أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

أطبق الصمت على الغرفة للحظات ثقيلة، ولم يعد يُسمع سوى أنفاسهما المتسارعة.
نهضت ليلى من فوق السرير بسرعة، وابتعدت عنه حتى اصطدم ظهرها بالحائط، وعيناها تقدحان غضبًا لا خوفًا هذه المرة.
قالت بصوت مبحوح، لكنه ثابت:
“لو فاكر إنك كل ما تضغط عليا أكتر هكسر… تبقى أول مرة في حياتك تغلط.”
ظل سليم واقفًا مكانه، يقبض على يديه بقوة حتى برزت عروق كفيه، ثم استدار مبتعدًا نحو النافذة. كان الغضب يشتعل داخله، لكنه أدرك أن كل خطوة يخطوها نحوها تزيد المسافة بينهما لا العكس.
قال دون أن يلتفت:
“كنتِ بتفتشي في أوراق تخص العيلة. دي مش لعبة يا ليلى.”
رفعت ذقنها بعناد.
“وأنا مش لعبة في إيدك.”
التفت إليها ببطء، وكانت نظراته حادة كالسيف.
“إيه اللي كنتِ بتدوري عليه؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“على الحقيقة… الحقيقة اللي الكل مخبيها.”
ساد الصمت من جديد.
تغيرت ملامحه للحظة، وكأن كلمتها أصابت شيئًا دفينًا داخله، لكنه أخفاه سريعًا خلف قناع الجمود.
اقترب من المكتب، وجمع الأوراق المبعثرة، ثم قال بنبرة هادئة على غير عادته:
“الملفات دي لو خرجت بره القصر… هتوقع ناس ملهاش ذنب.”
ردت بثقة:
“ولا يمكن تكون هتوقعك إنت.”
توقفت يده في الهواء.
للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت ليلى أنها أصابت نقطة ضعفه.
وفي اللحظة نفسها، دوى صوت إطلاق نار من خارج القصر.
تبادل الاثنان النظرات في صدمة، قبل أن يُفتح باب الجناح بعنف، واندفع أحد رجال الحراسة وهو يلهث:
” سليم بيه… البوابة الرئيسية اتهاجمت… وفي حد من العيلة اتخطف!”
تبدلت ملامح سليم في لحظة، واختفى غضبه تمامًا ليحل محله تركيز بارد.
التقط مسدسه من الدرج، واتجه نحو الباب، ثم توقف دون أن يلتفت إليها.
قال بصوت حاسم:
“اقفلي الباب من جوا… ومهما سمعتي، متفتحيش لحد.”
لكن ليلى لم تعد تفكر في الهرب فقط…
كانت تفكر في سؤال واحد:
من هو العدو الذي استطاع أن يهز عرش المنشاوي لأول مرة؟
لم يكد صوت باب الجناح يرتطم بإطاره خلف “سليم” حتى تحول صمت الغرفة إلى دوي مرعب لصدى الفوضى في الخارج. أشلاء صرخات بعيدة، أصوات ركض متلاحقة على السلالم، وقع أقدام الحراس وهم يتأهبون في البهو، وكلها دلائل قاطعة على أن حصن “المنشاوي” المنيع قد تعرض لاختراق حقيقي ومباشر.
وقفت “ليلى” مكانها مشدوهة، ودمائها تجمعت في رأسها. كل أفكار الانتقام والتمرد، وكل الرغبة في تحطيم قيود سجنها، تبخرت فجأة أمام هول المفاجأة. من تجرأ على مهاجمة عرين الأسد في عقر داره؟ ومن من أفراد العائلة سقط ضحية لهذه الحرب الخفية؟
ترددت لحظات قبل أن تتحرك بخطوات مترددة نحو الشرفة المطلة على البوابة الرئيسية للقصر. من خلف الزجاج المعتم، كانت أضواء كشافات السيارات العسكرية تقطع الظلام، بينما كانت عناصر الحراسة تتبادل إطلاق النار بحذر مع مجهولين تواروا خلف الأسوار الخارجية.
