أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​بمجرد أن وصلا إلى القصر الكبير الخاص بالعائلة، كان صمت المكان يعكس تماماً ثقل العاصفة المنتظرة. لم يكد سيارته الفارهة تتوقف أمام البوابة الكبيرة حتى فتح الباب بقوة، والتف ليفتح بابها قبل أن تحاول حتى التحرك.
​مد يده الخشنة وأمسك بمعصمها بقسوة، مانعاً إياها من التباطؤ، وسحبها خلفه بخطوات واسعة وقوية تعكس غليان الدماء في عروقه. عبر بهما البهو الواسع المظلم، صاعداً السلالم الرخامية الكبرى بخطى مهيبة نحو جناحه الخاص، مبتعداً عن أعين الحراس والخدم الذين آثروا الاختفاء فور رؤية نظراته المشتعلة.
​دفع باب الجناح بقدمه ليغلق خلفهما بارططام مدوٍ صدى في أرجاء الغرفة، وأغلق المزلاج الحديدي بإحكام شديد.
​التفت إليها فجأة، وكانت ملامحه تضج بغضب مكتوم يكاد ينفجر:
​”افتكرتِ لما نرجع القصر إن الموضوع خلص؟ دي لسه البداية يا ليلى.. لسه الحساب مابتداش!”
​نزعت الععباءة السوداء الثقيلة بغضب وألقت بها على الأرض، وواجهته بعيون تلمع بالتمرد غير القابل للكسر:
​”حساب على إيه؟! هو أنا عملت إيه لكل ده؟ لبست فستان! فستان عادي زي أي بنت في حفلة! إنت ليه مصر تحسسني إني سجينة في سجنك الخاص؟!”
​خطا نحوها خطوة واحدة كانت كفيلة بإخراس حروفها، وأقفل المسافة بينهما حتى أصبحت أنفاسه الحارة تلسع وجهها:
​”فستان عادي؟!” رفع صوته بنبرة حادة ومرعبة جعلتها ترتجف رغم تحديها الظاهري، “الفستان اللي كان كاشف نص جسمك قدام ولاد عمي والرجالة بره ده تفتكريه عادي؟ إنتِ بنت المنشاوي.. اسمك مربوط باسمي، وشرفك هو شرفي! لما تقرري تخرجي بالمنظر ده، إنتِ مش بتستعرضي نفسك، إنتِ بتهيني كرامتي قدام الكل!”
​”أنا مش مهتمة لا بكرامتك ولا بأساميكم العتيقة دي!” صرخت في وجهه وهي تدفع صدره بيديها الصغيرتين محاولة إبعاده، “أنا طهقت! طهقت من كونك شايفني ملكية مسجلة باسمك، طهقت من غيرتك اللي بقت خنقة، ومن تحكماتك اللي بتعاملني بيها كأني جارية في ملكك!”
​لم يتحمل أكثر من ذلك. اشتعلت النظرة في عينيه حتى تحولت إلى جمر حارق. وفي ومضة واحدة، التقط بيدي الاثنين ذراعيها وقربهما إلى جسده بقوة ألغت أي مسافة بينهما، وطبع على شفتيها قبلة ثانية؛ لم تكن كالأولى، بل كانت أقسى، وأعمق، وأكثر سيطرة، كأنه يفرض عليها الولاء والطاعة بدموعها واحتجاجها.

​شعرت بأنفاسها تخونها تحت وطأة هيمنته، وبأن مقاومتها تتهاوى تدريجياً أمام طوفان مشاعره المتناقضة بين الغضب العارم والرغبة المجنونة في امتلاكها وحدها. ضعفت يديها اللتان كانت تضرب صدره، وتحولت تدريجياً لترتاح على كتفيه، بينما استسلمت قسراً لسلطانه المطلق.
​ابتعد عنها ببطء شديد حين شعر باستسلامها، وكان صدره يعلو ويهبط بقوة، وعيناه لا تزالان تشتعلان بنيران الغيرة والحب المريض في آن واحد. مرر أصابعه بخشنة على شفتيها المتورمتين من قسوة قبلته، وهمس بصوت أشبه بالرجفة، حاد ولكنه يحمل عمقاً مرعباً:
​”اسمعي مني الكلمة دي، وافتكريها كويس عشان مش هكررها تاني… أنا ممكن أهدم الدنيا دي كلها، وممكن أقف قدام عيلتي والناس كلهم، بس مستحيل أسمحي لمخلوق على وجه الأرض إنه ياخد مني حاجة تخصني.. وخصوصاً إنتي.”
​نظر إلى عينيها الممتلئتين بالدموع المتمردة، وتابع بصوته الأجش:
​”إنتِ من لحظة ما اتولدتِ وأنا شايفك ملكي.. وعقابك الليلة ما هو إلا تذكرة صغيرة. من النهاردة، مفيش خروج إلا بإذني، ومفيش لبس إلا باللي أنا أختاره بنفسي.. فاهمة؟”
​ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة بالغة، وابتسمت بمرارة وسط دموعها، مدركة تماماً أن محاولاتها للهروب من قفص عمه وسلطانه ما هي إلا وهم، وأنها باتت أسيرة محكومة بقلب رجل لا يعرف سوى قانون التملك الأبدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *