هوس الصقر مايا خالد
هوس الصقر بقلم مايا خالد
المكان برا ضلمة أوي يا ليلى.. وانتي بتخافي من الضلمة، مش كدة؟”
كانت الدنيا بتمطر رعد وبرق، والجو برد لدرجة تخلي العظم يترعش. قدام البوابة الحديد الضخمة بتاعة قصر “صقر المنشاوي” – اللي العالم كله بيخاف من مجرد ذكر اسمه – كان فيه سلة صغيرة ملفوفة ببطانية صوف قديمة.
صقر كان راجع من اجتماع متأخر، وعيونه الحادة لمحت الحركة الغريبة عند البوابة. نزل من عربيتة المصفحة ببروده المعتاد، شاور للحرس يتراجعوا، وقرب ببطء. كان متوقع قنبلة، رسالة تهديد، أو حتى فخ.. بس اللي لقاه كان طفلة مكملتش سنتين، عيونها واسعة وبتبصله ببراءة غريبة وسط المطر، وبدأت تضحك وترفع إيدها الصغيرة ناحية وشّه الخشن.
في اللحظة دي، “صقر” اللي قلبه ميعرفش الرحمة، سكت تماماً. شالها بين إيديه اللي متعودة على شيل السلاح، وحس بدقات قلبها الصغيرة وهي بتلزق في صدره. بص لرجالته وقال بلهجة مفيش فيها نقاش: “البنت دي مش هتخرج من القصر.. البنت دي بقت تخصني.”
مرت السنين، والقصر اللي كان عبارة عن حصن للمؤامرات والدم، بقى فيه ضحكة “ليلى”. صقر كبّرها على إيده، كان هو اللي بيختار لبسها، وأكلها، والناس اللي بتشوفهم. مع كل يوم بيعدي، ليلى كانت بتكبر وتتحول لقطعة من الجمال، ومع جمالها كان هوس صقر بيزيد.
مبقاش مجرد خوف أب على بنته، بقى هوس تملك مرعب. كان بيراقب نفسها، بيعد خطواتها، ولو شاف نظرة إعجاب من أي حد ليها، كان الشخص ده بيختفي من على وجه الأرض قبل ما الشمس تغيب. ليلى كبرت وهي شايفة صقر هو أمانها الوحيد، بس بدأت تحس بإن القفص اللي عايشة فيه، حتى لو كان من دهب، بدأ يضيق عليها.. وصقر مش ناوي يسيبها تطير أبداً.في ليلة من الليالي، “ليلى” كانت واقفة ورا باب مكتب صقر الكبير، كانت رايحة تطلب منه يوافق إنها تخرج مع زميلاتها في الجامعة – اللي هو أصلاً وافق بالعافية إنها تدوس عتبتها – بس وقفت مكانها لما سمعت صوته اللي اتحول لزئير مخيف.
بصت من فتحة الباب الصغيرة، وشافت “صقر” وهو ماسك واحد من رجاله من رقبته، وعيونه فيها نظرة غضب أول مرة تشوفها. صقر كان بيقول بصوت واطي ومرعب: “إنت كنت فاكر إني مش هعرف إنك بصيت لها في المرايا وإنت بتفتحلها باب العربية؟ ليلى دي ملكي أنا.. ملمسها، ضحكتها، حتى الهوا اللي بتتنفسه بتاعي! اللي يبص للي يخص صقر المنشاوي، عينيه ملهاش لازمة في جسمه.”
ليلى حطت إيدها على بوقها عشان متصرخش، ورجعت لورا وهي بتترعش. الشخص اللي كانت بتشوفه “الحامي” والسند، طلع وراه وش تاني مرعب، وش فيه هوس لدرجة إنه مستعد يمحي أي حد لمجرد نظرة عابرة.
فجأة، الباب اتفتح بهدوء، وصقر خرج. ملامحه اتغيرت في ثانية، الغضب اللي كان في عيونه اختفى وظهرت ابتسامة حنونة “مزيفة” وهو بيقرب منها. مسح على شعرها بإيده اللي كانت من ثواني بتخنق روح، وقال بصوت ناعم:
“واقفة ليه هنا يا ليلى؟ خفتي من صوتي؟ متخافيش يا روحي.. أنا عمري ما هأذيكي، أنا بس بحميكي من الوساخة اللي بره القصر ده.”
قرب منها أكتر لدرجة إنها حست بأنفاسه، وكمل وهو بيعدل خصلة من شعرها وراه ودنها: “إنتي عارفة إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا صح؟ وعارفة إن مفيش حد يقدر يحبك ولا يحافظ عليكي زيي؟ قوليلي يا ليلى.. إنتي مش محتاجة حد غيري، مش كدة؟”