مرت ساعات الليل الثقيلة كأنها دهور. لم يعد “سليم” إلى الجناح طوال تلك الليلة. كانت الأنباء تتسرب بصعوبة بالغة عبر الخدم المذعورين: الهجوم لم يكن مجرد عملية سطو عادية، بل كان رسالة دموية موجهة خصيصاً لقلب العائلة. الشخص الذي تم اختطافه لم يكن سوى “عادل المنشاوي”، عم سليم وأحد أبرز أعمدة النفوذ التجاري للعائلة، ومعها أدركت ليلى أن الأوراق التي كانت تفتش فيها قبل قليل ربما لم تكن مجرد صفقات عادية، بل كانت خريطة طريق لجرائم وصراعات نفوذ طالما أخفاها الكبار تحت ستار العادات والتقاليد.
في الصباح التالي، كان القصر يغلي في صمت مطبق يشبه هدوء ما قبل العاصفة.
فتح باب الجناح بقوة، وظهر “سليم”. كانت بدلته متسخة ببعض الغبار، وشعره منكوش قليلاً، وعيناه مغلفتين بإرهاق وتعب شديدين يخفيان خلفهما غضباً أسود يكاد يحرق الحجر. لم يكن سليم الذي تعرفه؛ كان تبدو عليه سمات المحارب الجريح الذي أُصيب في مقتل بعد أن تم المساس بكرامة عائلته.
أغلق الباب ووقف يناظرها مطولاً دون أن ينطق بكلمة واحدة، وكأنه يفرغ فيها كل شحنات التوتر والاحتقان التي تراكمت طوال الليل.
تقدمت نحوه ببطء، وتلاشت من صوتها أي نبرة تحدٍ سابق، وحل مكانها قلق حقيقي لم تستطع إخفاءه:
“سليم… إيه اللي حصل؟ مين اللي اتخطف؟”
نظر إليها بعينين حادتين، وخطا نحوها خطوة بطيئة، ثم قال بصوت خشن ومبحوح بالكاد يسمع:
“عمي عادل… أخدوه. والرسالة وصلت واضحة: إما نتنازل عن الصفقات الأخيرة، وإما يرجع لنا جثة هامدة.”
ابترعت ليلى ريقها بصعوبة، وشعرت أن الهواء ينقطع عن صدرها. أدركت حينها أن “سليم” لم يكن يفرض عليها طوق الحماية عبثاً؛ كان يحاول جاهداً عزلها عن عالم ملوث بالدماء والمؤامرات لا يبقي ولا يذر.
مدت يدها بحذر شديد ووضعتها على كفه الباردة التي كانت تقبض على حافة الطاولة، وقالت بنبرة هادئة غير معتادة:
“الملفات اللي كنت بفتش فيها… هي السبب، صح؟ دي مش أوراق عادية، دي بتدين ناس تانين من جوه العيلة متآمرين ضدكم.”
نظر إلى يدها الممدودة على كفه لبرهة، ثم رفع عينيه لتستقر في عينيها مباشرة. لم تعد نظراته تحمل ذلك التملك القاسي المعتاد، بل حملت اعترافاً صامتاً وثقلاً لا يطاق.
”الناس اللي لعبتي معهم اللعبة دي أخطر مما تتخيلي يا ليلى”، قال بصوت أشبه بالهمس المتعب، “وأنا كنت بحاول أحميكي من عالم لو دخلتيه، مستحيل تقدري تطلعي منه سليمة.”
ساد صمت طويل بينهما، محمل بوزن الحقيقة المرة. سقطت كل الحواجز والقيود النفسية التي بنياها طوال الأسابيع الماضية في لحظة واحدة. أدركت ليلى أن معركتها معه لم تكن معركة سجان وضحية، بل كانت معركة شخصين يحاولان النجاة في معركة أكبر منهما بكثير.
رفعت رأسها وقالت بقرار حاسم لا يقبل التراجع:
“النهارده، مفيش سجان ومسجون يا سليم. عمك في خطر، وعيلتك كلها مستهدفة. الأوراق اللي في إيدي هي المفتاح الوحيد عشان نعرف مين الخائن الجوه.”
نظر إليها طويلاً، ولوحت على شفتيه ابتسامة مريرة ولكنها صادقة لأول مرة، ومد يده ليحيط بكتفيها ويقربها إليه بحماية لم تشعر بها من قبل:
“تمام يا ليلى… بس من اللحظة دي، إحنا في معركة واحدة، ولعبة التمرد خلصت وبدأت الجد.”



