أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

وقفت أمام مرآة طاولة الزينة في الجناح، ناظرة إلى انعكاس ملامحها الشاحبة بعينين متورمتين من البكاء المكتوم. كانت أثار أصابعه لا تزال طبعة خفيفة على ذقنها، وشفاها تحمل وشماً صامتاً لسيطرة لم تترك لها مجالاً للمناورة. رمت نظرة أخيرة على العباءة السوداء الملقاة باهمال بجانب السرير، وكأنها تذكرها بنهاية ليلتها الطائشة.
فتح الباب بهدوء وخطا للداخل، حاملاً بيده صينية صغيرة عليها كأس ماء وبعض المهدئات. وضعها على الطاولة المجاورة بهدوء، ثم وقف خلفها مباشرة، ناظراً إليها من خلال انعكاس المرآة.
”بطلي تبصي لنفسك بالنظرة دي”، قال بصوت هادئ هذه المرة، لكنه يقطر إصراراً وثباتاً، “اللي حصل كان لازم يححصل عشان ترتاحي من الأفكار اللي بتراودك دي.”
استدارت لتواجهه، وقد استعادت جزءاً من كبريائها وعنادها، ورفعت عينيها لتلتقي بنظراته الحادة:
”افتكرت إنك لما تحبسني هنا هتكسرني يا سليم؟ تحسب إن إجبارك ده هيخليني أحبك أو أرضى باللي عملته؟ بالعكس.. إنت بتخلي أكرره وبكبر الكره اللي جوايا ليك!”
عقّدت ملامحه بصرامة مرعبة، ولم تبدُ عليه أي علامة غضب، بل خطا خطوة أخرى نحوها حتى أصبح محيطاً بها تماماً، ثم مد يده ليمسك خصلة من شعرها الأسود ويلفها ببطء حول إصبعه:
”أكرهيني زي ما إنتِ عاوزة.. اعتبريني سجانك، اعتبريني كابوسك الأسود اللي مش هتعرفي تهربي منه. طول ما إنتِ على اسمي، ومن دمي، ومحفورة في قلبي بالشكل ده.. مش هيهمني شعورك إيه نح ناحيتي، المهم عندي إحنا فين، وإنتِ مين.”
مد يده الأخرى ورفع ذقنها بحنو غريب يناقض قسوة كلماته:
”اشربي المية دي، وارتاحي. من بكره الصبح، حياتنا هترجع للمسار اللي حددته أنا، لا زيارات، لا خروج لوحدك، ولا فساتين تجيب وجع الراس.”
ابتعاد عنها ببطء، وتوجه نحو الشرفة الواسعة المطلة على حدائق القصر الواسعة، وأشعل سيجارته ناظراً إلى الظلام الدامس في الخارج، تاركاً إياها وحدها في منتصف الغرفة.
أما هي، فوقفت مكانها، تضطرب في داخلها مشاعر متناقضة وعنيفة؛ رغبة عارمة في تحطيم القيود، وخوف عميق من هذا الرجل الذي لا يعرف المستحيل حين يتعلق الأمر بها. أدركت تماماً أن معركتها لم تنتهِ، وأن ليالي الاستفزاز القادمة لن تزيد طوقه إلا إحكاماً، لكنها أقسمت في صمتها أن الهدوء لن يدوم طويلًا.


