شقة الزمالك

شعرتُ بالمطواة داخل جيبي.

وثقلها بدا مختلفًا هذه المرّة.

ليس كسلاح.

بل كقرار.

ثم اقتربت المرأة خطوة أخرى وقالت:

— هل أخبرتك بما يحدث للأطفال الذين يأخذون أشياء لا تخصّهم؟

توقّفتُ عن التنفّس للحظة.

وخلفي…

كانت الطفلة ترتجف كعصفور مبتلّ.

قالت المرأة بصوتٍ منخفض:

— أعطني البنت… ولن تحدث مشكلة.

قبضتُ على يد الطفلة بقوّة أكبر.

ثم قلت ببطء:

— اسمها ليس رحمة.

ساد الصمت.

حتى المطر بدا وكأنّه خفّ فجأة.

ثم ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة باردة.

— يبدو أنّك قرأت الورقة.

— من هي ليان؟

اختفت الابتسامة تمامًا.

وفي تلك اللحظة فقط…

عرفتُ أنّني أصبت الهدف.

اقتربت المرأة خطوة أخرى.

ثم قالت:

— لا تتدخّل فيما لا يعنيك.

لكنّ الطفلة صرخت فجأة:

— لا تتركها تأخذني… بالله عليك!

ذلك الصوت…

ذلك الرعب الحقيقيّ في صوت طفلة صغيرة…

كان كافيًا لأفهم أنّه لم يعد هناك طريق للعودة.

لم أعد لصًّا يحاول النجاة.

بل رجل يقف بين طفلة والموت.

سمعتُ صفّارة شرطة بعيدة.

المرأة سمعتها أيضًا.

رأيتُ التوتّر يمرّ سريعًا في عينيها.

ثم قالت بسرعة:

— اسمع… أعطني البنت وخذ المال.

أخرجت رزمة نقود من حقيبتها.

كانت مبلّلة بالمطر.

— خذها كلّها.

نظرتُ إلى المال.

ثم إلى الطفلة.

وتذكّرتُ نفسي قبل سنوات طويلة…

حين باعني أبي مقابل ديونه.

نعم.

كان ذلك يحدث.

في الأحياء التي نشأنا فيها…

الجوع يجعل البشر يبيعون كل شيء.

حتى أبناءهم.

شعرتُ بالغثيان.

ثم بصقت قرب قدميها وقلت:

— لو متُّ جوعًا… لن أبيع طفلة.

تغيّرت ملامحها فورًا.

اختفى الهدوء من وجهها تمامًا.

وقالت بحدّة:

— إذًا ستموت بسببها.

وفي لحظة واحدة…

أخرجت سكينًا صغيرة من تحت عباءتها.

دفعتُ الطفلة خلفي بسرعة.

تراجعت وهي تبكي بصمت.

المطر كان يزداد غزارة.

والشارع شبه خالٍ.

لا أحد يريد التدخّل.

فهذه المدينة تعلّمت أن تنظر بعيدًا.

انقضّت المرأة نحوي فجأة.

تفاديتُ الضربة بصعوبة.

واصطدمت يدها بالحائط الحجريّ بقوّة.

صرخت غاضبة.

ثم عادت تهاجمني بعنف.

كانت تتحرّك كإنسانة يائسة.

كذئبة تخشى خسارة فريستها الأخيرة.

أمسكتُ معصمها بكلّ ما أملك من قوّة.

سقطت السكين من يدها وارتطمت بالأرض.

لكنّها لم تتوقّف.

بدأت تضربني بأظافرها وتصرخ:

— لن تأخذها منّي!
هي ملكي!

تجمّدتُ للحظة عند تلك الكلمة.

ملكي.

هكذا كانت تراها.

شيئًا يُباع ويُشترى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *