أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

لم يكد ينهي عبارته حتى رن الهاتف المحمول الخاص به بحدة قاطعة للصمت الثقيل. التقط الجهاز بسرعة، وضغط على زر الرد، ليصدح من الطرف الآخر صوت خشن ومبهم يعلوه ضجيج خلفي غريب:
​”إذا كنت عاوز تشوف عمك حي، ومعاكم المستندات اللي بتدوروا عليها… النص ساعه الجاية تكون عند المستودع القديم على أطراف الميناء، ووحدك من غير أي حراسة أو بوليس. وإلا… البقية أنتم عارفينها.”
​انقطع الخط قبل أن يتمكن سليم من النطق بحرف واحد. تجمدت أسارير وجهه، وتحولت ملامحه إلى صخرة صلبة تعج بالبرود القاتل. رمى الهاتف على الطاولة بقوة كادت تحطم شاشته، وتغيرت طاقته بالكامل ليتحول في ومضة إلى مفترس مستعد لتمزيق أي شيء يقف في طريقه.
​التفت نحو ليلى التي كانت تتابعه بعينين متسعتين من الرعب والفزع، وقال بصوت حاسم لا يحتمل النقاش:
“المعركة بدأت على أرضهم… جهزي نفسك، إحنا رايحين للميناء.”
​لم تتردد ليلى لثانية واحدة. أومأت برأسها موافقة، وانسحبت بسرعة لتلتقط العباءة السوداء الثقيلة التي رماها عليها سابقاً، وارتدتها فوق فستانها لتخفي تفاصيلها تماماً. أدركت أن وقت العناد الطفولي قد انتهى بلا رجعة، وأن المواجهة الحقيقية قد بدأت وعليهم أن يواجهوا المجهول معاً، جنباً إلى جنب، غير آبهين بما تخبئه لهم ظلمة الميناء المهجور.
​خطا سليم نحو الخزانة، وأخرج مسدسه الثاني ليتفقد ذخيرته بعناية فائقة، ثم وضع السلاح بحرص داخل سترته السوداء. أخذ معطفه الثقيل وارتداه، ومد يده الأخرى ليمسك بمعصمها بقوة حازمة، هذه المرة لم تكن قبضة تملك وغضب، بل قبضة حماية وعهد بأن يخرجا من هذه الورطة أحياء أو لا يخرجا أبداً.
​خرجا من الجناح بخطى متسارعة، نازلين السلالم الرخامية وسط صمت الخدم والحراس المرعوبين الذين أفسحوا لهما الطريق في هلع. وفور وصولهما إلى الخارج، ركب سليم سيارته الفارهة وانطلق بها بسرعة جنونية تشق عتمة الطريق نحو أطراف الميناء، حيث ينتظرهم القدر المحتوم في قلب العاصفة.
شق الأطارات السوداء للسيارة الفارهة الأسفلت المبلل بصرير حاد، وانطلقت تخترق الطرقات المظلمة والمؤدية إلى أطراف الميناء القديم. كان الضباب الكثيف يلف المكان ككفن أبيض، وتنعكس أضواء الميناء البعيدة على زجاج السيارة الخارجي ببريق باهت يزيد من وحشة الأجواء.
​كان سليم يقود بتركيز تام، وعيناه مسمرتان على الطريق المظلم أمامه، بينما يده اليمنى تحكم قبضتها على عجلة القيادة والأخرى تتحسس مكان سلاحه بداخل سترته بحركة آلية واثقة. أما ليلى، فكانت تجلس إلى جانبه، تحبس أنفاسها وتراقب انعكاسات ضوء المصابيح وهي تتقاطع مع عتمة الليل، وقد تلاشت كل مخاوفها القديمة وحلت محلها شجاعة غريبة وصلابة لم تكن تتوقع أنها تمتلكها.
​قالت بصوت ثابت وخالٍ من أي رجفة:
“سليم… لو الخطة فشلت، أو كانوا مجهزين كمين لينا هناك؟”
​التفت إليها برهة، ولمحت في عينيه نظرة مزجت بين الصلابة ودفء خفي لم تعتد رؤيته منه، ورد بصوت حاسم:
“مفيش فشل، ولا فيه رجوع من غير عمي ومن غير ما ننهي اللعبة دي للأبد. أنا معاكي، ومفيش كائن على وش الأرض يقدر يلمسك طول ما أنا قدامك.”
​توقف قلبها للحظة أمام كلماته التي حملت طمأنينة طاغية وسط جحيم الليلة. وبعد دقائق معدودة، خفّض من سرعة السيارة وأطفأ أنوارها الأمامية، ليتسلل بحذر شديد بين المستودعات المهجورة والصدئة حتى توقف في زاوية معتمة بعيدة عن الأنظار.
​ترجل الاثنان من السيارة في صمت تام. الهواء البحري البارد كان يلفحهما بلسعاته الحادة، وصوت أمواج البحر وهي تضرب الصخور القريبة كان يمتزج بصوت أنفاسهما الثقيلة. أمامهما، كان المستودع القديم يرتفع ككتلة مظلمة ومخيفة، يتوسط بوابته الصدئة ضوء باهت ينبعث من مصباح مهترئ يترنح مع الريح.
​أشار لها سليم بيده أن تبقى خلفه، وتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة كالمفترس الذي يتربص بفريسته، بينما كانت ليلى تتبع خطواته بحذر وعينيها تفحصان كل زاوية مظلمة في المكان. وبإشارة سريعة منه، دفع باب المستودع الخشبي المتهالك برجله ليرتطم بالحائط بصوت مدوٍ اخترق سكون الليل، معلناً بداية المواجهة الأخيرة التي لا هوادة فيها.اندفع الضوء الباهت من داخل المستودع الواسع ليكشف عن مساحة مظلمة تعج بصناديق الشحن القديمة ورائحة الحديد الصدئ والرطوبة. في منتصف القاعة الواسعة، كان “عادل المنشاوي” مقيداً إلى كرسي خشبي بحبال سميكة، وبدت على وجهه آثار الإرهاق الشديد، بينما وقف رجلان ضخما البنية يحيطان به وبأيديهما أسلحة نارية موجهة نحو الباب.
​على بعد خطوات منهما، وقف “طارق”، ابن عم سليم الآخر وأحد أقاربهم المقربين، وبيديه حقيبة صغيرة، وابتسامة سخرية صفراء تزين شفتيه وهو يرى سليم وليلى يخطوان للداخل.
​قال طارق بصوت هجائي مختلط بالانتصار:
“أهلاً بسليم بيه.. وأخيراً نورتنا. كنت خايف إنك تختار حياتك وتتأخر، وتفوتك نهايتكم الاتنين.”
​توقف سليم مكانه، ولم تتحرك في وجهه أي عضلة تعكس الخوف؛ بل تحولت عيناه إلى جمرتين مشتعلتين بالرعب البارد. وضع ذراعه بحماية أمام ليلى ليشير لها بالبقاء خلفه، ثم قال بصوت هادئ ومخيف يقطع صدى المكان:
“لعبتك الخسيسة كشفتك يا طارق.. كنت فاكر إنك لما تخطف عمك وتستغل أوراق الشركة هتقدر تقعد على كرسي المنشاوي؟”
​ضحك طارق بصوت عالٍ تردد صداه بين جدران المستودع المهجور، وقال:
“الكرسي ده من حق الأقوى، ومبقاش مكان للضعفاء يا ابن عمي! ارمي السلاح اللي في إيدك، واقعد مكان عمك، وساعتها يمكن أفكر أسيب البنت دي تطلع سليمة من هنا!”
​لم يمنح سليم فرصة لطارق ليكمل عبارته. وبحركة خاطفة كالبرق، أخرج مسدسه من سترته وأطلق طلقة واحدة أصابت المصباح المعلق فوق رأس طارق مباشرة، فانطفأ الضوء وغرق المستودع في عتمة شبه كاملة تخللتها صرخات الفزع من الحراس.
​في وسط الفوضى، تحرك سليم بسرعة مهولة، واندفع نحو الحارس الأقرب، مسددًا له لكمة قاضية أسقطته أرضاً فاقداً للوعي، بينما انطلق الحارس الثاني ليوجه سلاحه نحوه. لكن ليلى، وفي لحظة شجاعة غير متوقعة، التقطت حديداً ثقيلاً من الأرض وألقته بقوة لتصطدم بيد الحارس، مما أدى لانحراف رصاصته واصطدامها بالسقف، ليتيح لسليم الفرصة للانقضاض عليه وطرحه أرضاً بضربة واحدة حاسمة.
​وفي ثوانٍ معدودة، أضاء سليم شاشة هاتفه ليضيء المكان، وتقدم بخطوات واسعة نحو طارق الذي كان يحاول رفع سلاحه بذعر. قبل أن يرتد طارق، كان سليم قد ركل السلاح بعيداً عن يده، وطبق على تلابيب سترته بقوة جعلت قدميه ترتفعان عن الأرض، وهمس بجوار أذنه بصوت يقطر موتاً:
“لعبتك انتهت يا طارق… وعقاب الخيانة على إيدي هيكون أسوأ بكتير مما تتخيل.”
