شقة الزمالك

اقتحمتُ شقّةً قديمة في السيدة زينب… فوجدتُ فتاةً عمياء مربوطةً إلى كرسي.
لم يكن أسوأ ما في الأمر رؤيتها وحيدة…
بل سماعها تقول:
“هل عادت أمّي؟”
اسمي سالم.
ولم أكن رجلًا صالحًا تلك الليلة.
كان في جيبي سكين صدئة…
وجوعٌ قاسٍ ينهش معدتي منذ يومين.
بعد صلاة العشاء بقليل…
كانت الحارة شبه خالية.
ضوء مصباحٍ يتدلّى فوق باب بقالة مغلقة…
ورائحة زيتٍ محترق تتسلّل من نافذة بعيدة…
وصوت تلاوة خافتة يخرج من مذياعٍ قديم في الطابق العلوي.
رأيتُ باب الشقة مواربًا.
لا ضوء.
لا صوت تلفاز.
لا حركة.
بالنسبة لرجلٍ مثلي…
كان ذلك يبدو فرصة.
لكنّ الله ساقني إلى هناك لسببٍ آخر.
دفعتُ الباب ببطء ودخلت.
استقبلتني رائحة رطوبة خانقة…
ودخان سجائر قديم…
وهواء ثقيل يشبه الخوف.
كانت الأرض مغطاةً بألعاب أطفال مكسورة…
وفي الزاوية سجادة صلاة مهترئة…
وفوق ثلّاجة قديمة مصحف صغير تراكم عليه الغبار.
وفجأة…
سمعتُ صوتًا خافتًا خلفي:
— أرجوك… لا تأخذ بطّانيتي.
تجمّد الدم في عروقي.
رفعتُ ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت.
وهناك رأيتها.
طفلة نحيلة للغاية…
ترتدي فستانًا باهت اللون…
وعيناها مفتوحتان، لكنهما خاليتان من أي تركيز.
كان حبل رفيع ملتفًا حول معصمها الصغير…
كأنّ من قيّدها كان يخشى هروبها أكثر من خوفه على جوعها.
لم تكن تبكي.
وذلك ما أخافني أكثر.
الأطفال الذين ما زالوا يملكون أملًا… يبكون.
أمّا هي…
فبدت وكأنّ البكاء غادرها منذ زمن.
همستُ:
— ما اسمكِ؟
قالت بصوتٍ ضعيف:
— رحمة.
شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري.
— وهل أنتِ وحدكِ هنا؟
هزّت رأسها ببطء.
— قالت أمّي إنني إن التزمتُ الصمت…
فقد أحصل الليلة على سندويشة فول.
جفّ حلقي.
لقد دخلتُ لأسرق…
لكنني في تلك اللحظة شعرتُ أنّ اللص الحقيقي لم يكن أنا.
اقتربتُ منها بحذر.
رفعت وجهها نحوي فجأة وسألت:
— هل أنتِ المرأة الجديدة؟
— أيّ امرأة؟
ضمّت البطانية إلى صدرها المرتجف وقالت:
— التي جاءت أمس…
قالت إنّ الناس يدفعون أكثر للطفلة العمياء عند إشارات المسجد.
سقطت السكين من يدي داخل الحقيبة.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعرتُ بالخجل من نفسي.
سألتها:
— كم عمركِ؟
— سبع سنوات…
لكن أمّي تقول إنّ شكلي يبدو أصغر…
وذلك يجعل الناس يشفقون عليّ أكثر.
شعرتُ بالغثيان.
دخلتُ المطبخ بسرعة.
لم أجد سوى رغيفٍ يابس…
وعلبة فول باردة…
وكوب ماء علاه الغبار.

