مرايا مكسورة بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
مرايا مكسورة بقلم مايا خالد حصري
اللي عايش معاكي في البيت ده مش جوزك.. ده شبيه ليه!”
الجملة دي نزلت على “سلمى” زي الصاعقة. كانت قاعدة بتبص للموبايل بذهول، الرسالة مبعوتة من رقم مجهول، وفي نفس اللحظة سمعت صوت مفاتيح “خالد” جوزها وهي بتفتح الباب.
دخل خالد بابتسامته الهادية المعتادة، قلع الجاكيت وقال بصوته اللي حافظاه: “ايه يا سلمى، مالك واقفة كدة ليه؟ الأكل جهز؟”
سلمى حاولت تبلع ريقها وتطرد الأفكار المرعبة، بصت في عينيه.. نفس اللون، نفس النظرة، حتى الجرح الصغير اللي عند حاجبه موجود. ردت بصوت مرعوش: “آه.. ثواني وهغرف.”
طول العشا، سلمى كانت بتراقبه من تحت لتحت. لاحظت حاجات صغيرة مكنتش بتاخد بالها منها:
الإيد: خالد كان دايمًا بيمسك الشوكة بإيده اليمين، المرة دي مسكها بالشمال ولما خد باله إنها بتبص، نقلها بسرعة لليمين.
القهوة: خالد مبيشربش القهوة بسكر أبدًا، لكنه النهاردة طلب كوباية “مظبوط”.
الذكريات: لما سألته: “فاكر يا خالد لما روحنا راس البر من سنتين؟”، رد بضحكة باهتة: “طبعًا يا حبيبتي، كانت أيام تجنن”.. الحقيقة إنهم عمرهم ما راحوا راس البر!سلمى دخلت الحمام وقفلت على نفسها، جسمها كله كان بيتنفض. طلعت الموبايل وبعتت للرقم المجهول: “أنت مين؟ وعرفت منين؟ وفين خالد الحقيقي؟”
الرد جه في ثانية: “لو عايزة تتأكدي، بصي ورا ودنه الشمال.. لو ملقتيش الوحمة الصغيرة اللي كانت عنده، يبقى اهربي فورًا.”
سلمى خرجت والصدر بيعلو ويهبط، لقت “خالد” قاعد على الكنبة في الضلمة، مشغل التلفزيون على “شوشرة” وباصص للفراغ. قربت منه بخوف، وعملت نفسها بتعدل له اللياقة بتاعة القميص..ماياخالد
مفيش وحمة.
الجلد كان أملس تمامًا… خالد فجأة مسك إيدها بقوة، ولف وشه ليها ببطء. الابتسامة المرة دي مكنتش هادية، كانت واسعة بزيادة وشكلها مش بشري. قال بصوت غريب، أعمق من صوت خالد بكتير:
“كان لازم تسألي عن الوحمة من بدري يا سلمى.. بس مكنتش أعرف إن اللي باعتلك الرسالة “خالد” الحقيقي لسه عايش في القبو تحت!”
سلمى صرخت وهي بتشوف ملامح وشه بتبدأ “تسيح” وتتغير لملامح تانية خالص.. وفجأة، النور قطع في الشقة كلها، ومسمعتش غير صوت حد بيهمس في ودنها:
“أنا مش شبيهه.. أنا النسخة الأحسن منه.”
تفتكري سلمى هتعرف تهرب وتوصل لخالد الحقيقي اللي في القبو، ولا “الشبيه” هيسيطر على حياتها للأبد؟النور قطع، والسكون اللي ساد البيت كان ألعن من الصريخ. سلمى كانت حاسة بنَفَس بارد على رقبتها، وإيد “الشيء” اللي كان قاعد مكان خالد لسه ماسكة معصمها بقوة تخلي العضم يزيق.
”سيبني.. أنت مين؟ وعايز إيه؟” صرخت سلمى وهي بتخبط بإيدها التانية في الضلمة، لحد ما خبطت في فازة الإزاز اللي كانت على التربيزة جنبها. الإزاز اتكسر، وبدون تفكير، خدت قطعة منه وغرستها في الإيد اللي ماسكاها.
الشبيه مطلعش صوت وجع بشري، طلع صوت “فحيح” زي التعابين، وساب إيدها. سلمى مكدبتش خبر، جريت في الطرقة وهي بتنهج، ودموعها مغطية وشها. كانت حافظة البيت شبر شبر حتى في الضلمة. وصلت لباب المطبخ، ومنه للمخزن الصغير اللي في آخره “ترابيزة” قديمة بتغطي باب القبو.
وقفت ثانية تسمع.. مفيش صوت وراها. بدأت تزق الترابيزة بكل قوتها وهي بتدعي ربنا إن “خالد” الحقيقي يكون لسه حي. فتحت باب الخشب اللي في الأرض، ونزلت السلالم وهي بتولع كشاف الموبايل بإيد بتترعش.
تحت، الريحة كانت رطوبة وتراب. وفي ركن بعيد، شافت خيال مربوط في كرسي. قربت ببطء والكشاف مسلط على وشه.. كان خالد. بس وشه كان شاحب جدًا، وعينيه دبلانة، وأول ما شافها بدأ يهز راسه بهستيريا وهو مكمم.
شالت القماشة من على بقه، فأول كلمة قالها وهو بيلهث: “اهربي يا سلمى.. ده مش واحد بس.. دول كتير!”ماياخالد
سلمى وهي بتفك حباله سألته بذهول: “يعني إيه كتير؟ أنا شفت واحد فوق!”
خالد مسك إيدها وبص وراها ناحية السلم وقال بصوت مرعوب: “الرسالة اللي جاتلك.. أنا اللي بعتها من موبايل واحد فيهم وقع منه هنا.. هما بيتبدلوا معانا يا سلمى، بياخدوا ملامحنا وحياتنا عشان يعيشوا وسط الناس.. اللي فوق ده كان لسه بيتدرب على صوتي، لكن الباقيين.. الباقيين بره في الشارع!”
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جماعية فوق دماغهم.. مش خطوة شخص واحد، دي خطوات عشرات الأشخاص بيمشوا في الشقة بانتظام مرعب. وفجأة، باب القبو اللي فوق اتفتح، ونزل منه نور كشاف قوي عمى عينيهم.
وقفت “نسخة” تانية من سلمى على أول السلم، وبصت لسلمى الحقيقية بابتسامة باردة وقالت: “اتأخرتي في الفك يا حبيبتي.. دلوقتي دوري أنا أطلع أتعشى مع خالد.. والنسخة اللي فوق هتنزل تقعد معاكي هنا.”
سلمى وخالد ضموا بعض وهما شايفين “نفسهم” بينزلوا ليهم القبو بملامح خالية من أي رحمة، والباب الخشبي اتقفل عليهم، واتحطت فوقه الترابيزة التقيلة من تاني.. ومن اللحظة دي، مفيش حد في الدنيا هيعرف إن اللي خرجوا من البيت النهاردة الصبح.. مكنوش هما.سلمى وخالد قعدوا في الضلمة التامة، صوت أنفاسهم كان هو الحاجة الوحيدة اللي بتثبت إنهم لسه أحياء. خالد همس في ودنها وصوته بيترعش: “مش هينفع نسلم يا سلمى.. لو قفلوا علينا النهاردة، بكرة الصبح العالم كله هيصحى على نسخ مننا بتمشي وسط الناس.”
سلمى بدموعها اللي جفت من الرعب، بدأت تدور بالكشاف في زوايا القبو الضيق. “أكيد فيه مخرج، البيت ده قديم وأنا فاكرة جدي كان بيقول إن القبو له تهوية بتطل على المنور.”
بدأوا يحفروا بإيديهم ورا الكراسي القديمة والكراتين المركونة، والوقت بيعدي عليهم كأنه سنين. فجأة، سلمى حست بتيار هوا ساقع جاي من ورا دولاب خشب مكسور. “خالد! ساعدني هنا!”
زقوا الدولاب بكل قوتهم، وظهرت وراه فتحة حديد ضيقة، كانت هي دي الأمل الوحيد. خالد شال الشبكة الحديد بإيده اللي بتنزف، وبدأ يزق سلمى للأعلى. “اطلعي يا سلمى، المنور هيوديكي لسطح البيت اللي جنبه، روحي لأي حد.. استنجدي بأي حد!”
سلمى طلعت، وبمجرد ما خالد حصلها، بصوا من شباك المنور على شقتهم. المشهد كان يوقف الدم في العروق.. “النسخ” كانت واقفة في الصالة بانتظام مرعب، ووشوشهم كانت “ممسوحة” تماماً، كأنهم مستنيين أمر عشان يلبسوا ملامح جديدة.
خالد وسلمى قدروا ينطوا لسطح البيت اللي جنبهم، ومنه للشارع. الشارع كان هادي زيادة عن اللزوم، والبيوت نورها مطفي. جريوا على أقرب قسم شرطة، وسلمى بتصوت: “الحقونا! فيه ناس في بيتنا مش بني آدمين!”
الظابط بصلهم ببرود وهو بيعدل كاب الكتافة بتاعته، ملامحه كانت جامدة بزيادة. قام من ورا المكتب وقرب منهم، وسلمى لاحظت حاجة خلت قلبها يقف.. الظابط مكنش بيرمش تماماً، وعينيه كانت باهتة زي الزجاج.
الظابط ابتسم ابتسامة واسعة أوى، وقال بصوت آلي: “أهلاً يا خالد.. أهلاً يا سلمى.. كنا مستنيينكم تيجوا تسلموا نفسكم بدل التعب ده.”
سلمى بصت لخالد برعب، وبصت ورا ودان الظابط.. مفيش وحمة، مفيش تجاعيد، مفيش روح. بصت في الشارع، لقت العساكر كلهم واقفين بنفس الطريقة، والناس اللي ماشية في الشارع بتمشي بخطوات منتظمة زي الساعة.
خالد مسك إيد سلمى وبدأ يرجع لورا وهو بيهمس: “المدينة كلها اتبدلت يا سلمى.. مفيش فايدة.”ماياخالد.
في اللحظة دي، النور اللي في الشارع كله رعش وطفى، وفي وسط الضلمة، سمعوا آلاف الأصوات “الفحيح” بتخرج من كل بيت ومن كل محل، والظابط قرب منهم وهو بيقول: “متخافوش.. النسخ الجديدة بتاعتكم هتعيش أحسن منكم بكتير.”
النهاية