ارتجف طارق تحت وطأة قبضة سليم الفولاذية، وبدت نظرات الرعب واضحة في عينيه رغم محاولته التظاهر بالقوة والثبات. حاول التكلم بصوت متحشرج ومتقطع:
“سليم… إحنا أهل… ومينفعش…”
​قاطعه سليم بصوت أشبه بفحيح الأفعى، ونظراته تخترق روحه بلا رحمة:
“وقت ما كنت بتبيع عرضك وبتخون العيلة عشان طماَعك، مكنتش بتفكر إننا أهل! والجزاء الحقيقي للي زيك مش الرصاص السريع، جزاؤك إنك تشوف بنفسك إمبراطورية المنشاوي بتدوسك وأنت حي.”
​بدون أن يمنحه فرصة أخرى للكلام، لكمه سليم بقوة أطاحت به أرضاً، ليفقد طارق وعيه تماماً وسط دماء خفيفة تسيل من جبينه.
​التفت سليم بسرعة، وتوجه بخطوات واسعة نحو عمه عادل الذي كان يلهث بشدة من تأثير الصدمة والتقييد. أخرج مطواة صغيرة من جيبه، وقطع الحبال السميكة التي كانت تكبل يدي وعمي وقدميه، ثم أضفاه ليقف على قدميه بمساعدة ليلى التي اقتربت منهم في تلك اللحظة وعلامات القلق والاطمئنان تتصارع على وجهها.
​قال عادل بصوت متعب ومرتجف وهو يربت على كتف سليم:
“أنقذت حياتي يا بني… مكنتش أعرف إن طارق وصل بيه الجشع للدرجة دي.”
​رد سليم ببرود وثبات، وهو يعيد ترتيب ملابسه:
“العدل جه في وقته يا عمي، وارتاح، صفحة الخيانة دي اتقفلت للأبد ومش هتتفتح تاني.”
​وفي الخارج، بدأت أصوات سيارات الشرطة تلوح في الأفق وتدق سكون الميناء المهجور بإضاءاتها الزرقاء والحمراء المتسارعة، بعد أن قام الحراس الأوفياء بتبليغ السلطات بناءً على أوامر سليم السرية مسبقاً.
​التفت سليم نحو ليلى، ومد يده بهدوء ليلمس خصلة من شعرها المبعثر، وابتسم بابتسامة خفيفة مزجت بين الانتصار والحنان الخفي:
“جه الوقت نرجع القصر يا ليلى… والعاصفة دي انتهت، ومعاها كل القيود القديمة.”
​نظرت إليه بعينين تلمعان بالرضا والتحدي الجديد، وأومأت برأسها في صمت، مدركة أن معركتهما معاً لم تعد صراع سجان ومسجون، بل أصبحت حكاية شجاعة لا تنكسر. ركب الجميع السيارة، وانطلقت بهم عائدة نحو القصر، لتطوي ليلة سوداء وتفتح باباً جديداً لمستقبل مختلف كلياً.
بعد بضعة أيام من ليلة الميناء العصيبة، عادت الحياة إلى قصر المنشاوي، لكنها عودة مختلفة تماماً عما كانت عليه من قبل. العاصفة التي هبّت واقتلعت الجذور الفاسدة من عائلة المنشاوي تركت خلفها هدوءاً عميقاً، وكأن الجدران العتيقة تنفست الصعداء بعد طول خنق.
​في الجناح الخاص، كانت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر زجاج النافذة لتداعب سكون الغرفة. وقفت ليلى أمام المرآة الكريستالية ذاتها التي شهدت يوماً صراعها المحتدم وتحديها الأعمى. ارتدت فستاناً هادئاً وبسيطاً بلون الورد الهادئ، بلا جُرأة أو تحدٍ مصطنع، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق جديد كلياً؛ بريق الحرية الحقيقية التي انتزعتها بذكائها وشجاعتها، لا تلك التي تمنحها رحمة الآخرين.
​فتح الباب بهدوء، وخطا “سليم” إلى الداخل. لم تكن في ملامحه تلك الشراسة أو البرود القاتل الذي اعتادته في بداية قصتهما، بل امتزجت حِدّته الطبيعية بسكينة واضحة، وكأنه أدرك أخيرًا أن الحراسة المشددة والقيود الحديدية لم تكن يوماً طريقاً للاحتفاظ بمن يحب.
​وقف خلفها مباشرة، ورمق انعكاسها في المرآة بنظرة مليئة بالدفء والتقدير، ثم مرر أصابعه برفق على كتفها وهمس بصوت هادئ وخامس:
“كنت خايف إن العالم اللي بره يكسرك يا ليلى… بس طلعتي أنتي القوة اللي حمت العيلة دي كلها.”
