أسيرة سليم بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

مرت الأيام التالية داخل أسوار القصر كأنها سنوات بطيئة وثقيلة. كان “سليم” قد نفذ وعيده بحرفيته؛ تحولت حياة “ليلى” إلى تشديد أمني داخلي خانق. لم تعد تخرج من حدود القصر إلا بصحبته وتحت ناظريه الحادتين، وكل تفصيلة تخص ملابسها وتحركاتها أصبحت تمر عبر تصريحات صارمة لا تقبل الجدال.
كانت تراه طوال تلك الأيام يتحرك بهدوء مرعب، يدير أمور العائلة ونفوذهم الواسع بثبات وتبرير دائم لكل قرار فرضه عليها، وكأنها لم تكن سوى جزء لا يتجزأ من ممتلكاته الشخصية التي يعيد ترتيبها على طاولته.
في إحدى الأمسيات، كانت تقف خلف زجاج نافذة غرفتها الكبيرة، تراقب المطر وهو ينهمر بغزارة ويغسل حدائق القصر الخارجية. فتح باب الغرفة بهدوء ودخل، ملقياً بمعطفه المبلل على أحد المقاعد، وعيناه مسمرتان عليها كمن يحفظ كل حركة تنبض بها.
اقترب منها بخطوات بطيئة، واضعاً يديه في جيبيه، وبنبرة خالية من أي مزحة قال:
”شايفك سرحانة كتير الأيام دي يا ليلى.. شكل العزلة هنا بدأت تأثر فيكي، ولا لسه بتفكري في أفكار طائشة زي اللي فاتت؟”
التفتت نحوه ببطء، وعيناها تحملان تحدياً صامتاً لم ينكسر رغم قسوة الحصار:
”العزلة مش هتكسرني يا سليم.. بالعكس، كل يوم بيعدي هنا وأنا محبوسة، بيكبر جوايا إصرار أكتر إني ألاقي الثغرة اللي أخرج منها من سجنك.”
ابتسم بابتسامة خفيفة، ساخرة، وخطا نحوها حتى بات وجهه قريباً منها تماماً، ومد يده ليمرر أصابعه ببطء على خصلة من شعرها المنسدل على كتفها، مردفاً بصوت منخفض أشبه بالهمس:
”دوري براحتك.. فتشي في كل زاوية، واكسري راسك في الحيطان لو حبيتي. بس تذكري دايماً.. القفص اللي إنتِ فيه مش مصموت عشان يضيعك، القفص ده محمي بأسوار ما يقدرش أي مخلوق يخترقها غيري.”
أمسكت بمعصمه الذي يداعب شعرها، وأبعدته بعنف مكتوم، ورفعت رأسها بتحدٍ أخير:
”الأيام بيننا يا ابن عمي.. وبكرة تشوف مين اللي هيقفل على مين.”
تركها ووقف متأملاً إصرارها بعينين تلمعان بإعجاب خفي محبوس خلف قضبان التملك المطلق، مدركاً أن النار التي تحاول إشعالها لن تحرق سواه فحسب، بل ستلتهم كل ما حولهما معاً في النهاية.
تجمّدت في مكانها، وعيناها معلقتان على عينيه اللتين تحولتا إلى هاوية داكنة لا مخرج منها. حاولت سحب يدها المرتجفة لتخفي الأوراق، لكن يده امتدت كالصاعقة لتطبق على معصمها وتمنعها من الحركة تماماً. بحركة خاطفة، جذبها نحوه بقوة جعلت أنفاسهما تتقاطع، وأخذ المستندات بيده الأخرى ليلقيها دون أن يرف له جفن على الطاولة القريبة.
”كنتِ فاكرة إنك ذكية، صح؟” همس بجوار أذنها بصوت خشن وبارد يقطر خطورة، “كنتِ فاكرة إنك لما توصلي للأوراق دي، هتعرفي تكسري سور المنشاوي؟ إنتِ لسه ما عرفتيش مين هو سليم.”
رفعت رأسها لتواجهه بعناد أعمى، غير مستعدة للاستسلام رغم ارتعاش جسدها الخفي:
”إنت سجان جبان! خايف مني ومن إني أتحرر منك، عشان كده حابسني ورا الأسوار دي كلها! لو كنت راجل بجد، كنت سيبتني أواجهك بندية مش بسلطة وسلاح!”
اشتعلت النظرة في عينيه حتى تحولت إلى جمر حارق، ولم يعد للهدوء المزعوم أي أثر. طوق خصرها بذراعه القوية وثبتها إليه تماماً، بينما التقطت يده الأخرى ذقنها بقسوة تامة، ليطبع على شفتيها قبلة عنيفة ومشتعلة أفرغت فيها كل طوفان الغضب والتملك الذي كبحه طويلاً. لم تكن مجرد قبلة، بل كانت إعلاناً دامغاً بأن كل محاولاتها للهروب ليست سوى عبث طفولي أمام هيمنته المطلقة.
حين ابتعد عنها قليلاً، كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تمسحان وجهها بتوعد مرعب:
”لعبتي اللعبة الخطيرة دي يا ليلى… وتحملي بقى عواقبها.”
قبل أن تستوعب ما يقصده، حملها بين ذراعيه دفعة واحدة متجاهلاً صرخاتها واحتجاجاتها المستميتة، وخطا بها نحو السرير الكبير ليلقيها عليه بقسوة محكومة، ويقف فوقها كظل معتم يغلق عليها كل نوافذ النجاة، مؤكداً لها أن طوق التملك قد أُحكم إلى الأبد ولن تفلت من قبضته أبداً.
مرت أسابيع أخرى بدت كأنها مرآة لركود يسبق الإعصار. ظلت “ليلى” أسيرة القصر وتحت طوق سيطرة “سليم” المحكم، لكن شيئاً في عمق روحها كان يتغير؛ لم تعد تكتفي بنظرات التمرد الصامت، بل تحولت أعماقها إلى ورشة عمل خفية لتدبير خطوة هادئة ومدروسة تزلزل بها كيانه المتربص.
في تلك الليلة، كان المطر قد توقف، وترك وراءه هواءً بارداً يداعب ستائر الجناح. كان سليم مشغولاً ببعض اجتماعات العمل الطارئة في مكتبه الطابقي السفلي، وهو ما منحها الفرصة النادرة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر.
تسللت بخطوات شبه معدومة الصوت نحو خزانة ملابسه القديمة المنسية في زاوية الغرفة الداخلية، حيث يحتفظ ببعض الأوراق والوثائق الخاصة بأملاك العائلة وصفقاتها التجارية؛ كانت تعلم يقيناً أن مفتاح حريتها الحقيقي لا يكمن في كسر الأبواب، بل في هز عرش نفوذه الذي يستند إليه في فرض سطوته عليها وعلى الجميع.
مدت يدها بخفة وفتحت الدرج السفلي المغلق بإحكام، لتلمس أصابعها جلداً بارداً لدفتر ملاحظات قديم وبعض المستندات الحساسة التي تخص تحركات العائلة المالية. وبينما كانت تقلب الأوراق بسرعة لتلتقط بعينيها أسماء وثغرات قاتلة، سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب من باب الجناح بخطوات ثقيلة ومألوفة.
تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها رعباً وهي تحاول إعادة كل شيء إلى مكانه بسرعة، لكن أوان الهروب كان قد فات.
انفتح الباب ببطء مرعب، وظهر “سليم” واقفاً على العتبة، وكتفاه يملآن المدخل بظل طويل. لم يكن يحمل في ملامحه أي غضب ظاهر، بل كان الهدوء الذي يكسو وجهه أشد رعباً من آلاف العواصف.
دخل بخطوات بطيئة، وأغلق الباب خلفه بهدوء شديد، بينما كانت عيناه تستقران مباشرة على الأوراق المبعثرة بين يديها.
”شكل العزلة مش بس بتخليكي تفكري يا ليلى…” قال بصوت هادئ، منخفض، ويكاد يلامس الأذن كسم زؤام، وهو يقترب منها خطوة بخطوة حتى باتت بين يديه، “… دي كمان بتخليكي تتجرئي على اللعب بالنار اللي هتحرقك وتحرق الأخضر واليابس معاكي.”
تجمّدت في مكانها، وعيناها معلقتان على عينيه اللتين تحولتا إلى هاوية داكنة لا مخرج منها. حاولت سحب يدها المرتجفة لتخفي الأوراق، لكن يده امتدت كالصاعقة لتطبق على معصمها وتمنعها من الحركة تماماً. بحركة خاطفة، جذبها نحوه بقوة جعلت أنفاسهما تتقاطع، وأخذ المستندات بيده الأخرى ليلقيها دون أن يرف له جفن على الطاولة القريبة.
”كنتِ فاكرة إنك ذكية، صح؟” همس بجوار أذنها بصوت خشن وبارد يقطر خطورة، “كنتِ فاكرة إنك لما توصلي للأوراق دي، هتعرفي تكسري سور المنشاوي؟ إنتِ لسه ما عرفتيش مين هو سليم.”
رفعت رأسها لتواجهه بعناد أعمى، غير مستعدة للاستسلام رغم ارتعاش جسدها الخفي:
”إنت سجان جبان! خايف مني ومن إني أتحرر منك، عشان كده حابسني ورا الأسوار دي كلها! لو كنت راجل بجد، كنت سيبتني أواجهك بندية مش بسلطة وسلاح!”
اشتعلت النظرة في عينيه حتى تحولت إلى جمر حارق، ولم يعد للهدوء المزعوم أي أثر. طوق خصرها بذراعه القوية وثبتها إليه تماماً، بينما التقطت يده الأخرى ذقنها بقسوة تامة، ليطبع على شفتيها قبلة عنيفة ومشتعلة أفرغت فيها كل طوفان الغضب والتملك الذي كبحه طويلاً. لم تكن مجرد قبلة، بل كانت إعلاناً دامغاً بأن كل محاولاتها للهروب ليست سوى عبث طفولي أمام هيمنته المطلقة.
حين ابتعد عنها قليلاً، كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه تمسحان وجهها بتوعد مرعب:
”لعبتي اللعبة الخطيرة دي يا ليلى… وتحملي بقى عواقبها.”
قبل أن تستوعب ما يقصده، حملها بين ذراعيه دفعة واحدة متجاهلاً صرخاتها واحتجاجاتها المستميتة، وخطا بها نحو السرير الكبير ليلقيها عليه بقسوة محكومة، ويقف فوقها كظل معتم يغلق عليها كل نوافذ النجاة، مؤكداً لها أن طوق التملك قد أُحكم إلى الأبد ولن تفلت من قبضته أبداً.



