أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
​كانت الساعة تجاوزت العاشرة مساءً، وأضواء قاعة “الرويال” الفاخرة تنعكس ببريق أعمى على المرايا الكريستالية المعلقة في كل مكان. وسط زحام المدعوين من كبار العائلات ورجال الأعمال، كانت “ليلى” تقف أمام مرآة الجناح الخاص تفحص مظهرها بقلب يضطرب بشدة.
​الفستان لم يكن مجرد اختيار عابر؛ كان قطعة فنية جرئية بلون الليل الحالك، بتصميم يبرز تفاصيل قوامها بجرأة بالغة، وفتحة جانبية طويلة تكشف عن ساقها مع كل خطوة، وصدر مكشوف يتحدى كل القواعد. رتبت خصلات شعرها الأسود المنسدل على كتفيها، ثم التقطت أحمر شفاه قرمزي وزادت به جرعة التحدي على شفتيها.
​صوت عقلها كان يصرخ فيها بتحذير أخير:
​”إنتِ اتجننتي يا ليلى! نسيتي إنه ابن عمك؟ ده غيرته عليكي مرضية، وخصوصاً إنكم من نفس العيلة وكل العيون عليكم.. ده لو شافك بالفستان ده هتقومي قيامته ومش هتقعد!”
​لكنها نظرت لنفسها في المرآة بابتسامة متمردة، وردت بصوت همس داخلي:
​”خليه يولع.. تعبت من كونه فاكرني ملكية خاصة عشان إحنا ولاد عم وعايشين في نفس القصر. عاوزة أحسسهم إني مش دمية في إيده هو وعمامي، يحركوها وقت ما يعوزوا.”
​كانت تعرف تماماً طبيعة “سليم”. ابن عمها الذي تكفل بفرض سيطرته عليها منذ سنوات، رجل معروف عنه شدة التملك والغيرة العمياء داخل العيلة وخارجها، رجل لا يرى العالم إلا من خلال فكرة واحدة: “بنت عمي يعني عرضي.. وممنوع حتى الهوا يلمسها.” بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. فكرة أنها تتزين وتخرج لبيئة عامة فيها العيون تلاحقها لم تكن بالنسبة له مجرد خروج، بل كانت إعلانات حرب سافرة وتعدياً على هيبة العائلة واسمه.
​فتحت باب الجناح، وأخذت نفساً عميقاً لتملأ رئتيها، وبدأت تنزل درجات السلم المضيء ببطء، عارمة قلبها برغبة لا تشبع في رؤية وجهه وهو يفقد السيطرة لأول مرة أمام الجميع.

​مع أول خطوة وطئت بها أقدامها أرض القاعة، لاحظت كيف بدأت الهمسات تسري بين الحضور، وخصوصاً بين أفراد العيلة الذين عرفوها منذ الصباح كفتاة هادئة ومتحفظة. عيون الرجال كانت تتبعها بانبهار، بينما نساء العيلة رمقنها بنظرات مليئة بالذعر والتحذير. لكنها لم تهتم بأحد؛ كان كل همها أن تجد ذلك الوجه المألوف وسط زحام القاعة.
​ولم تأخذ وقتاً طويلاً.
​على الطرف الآخر من القاعة، بجانب الطاولة الرئيسية المخصصة لرجال العائلة وكبار الضيوف، كان يقف “سليم”. بدلة سوداء فاخرة مصممة خصيصاً له، قميص أبيض مفتوح الزر العلوي، وملامح حادة كأنها نحتت من صخر. كان يتحدث مع بعض وجهاء البلدة حين التفتت عيناه عرضاً نحو مدخل السلم.
​في تلك اللحظة… تجمد كل شيء.
​توقف الكلام على شفاهه، وباهت وميض النظرات في عينيه. تحولت ملامحه الهادئة تدريجياً إلى قناع مرعب من الجمود. تابع بعينين تشتعلان بشرارة داكنة كل تفصيلة في إطلالتها: بداية من الفستان الجريء، مروراً بساقها الظاهرة مع كل خطوة، وصولاً إلى تلك الابتسامة الاستفزازية المرسمة على شفتيها والتي كانت توجهها قصداً نحوه كبنت عم تتحدى بطش ابن عمها الكبير.
​اعتصر الكأس الزجاجي الذي في يده بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيض، وكأن الكأس على وشك التحطم بين أنامله. العروق بارزة بجانب جبينه، وأنفاسه أصبحت أثقل وأعمق. أومأ برأسه مقتضباً لمن حوله، وانصرف عنهم فوراً، قاطعاً المسافة بينهما بخطوات واسعة، بطيئة، ومدروسة بدقة… خطوات مفترس يشعر أن شرفه وكرامته يتم العبث بهما أمام الجميع.
​اقترب منها حتى أصبح على مسافة سنتيمترات معدودة، حجب عنها رؤية كل من حوله بظل جسده الطويل المهيب، وهمس بصوت منخفض، خشن، ويكاد يقطر سمّاً:
​”إنتِ شكلك نسيتي نفسك تماماً… ونسيتي إنتي تبقي مين، ومين اللي واقفه قدامه.”