​استدارت لتواجهه، ورفعت ذقنها بابتسامة واثقة ومشاكسة تليق بها تماماً، وقفت أمامه بندية كاملة لا يكسرها خوف ولا يحدها طوق تملك:
“كنت مفكر إنك تقدر تحبسني في قفصك للأبد يا ابن عمي؟ نسيت إن الطيور اللي بتربحر في العاصفة مستحيل ترضى بالحبس تاني.”
​ابتسم سليم بابتسامة حقيقية، نادرة، وواسعة، أضاءت ملامحه الحادة، ثم مد يده ليحيط بخصرها ويجذبها نحوه برفق، محطماً آخر حاجز بين سيطرته القديمة وشراكتها الجديدة، وهمس بجوار أذنها:
“من اللحظة دي.. مفيش سجان ومسجون، مفيش قيود ولا أوامر. إحنا شركاء في كل حاجة.. لحد ما تنتهي الحكاية، ودي حاجة مؤكدة.”
​رفعت يديها لتستقر بهدوء على كتفيه، وأغمضت عينيها لحظة لتستمتع بدفء الأمان الذي طالما بحثت عنه، مدركة تماماً أن معركتها معه لم تنتهِ بالهزيمة، بل انتهت بانتصار قلبيقين… وتوقيع عهد أبدي لا ينكسر.رفعت عينيها نحوه، وتلاقت نظراتهما في صمت عميق يحمل كل معاني الاستقرار والسكينة بعد عاصفة طويلة من الصراع والتحدي. مالت برأسها قليلاً لتستقر على كتفه، وشعرت بأنفاسه الهادئة تلامس خصلات شعرها، كأنها طمأنينة أخيرة بأن كل الخوف الذي سكن جنبات القصر قد رحل بلا رجعة.
​ابتعد عنها قليلاً ببطء، وابتسامة دافئة تزين محياه، ثم مد يده ليمسك بكفها بحنو بالغ، وقال بصوت يفيض بالثبات:
“تعالي معي… في حاجة لازم تشوفيه.”
​سارت خلفه بخطوات هادئة وخفيفة حتى وصلا إلى الشرفة الواسعة المطلة على حدائق القصر الغنّاء، حيث كانت خيوط شمس الصباح الدافئة تضيء المكان، وتغسل أثار الظلام الذي عصف بهم طويلاً. وقفا جنباً إلى جنب، متكاتفين، يتأملان الأفق المفتوح بلا أسوار ولا قيود، متيقنين أن المستقبل بات ملكاً لهما وحدهما، وأن قصة “ليلى” و”سليم” قد خطت أسطرها الأخيرة كملحمة حقيقية للحب الذي ينتصر على كل العواصف والظنون.تنفست ليلى بعمق، مستنشقة هواء الصباح النقي الذي حمل معه رائحة الأرض المبللة والورود المزهرة، ثم التفتت إليه وعيناها تلمعان ببريق السعادة المستحقة، وقالت بصوت هادئ يملؤه اليقين:
​”تعرف يا سليم؟ يمكن العاصفة هي اللي عرفتنا قيمتنا الحقيقية، وخلتنا نفهم إن القوة مش في مين بيسيطر على التاني، بل في مين بيقدر يقف جنبه وقت الشدة.”
​ضغط على كفها الممسكة بيده بحرارة وأكد لها بصوته الهادئ:
​”وعشان كده، بوعدك إن باب القفص اتقفل للأبد، ومبقاش فيه غير باب واحد مفتوح قدامنا… باب المستقبل اللي هنبنيه سوا.”
​ظلا واقفين معاً، جنباً إلى جنب، يتأملان شروق الشمس الجديد الذي أضاء أركان القصر كله، معلناً بداية حياة حقيقية بلا قيود، وبحب ولد من رحم التحدي ليصنع حكاية لا تهزمها الأيام.وفي أسفل الحديقة، كانت أشجار النخيل الباسقة تتمايل ببطء مع نسمات الصباح الباردة، وكأنها ترقص طرباً لنهاية حقبة من الصراع وبداية عهد جديد يرفرف فيه الأمان على أرجاء القصر العتيق.
​أحاط خصرها بذراعه القوية، وقرّبها إليه أكثر لتمتزج نبضات قلبيهما في تناغم هادئ يروي قصة ألف ليلة من التحدي والانتصار. أغلقت ليلى عينيها برهة، مستسلمين معاً لدفء اللحظة وسكينة الأفق الممتد أمامهما، وهما يعلمان يقيناً أن الأيام القادمة لن تحمل سوى مزيد من السكينة والثبات، بعد أن أدرك كل منهما أن أجمل ما في العاصفة لم يكن هبوبها، بل الهدوء العظيم الذي تركته خلفها ليتوج قصة عشقهما الأبدي. بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *