شقة الزمالك

سخّنتُ الطعام على نارٍ هادئة.
كانت تشمّ الرائحة بصمت…
وكأنّها تحفظ الطعام من رائحته وحدها.
وعندما وضعتُ الطبق أمامها…
تحسّسته بأصابع مرتجفة…
ثم ابتسمت للمرّة الأولى.
— ما زال صالحًا…
الحمد لله.
وأكلت…
وكأنّها لم تتذوّق الطعام منذ أيام.
كنتُ أراقب كل لقمة تدخل فمها…
وأتذكّر نفسي طفلًا أنام تحت الجسور…
أسرق الخبز…
لأنّ أحدًا لم يسألني يومًا:
“هل أنت جائع يا بني؟”
وبعد دقائق…
أنهت الطعام كلّه.
ثم قالت فجأة:
— أنت لستَ شريرًا.
ضحكتُ بسخرية مريرة.
— أنتِ لا تعرفين عنّي شيئًا.
هزّت رأسها الصغيرة وقالت:
— بل أعرف…
الأشرار أصواتهم مخيفة.
لم أعرف لماذا…
لكنّ عينَيّ امتلأتا بالدموع.
مددتُ يدي لأفكّ الحبل…
لكنها ارتجفت فجأة.
— لا…
إذا عادت فستضربني بالحزام.
— مَن؟
خفضت صوتها حتى كاد يختفي:
— المرأة التي تخبر الناس أنّها أمّي.
وفجأة…
سمعنا صوت سيارة تتوقّف أمام المنزل.
ثم صوت باب يُغلق بعنف.
توقّفت رحمة عن التنفّس.
وهمست وهي ترتجف:
— إنّها هي…
أطفأتُ ضوء الهاتف فورًا.
وغرق المكان في ظلامٍ كامل.
وفي الخارج…
ارتفع أذان العشاء من المسجد القريب.
أمسكت الطفلة كُمّي بأصابع باردة وهمست:
— بالله عليك…
لا تتركني لها.
ثم بدأ القفل يدور ببطء.
حملتُها بسرعة…
وأخذت أبحث بعيني عن أيّ مخرج.
وفجأة…
رأيت ورقةً قديمة معلّقة خلف الباب الحديدي الصدئ.
كانت تحمل صورة رحمة.
وأسفل الصورة مباشرة…
عبارة كُتبت بحبرٍ أحمر داكن..
ما الذي رآه سالم في الورقة المعلّقة خلف الباب… حتى تغيّر وجهه فجأة وهو يحملها بين ذراعيه… الجزء الثاني
“تمّ دفع ثمنها كاملًا…
التسليم الجمعة بعد العشاء.”
تجمّدتُ مكاني.
بقيتُ أحدّق في الورقة المعلّقة خلف الباب الحديديّ الصدئ، بينما كانت أنفاسي تخرج ببطءٍ ثقيل كأنّ الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري.
الصورة نفسها.
وجه الطفلة نفسه.
الفستان الباهت نفسه.
لكنّ الكلمات المكتوبة بالحبر الأحمر…
لم تكن إعلانًا عن طفلة مفقودة.
بل شيئًا أكثر ظلامًا.
شيئًا جعل معدتي تنقبض بعنف.
“تمّ دفع ثمنها كاملًا.”
ثمن.
كانت تتحدّث عنها كبضاعة.
لا كطفلة.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت المفتاح داخل القفل.
هذه المرّة كان أوضح.
أقرب.
وأبطأ.
كأنّ مَن بالخارج لا يستعجل الدخول…
لأنّه واثق أنّ ما بالداخل لا يستطيع الهرب.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأنا أحمل الطفلة بين ذراعيّ.