​رفعت حاجبيها بتحدٍ مصطنع، محاولة إخفاء رجفة قلبها التي فضحتها أنفاسها المتسارعة، وردت بصوت منخفض يكاد يسامر الموسيقى:
​”ليه يا ابن عمي؟ ماله شكلي؟ مفكرتش يمكن إني حابة أغير.. ألبس على ذوقي شوية بعيد عن تحكماتك اللي لا تخلص ولا بتنتهي؟”
​لم تردها عباراته، بل امتدت يده كالملزمة الحديدية، وأحاطت بمعصمها بقوة ألمست عظامها، لكن من دون أن يترك مجالاً لأي اعتراض. جذبها من وسط القاعة وأعين أفراد العيلة والناس كلها تلاحقهما بنظرات مذهولة، متجاهلاً تماماً الهمسات التي علت خلفهما.
​عبر بهما الممرات الخلفية للقاعة بسرعة، وفتح باب الجناح الخاص بهما بقوة جعلته يرتطم بالحائط، ثم دفعها للداخل وأغلق الباب بمزلاج حديدي ثقيل وكأنه يعزلها عن العالم بأسره.
​استندت بظهرها إلى الجدار البارد، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة بينما اقترب منها بخطوات مفترس يضيق الخناق على ضحيته. وضع يديه الاثنين على الجدار من جانبي رأسها، محاصراً إياها تماماً، واقترب بوجهه حتى تداخلت أنفاسهما الساخنة.
​تكلم بصوت أشبه بفحيح الأفعى، ونظراته تخترق عينيها بلا رحمة:
​”ذوقك؟ ده مش ذوقك.. ده إعلان حرب عليا قدام العيلة كلها. كنتِ فاكرة لما تلبسي كده وتنزليني الأرض قدام الكل، الناس هتشوف إيه؟ هتشوف بنت عم سليم المنشاوي مباحة للكل؟”
​”أنا مش ممتلكات في عزبتك!” رفعت صوتها بغضب مزيف تحاول حماية كبريائها، لكنه قاطعها بصوت أرعب خلايا جسمها:
​”إنتِ لحمي ودمي، ومن عيلتي.. يعني ملكي أنا وبس، ومن رأسك لحد أطراف أصابِعك محفورة باسمي. ولما تتجرئي وتكسري كلمتي قدام الناس، يبقى لازم تتقبلي تمن الاستفزاز.”
​قبل أن تستوعب ما يقصده، مالت يده الأخرى لتمسك بذقنها وترفعه بقوة وثبات، وطبع على شفتيها قبلة قاسية، مسيطرة، ومليئة بغضب التملك العائلي والغيرة العمياء، كأنه يعيد وسمها بهويته ويخبرها بصمت بليغ: “أنتِ ابنة عمي، ولي وحدي، ولن تجرئي على فعلها مرة أخرى أبداً.”

​ابتعد عنها قليلاً، لكنه ترك يديه مستندتين على الجدار ليظل محاصراً لها تماماً. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بعنف من تأثير القبلة المفاجئة وحدّة الموقف، بينما كانت عيناه تمسحان وجهها بتفحص قاسي ومحذر.
​”المرة دي.. العقاب كان مجرد تذكير بسيط بمكانتك الحقيقية ومكانتي أنا كصاحب الكلمة عليكي”، قالها بصوت منخفض وخشن وهو يمرر أصابعه ببطء على خدينها المشتعلين بغضب مكتوم، “بس لو فكرتي تعيديها، أو تخرجي خطوة واحدة عن الطوق اللي رسّمته حواليكي كبنت عمي.. القسم هيبقى غير القسم، ووقتها مش هيهمني لا عيلة ولا قاعة مليانة ناس.”
​رفعت عينيها نحوه، وتجمعت دموع الغضب والاحتجاج في محجريها، لكنها أبت أن تذرفها أمامه:
​”انت فاكر نفسك مين؟ سجان؟ أنا مش وحدة من جاريات العيلة اللي بتتحكم فيهم على مزاجك! أنا بنت عمك ومش طوعك!”
​أظلمت عيناه أكثر، واقترب منها ببطء حتى شعرت بدفء جسده يغطيها بالكامل، وهمس بجوار أذنها بصوت أشبه بالرعد الهادئ:
​”إنتِ عارفة كويس أنا مين بالنسبة لك.. وإرادتك دي أنا اللي ساحبها من زمان. وبما إنك قررتي تستعرضي نفسك قدام عيون الكل الليلة، يبقى لازم تتحملي عواقب جنونك.”
​قبل أن تستوعب كلماته أو تدرك مقصده، التفت بخطوات سريعة نحو خزانة الملابس الكبيرة الموجودة في الجناح، وفتح أبوابها بعنف. ألقى نظرة سريعة على أزيائها، ثم التقط عباءة سوداء ثقيلة وطويلة، ورمى بها عليها لتغطي ذلك الفستان الجريء بالكامل من رأسها حتى أطراف قدميها.
​”البسي دي حالاً”، قالها بأمر عائلي قاطع لا يقبل النقاش، “الحفلة بالنسبة لك انتهت، ولمة العيلة دي مش هتسمع ليكي حس تاني الليلة. ودلوقتي.. هنرجع القصر، وهناك لينا كلام تاني خالص بعيد عن عيون الناس.”
​نظرت إلى العباءة ثم إليه، ووجدت في عينيه تصميماً حديدياً يجعل الجدال معه عبثاً ومحض انتحار. أدركت حينها أن محاولتها لاستفزاز ابن عمها انتهت بخسارتها لمعركتها، وأن قيد تمله أصبح أشد وأقسى من ذي قبل.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *