا مخيف بالشكل التقليدي.
كان هادي.
زيادة عن اللزوم.
عينيه سودا، ثابتة، ما بترمش.
لابس أسود من غير أي علامة.
ولا حتى ساعة.
قال
ده أول تحذير
اللي كان وراكي مش من رجّالتي
شهقت
مين دول
قال
ناس شافوا اسمك في الملف
وقرروا يسبقوني
قرب خطوة.
قرب قوي.
قال
وأنا ما بحبش حد يلمس حاجة قبل ما أقرر مصيرها
ارتعشت
أنا مش حاجة
ابتسم ابتسامة خفيفة
كلنا حاجات في عالم المافيا
بس إنتِ… حاجة نادرة
مدّ إيده
تعالي
رجعت خطوة
لا
قال بهدوء قاتل
ده مش اختيار
العربية السودا وقفت جنبهم.
الباب اتفتح.
الشارع كان فاضي.
زي ما لو الدنيا قررت تبقى متواطئة.
دخلت.
قلبها بيدق لدرجة وجع.
بصّت له
إنت خاطفني؟
قال وهو يقفل الباب
لا
أنا بحميك
والفرق بينهم بسيط… بس خطير
العربية اتحركت.
قال بصوت واطي
من النهارده
إنتِ جوه لعبي
ولو خرجتي برّه
مش هعرف أرجّعك تاني
وسكت.
وهي فهمت
إن الفصل الجاي
مش هيكون عن الهروب
هيكون عن البقاء.العربية كانت ماشية وقت طويل. بقلم مايا خالد
طويل لدرجة إن المدينة اختفت.
الضوء قل.
والسكة بقت أهدى من اللازم.
ما سألتش.
كل سؤال جواها كان أخطر من اللي قبله.
البوابة ظهرت فجأة.
حديد عالي.
أسود.
من غير اسم.
العربية وقفت.
البوابة اتفتحت لوحدها.
دخلوا.
القصر كان واقف في نص الأرض زي كيان قديم.
مش فخم.
مرعب.
حجارة غامقة.
نوافذ عالية.
ولا نور واضح.
قال بهدوء
انزلي
نزلت.
الهواء كان تقيل، ريحته خشب قديم وحديد.
المكان صامت، بس مش فاضي.
صمت مليان عيون.
دخلت وراه.
الأرضية رخام غامق، خطواتها كانت واضحة زيادة عن اللزوم.
قال
ده المكان الوحيد اللي ما بيتكسرش
قالت بصوت واطي
ده بيتك؟
رد
ده عالمي
وقف قدام باب كبير.
فتح.
القاعة كانت واسعة، سقف عالي، شموع قليلة، ظل أكتر من نور.
صور قديمة على الحيطان.
رجالة وشوشهم قاسية.
كلهم شبهه.
قال
دول اللي حكموا قبلي
وما خرجوش
بصّت له
وأنا خارجة؟
لف وبص لها
ده يتوقف عليكي
طلع سكينة صغيرة من جيبه.
حطها على الترابيزة.
قال
القصر ده ليه قانون واحد
اللي يدخل بإرادته
ما يخرجش إلا بإذني
قالت
أنا دخلت غصب
قرب منها
ولا غصب ولا هزار
إنتِ اللي اتصلتي
سكتت.
قال
كل باب ليه تمن
وإنتِ دفعتِ أول قسط
لف ناحية السلم
أوضتك فوق
ممنوع تفتحي باب مقفول
ممنوع تمشي لوحدك
وممنوع تسألي عن اللي تشوفيه
قالت
وأنت؟
وقف
أنا الوحيد اللي تسأليه
طلع السلم.
مشيت وراه.
الأوضة كانت كبيرة.
سرير أسود.
شباك واحد.
الستارة سودة.
قال
ده مكانك
قالت
ولو حاولت أهرب
بص لها بعمق
القصر ما بيحبش الهروب
وبيسترد اللي يسيبه
سابها ومشي.
قفلت الباب.
قعدت على السرير.
بعد شوية سمعت صوت صريخ بعيد.
خفيف.
ومكتوم.
جريت على الباب.
فتحته سنة.
شافته واقف في آخر الممر.
واقف قدام باب مقفول.
الصوت جاي من وراه.
بص لها.
نظرة واحدة كانت كفاية.
قال
اقفلي الباب
قفلت.
رجعت وراها.
قلبها بيخبط.
فهمت حاجة واحدة
القصر ده مش بيت
ده سجن فاخر
وزعيمه ما بيحبش الفوضى
ولا الرحمة
ولا الخروج.
وفي اللحظة دي
الموبايل الأسود رن.
رسالة واحدة بس:
لسه شايفة حاجة تخليكي تعرفي
ليه الحماية عندي غالية
قعدت تبص للسقف
وعرفت
إنها دخلت مكان
ما بيتنسيش
وإنها بقت جزء من لعبة
ما بتخلصش إلا بالدم.
الهروب ما كانش فكرة كاملة.
كان نفس.
خطوتين زيادة عن المسموح.
نظرة أطول من اللازم.
القصر كان نايم.
أو ده اللي افتكرته.
مشيت في الممر بهدوء.
حافية.
البارد طالع من الرخام لحد عضمها.
باب جانبي كان موارب.
نور خفيف وراه.
مدّت إيدها.
دفعت الباب سنة.
الصوت جه من وراها قبل ما تشوف أي حاجة.
هادئ.
أخطر من الصريخ.
وقفتي ليه
اتجمدت.
لفّت ببطء.
كان واقف على بُعد خطوات.
مش غاضب.
مش متوتر.
أسوأ.
هادئ بزيادة.
قال
قلنا إيه عن الأبواب
رفعت دقنها بعناد
ما قلناش إن النفس ممنوع
قرب.
خطوة.
خطوة.
قال
النفس مسموح
الفضول… لأ
مدّ إيده.
مسك دراعها.
مش بعنف.
بحزم.
سحبها.
الممر طال.
الهواء تقيل.
وقف قدام باب حديد.
فتح.
الأوضة كانت ضلمة إلا من نور واحد فوق ترابيزة.
كرسي واحد في النص.
قال
اقعدي
قالت
لا
ابتسم.
ابتسامة قصيرة.
قال
ده أول اختبار
العناد
ضغط على زر.
الباب اتقفل.
قال
اقعدي… أو فضلي واقفة لحد ما تفهمي
قعدت.
قلبها بيدق.
طلع ملف.
فتح.
صور.
حط أول صورة قدامها.
هي.
في الشارع.
في الشغل.
في بيتها.
قال
قبل المكالمة
وبعدها
حط صورة تانية.
عمها في السجن.
قال
ده سبب وجودك في الملف
قالت
إنت بتراقبني من إمتى
رد
من قبل ما ترفعي التليفون
قرب وشه منها
إنتِ كنتي نقطة ضعف في شبكة أكبر منك
وأنا قررت أسبق الكل
قالت
ليه أنا
سكت ثانية
وبعدين قال
لأنك ما بتكسريش بسهولة
واللي زيك… بيعيشوا أو يدمّروا
وقف.
لف حواليها.
قال
الهروب محاولة
والعقاب لازم يكون تعليم
شد الكرسي فجأة.
وقعت على ركبتها.
قال
قومي
قامت بصعوبة.
قال
افتحي الباب
بصّت للباب الحديد
إزاي
قال
جرّبي
شدّت المقبض.
مقفول.
قال
القصر ما بيفتحش للي يفكر يسيبه
بس يفتح للي يفهم مكانه
قرب منها.
وشه قريب قوي.
قال
قولي
قالت
أقول إيه
قال
قولي إنك عرفتي مين واقف قدامك
بلعت ريقها.
عينيها في عينه.
قالت
إنت مش حامي
إنت مالك
ابتسم.
أول ابتسامة حقيقية.
الباب اتفتح.
قال
اختبار ناجح
بس العقاب لسه مخلصش
مسك إيدها.
طلعوا.
قال وهو ماشي
العناد هنا بيكلف
بس كمان بيرفع قيمتك
وقف قدام أوضتها.
فتح الباب.
قال
من النهارده
مش هتنامي غير لما أقول
مش هتتحركي غير لما أعرف
ومش هتنسي
إن خطوة زيادة
ممكن تخلّص اللعبة
سابها.
قفلت الباب وراها.
سندت راسها عليه.
فهمت متأخر
إن اللي قدامها
مش مجرد زعيم مافيا.
ده اختبار ماشي على رجلين.
واللي ينجح فيه
إما يبقى ملك
يا إما يختفي.
من يوم الاختبار،
القصر اتغيّر.
مش في شكله…
في معاملته ليها.
ما بقاش يظهر فجأة.
بقى موجود دايمًا.
صوته يوصلها قبل ما تشوفه.
خطواته معروفة.
حضوره تقيل.
الأوامر قلت.
المراقبة زادت.
ما بقاش يمنعها تمشي.
بس كل خطوة كانت محسوبة.
كل باب بيتفتح لها،
باب تاني كان بيتقفل وراها.
في يوم، دخل أوضتها من غير ما يخبط.
كان شايل صينية أكل.
حطها على الترابيزة.
قال
ما كلتيش من امبارح
قالت بعناد هادي
مش جعانة
قرب
الجوع مش دايمًا في المعدة
قعد قدامها.
أول مرة يقعد.
قال
عارفة عقابك الحقيقي كان إيه
ما ردتش.
قال
إني سيبتك تفهمي لوحدك
إنك مش أسيرة
إنتِ محمية
والفرق ده خطير
قالت
الحماية اللي من غير اختيار سجن
بص لها طويل
والاختيار في عالمنا وهم
وقف
بس أنا بوهمك براحته
سابها وخرج.
في الليلة دي،
صوت ضرب نار صحّاها.
صرخة مكتومة.
جري في الممر.
فتحت الباب.
شافتها.
واقف آخر الممر،
هدومه فيها دم.
قال
اقفلي
قالت
مين ده
قرب
حد افتكر إن قربك ضعف
قالت
ومات؟
رد بهدوء لسه بيتعلّم يموت بصّت للدم. لإيده.
قال ما تبصّيش مش دورك لسه. قالت
ودوري إمتى
سكت لحظة
وبعدين قال
لما تبقي الحاجة الوحيدة اللي أوقف عشانها
الكلمة نزلت تقيلة.
مش اعتراف.
مش تهديد.
حقيقة.
رجع يمشي.
وقف فجأة.
قال
من بكرة
هتفضلي جنبي
تشوفي
وتتعلمي
وتقرري
يا تبقي جزء
يا تبقي ذكرى
قفلت الباب.
قعدت على الأرض.
فهمت
إن الهروب ما بقاش برا القصر
الهروب بقى جواها.
وإن أخطر حاجة حصلت
مش إنها اتخطفت
ولا اتعاقبت ولا اتاختبرت. أخطر حاجة إنها بدأت تحس إن وجوده بيخلي العالم أقل رعب.
وده في عالم المافيا اسمه بداية النهاية.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *