ولادي من جوزي حكايات رولا

​أولاد جوزي بّصوا في عيني بكل بجاحة وقالوا لي: “أنتِ مش أمنا اللي ربتنا.. بلاش تعيشي الدور وتعملي فيها حنينة.”
​في اللحظة دي، قررت اختفي تماماً من حياتهم، سحبت نفسي من تفاصيلهم اليومية، وقفت كل المصاريف، ومبقتش أرد على مكالماتهم. ولما فاقوا وبدأوا يسألوا أنا رحت فين، أمهم الحقيقية كانت الوحيدة اللي فاهمة السبب كويس أوي.
​أنا اسمي كاريمان، وبقالي 12 سنة بّقوم بدور الأم في كل حاجة، من غير ما أخد حتى حق إني أسمع الكلمة دي.
​لما اتجوزت شريف، ولاده كانوا لسه عيال صغار؛ ليلى كان عندها 8 سنين وسنتها اللي قدام واقعة وشايلة شنطة مدرسة أكبر منها، ويوسف كان عنده 10 سنين، حاطط إيده في جيب السويت شيرت ومقفل وشه، ويبص لي كأني حرامي دخلت بيتهم غصب. أمهم رانيا كانت عايشة وقريبة منهم، بس مكنتش بتعمل حاجة غير إنها ترمي وعود في الهوا ومبتنفذش منها كلمة.
​وعشان كده، أنا اللي كنت دايماً بسد مكانها.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أنا اللي كنت بصحى الفجر أعمل لهم السندوتشات واللانش بوكس لما شريف ينزل شغله بدري. أنا اللي كنت بقعد في عز البرد على مدرجات النادي عشان أحضر تمارين الكورة بتاعة يوسف. أنا اللي حفظت مواعيد دوا الحساسية بتاع ليلى. أنا اللي كنت سايقة بيهم دايماً: للمدارس، لدكاترة السنان، لأعياد الميلاد، للمستشفيات في الطوارئ، وبعدين لتقديم الجامعات.
​لما ورشة المقاولات والديكور بتاعة شريف اتعثرت وكانت هتضيع مننا الشقة، طلعت فلوس تحويشتي كلها وسددت الأقساط عشان البيت ميتخربش. ولما رانيا كانت بتطنش مصاريف المدرسة، كنت بدفعها. ولما يوسف احتاج مدرس خصوصي يلحقه في ثانوية عامة، أنا اللي جبت ومولت. ولما ليلى حبت تدخل كورس رسم متخصص في اتيليه في الزمالك، دفعت لها مصاريفه وقلت لها: “أنتِ شاطرة وتستاهلي”.
​وعمري ما طلبت منهم يقولوا لي “يا ماما”.. كل اللي كنت محتاجاه هو شوية احترام عادي.
​بس كل ده انتهى في يوم جمعة على طرابيزة الغدا في بيتنا في التجمع الخامس.
​يوسف بقى عنده 22 سنة، متخرج وطول بعرض، ولسانه مبيطلعش غير دَبش. وليلى بقى عندها 20 سنة، بتتكلم بثقة وبرود يخلي كل كلمة طالعة منها كأنها رصاصة مترتبة. رانيا (أمهم) كانت قاعدة معاهم على الغدا، بتبتسم وهي بتبص في كاس العصير بتاعها. وشريف كان قاعد على رأس الطرابيزة بيقطع الفراخ المحشية، وعامل نفسه مش واخد باله من التوتر اللي مالي الأوضة. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​كل اللي عملته إني فكرت يوسف إن معاد قسط تأمين عربيته قرب، وإني محتاجة صورة رخصته الجديدة عشان أجدد له البوليصة.
​لقيته حط الشوكة والس*كينة هَبد على الطبق. وقال لي: “أنتِ مش محتاجة مني حاجة اصلاً”.
بربشت بعيني مستغربة: “أفندم؟”
ليلى ساندت ضهرها لورا وربعت إيدها: “أنتِ دايماً بتعملي كده.. بتعيشي الدور كأنك أمنا بجد”.
​الأوضة كلها سكتت.. السكوت بقا قاتل. وبصيت لشريف، فضل باصص في طبقه ومتحركش.
يوسف بوقه اتلوى بسخرية وقال: “أنتِ مش اللي ربتينا.. فبلاش تمثيل”.
​الجملة نزلت عليا زي الس*كينة.. مكانتش بزعيق ولا خناق، كانت طالعة ببرود يوجع.
لميت الفوطة بتاعتي وحطيتها جمب الطبق: “هو ده رأيكم انتوا الاتنين فعلاً؟”
ليلى هزت كتافها: “أنتِ كنتِ بتساعدي بابا.. ده موضوع تاني”.
ويوسف كمل: “أنتِ اللي اخترتي تعملي كده، إحنا مطلبناش منك حاجة”.
​شريف نطق أخيراً: “كاريمان، كبري دماغك ومتعمليش من الحبة قبة”.
​وقفت.. ولأول مرة من 12 سنة، مدافعتش عن نفسي، معيطتش، ومحايلت الصغار يفتكروا لي حاجة واحدة عدلة. طلعت فوق، لميت شنطة هدوم واحدة، وأخدت الفايل اللي فيه كل حساباتي وسجلاتي المالية، ومشيت من البيت قبل ما السفرة تِتلم.
​يوم السبت الصبح، كانت حسابات مصاريف الجامعة اتجمدت. تأمين عربية يوسف اتلغى. قسط كورس الرسم بتاع ليلى اتوقف قبل ما يسحبوا الفلوس. والفيزا المشتركة اللي كنت بدفع منها قفلتها تماماً.
​بعد 3 أيام، ليلى بعتت لي رسالة: أنتِ رحتِ فين؟
مردتش عليها. أمهم كانت عارفة كويس أنا رحت فين.
​الجزء الثاني: كشف الحساب
​رانيا كانت عارفة عشان أنا قلت لها الكلام ده من سنين؛ مش بزعيق ولا تهديد، الكلام ده حصل في يوم شتا بتمطر بره مدرسة ليلى وهي في إعدادي، لما رانيا اتأخرت عليها ساعة بحالها عشان تاخدها، ولقيت البنت قاعدة معايا في عربيتي بتعيط في كمها من الخوف. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​يومها رانيا خبطت على شباك العربية بضوافرها المتلونة ووشها المتضايق وقالت: “البنت دي دراما أوي ومأفورة”.
نزلت من العربية وقفت قدامها وقفلت الباب: “البنت فضلت واقفة بطولها لحد ما إداريين المدرسة قفلوا الأبواب ومشيوا”.
رانيا لوت بوزها: “وطبعاً جيتي أنتِ وعملتي فيها البطلة اللي أنقذت الموقف.. مبروك عليكي”.
​هو ده كان أسلوبها دايماً؛ تختفي لما يكون في مسؤولية ومصاريف، وتظهر بس لما يكون في لقطة وشو.. تنزل صور لقطات المدارس اللي أنا مرتباها، وتكتب على الفيسبوك “أمي الحبيبة الحنونة”، وهي في السر بتكلمني تقولي اِدفعي مصاريف تقويم السنان، ومعسكر الصيف، والدروس، ومصاريف بنزين عربية الولاد وطوارئ المستشفيات.
​يومها قلت لها بمنتهى الهدوء: “أنا مش بحاول أخد مكانك، بس أنا مش هفضل طول عمري الأساس اللي شايل برستيجك قدام الناس على الفاضي”.
ضحكت وقالت لي: “أرجوكي.. أنتِ بتموتي في دور الشغالة المسترجلة اللي الكل محتاجها”.
​أنا لسه فاكرة المطر وهو نازل على الإزاز، وشايفة ليلى وهي بتراقبنا من جوة وعاملة نفسها مش سامعة.
قلت لرانيا يومها: “هيجي يوم والعيال دول هيقرروا إني كنت ولا حاجة بالنسبة لهم.. ولو اليوم ده جه، أنا هقبل قرارهم ده بالملي. مفيش مليم هيتدفع تاني، مفيش توصيلة، مفيش إنقاذ في نص الليل. مفيش تمثيل إني من العيلة وقت الدفع، وغريبة وقت لَم الائتمان والشكر”.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ملامح رانيا اتغيرت للحظة.. فهمت كلامي، بس افتكرت إني عمري ما هقدر أنفذ. بس أنا نفذت.
​بعد ما سبت بيت شريف، حجزت في أوتيل صغير وصافي ع النيل في المعادي، نمت 14 ساعة متواصلة. ولما صحيت لقيت 6 مكالمات فائتة من شريف، و4 من ليلى، و2 من يوسف، وفويس نوت من رانيا.
صوت رانيا كان مشدود: “كاريمان.. الحركة دي ملهاش لزمة والعيال متضايقين، ارجعي بيتك واتكلمي زي الستات العاقلين”.
عملت للمسج ديليت.
​شريف جالي المكتب تاني يوم الضهر.. أنا بشتغل مديرة امتثال مالي في شركة أجهزة طبية كبيرة في المهندسين. جالي من غير معاد، ولابس الجاكيت البني بتاعه اللي بيلبسه دايماً لما يحب يبان غلبان ومكسور الجناح.
السكرتيرة كلمتني: “جوز حضرتك بره”.
كنت هصلح لها الكلمة، بس قلت لها: “دخليه أوضة الاجتماعات (ب)”.
​أول ما دخلت، شريف قام وقف بسرعة: “كاريمان.. الموضوع زاد عن حده أوي”.
قعدت قدامه ببرود: “بجد؟”
“دول عيال يا كاريمان!”
“دول كبار ومسؤولين يا شريف”.
“قالوا كلمة غبية وخلاص”.
“لأ، قالوا كلمة حقيقية وجواهم”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​جَز على سنانه: “أنتِ عارفة إنهم ميقصدوش.. تروحي تلغي تأمين عربية يوسف؟ وتوقفي مصاريف كورس البنت؟ ده قساوة قلب أوي منك”.
رديت: “لأ.. ده اسمه التزام بالحدود”.
شريف بص لي كأنه شايف ست تانية خالص.. يمكن فعلاً بقيت حد تاني، أو يمكن بطلت أكون “مفيدة” بس.
​قرب مني وقال: “ماتعاقبيش العيال عشان مشوشين”.
“أنا مش بعاقبهم.. أنا بحترم الخط اللي هم رسموه بإيديهم”.
“بس هم محتاجينك”.
“هم قالوا بلسانهم مش محتاجين”.
صوته وطي: “أنا اللي محتاجك”.
​الكلمة دي كانت هتهزني.. 12 سنة من العِشرة والتعود حركوا جوايا غريزة الأم الشقيانة؛ افتكرت الفواتير اللي مش مدفوعة، المواعين المتلتلة، قلق ليلى قبل الامتحانات، رعب يوسف لما عربيته تطلع صوت غريب.. وافتكرت شريف وهو قاعد على رأس الطرابيزة، تعبان ومديون، وبيوعدني إن كل حاجة هتتصلح.
بس افتكرت شكله برضه وهو قاعد ساكت يوم الجمعة، والعيال بيمسحوا تاريخي من البيت وهو باصص في طبقه.
​وقفت وقلت له: “أنت افتكرت إنك محتاجني بس لما لقيت إن احتياجك ليا أسهل بكتير من إنك تدافع عني وعن كرامتي”.
عينه دمعت: “تعالي معايا البيت”.
أخدت الفايل بتاعي وقلت له: “أنا رجعت بيتي فعلاً.. بس مش بيتك”.
​بالليل، يوسف كلمني من رقم غريب، رديت افتكرته عميل في الشغل.
صوته كان مخنوق: “كاريمان؟ التأمين بتاعي واقف والظابط وقفني في كمين وعمل لي حوار”.
غمضت عيني.
كمل بنبرة فيها عصبية: “أنتِ بجد هانت عليكي تعملي كده؟”
بصيت من شباك الأوتيل على أنوار القاهرة وقلت له: “أنت قلت لي إني مرجعتش ليك حاجة ولا ربيتك.. وأنا وقفت دفع مصاريف الراجل اللي ماليش أي يد في تربيته”.
​السكة سكتت ثواني.. وبعدين قال بمرارة: “ماما قالت لي إنك هتعملي كده”.
وهنا الحقيقة ظهرت كاملة من ورا الستارة. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الجزء الثالث: البيوت البيضاء لا تحمل ذكريات
​يوسف مقفلش السكة عليا علطول، فضلت سامعة صوت دوشة العربيات في تليفونه.. تخيلته واقِف ع المحور أو الدائري، رقبته ناشفة وكبريائه بيحارب خوفه. زمان كان أول ما يحصل معاه حاجة يكلمني أنا.. مش شريف ولا رانيا، يكلم كاريمان.
لما كان عنده 16 سنة وخبط العربية في عمود النور والباب اتعجن، كلمني وهو بيعيط قبل ما يطفي الموتور. لما سقط في أول امتحان كيمياء في الكلية، قعد على أرض المطبخ يعيط ويقول لي أنا خايف أطلع غبي. ولما صاحبته سابته قبل حفلة التخرج، لقيته قاعد على سلم البيت في نص الليل وعينه حمرا وبيقول لي الرطوبة هي اللي مدمعة عيني.
​بس دلوقتي صوته بقى ناشف وقاسي: “ماما قالت لي إنك دايماً بتذلينا بفلوسك وبتعدي علينا الجمايل”.
قعدت على طرف السرير: “أمك قالت حاجات كتير أوي يا يوسف”.
“قالت إنك بتدفعي عشان تسيطري علينا”.
ضحكت ضحكة تعبانة ومفهاش أي فرحة: “أنا كنت بدفع يا يوسف عشان الفواتير كان ميعادها بييجي ومفيش حد بيدفع”.
“وقالت إن بابا سابك تاخدي اللقطة وتتحكمي”.
“أبوك سابني أشيل الحمل اللي هو مكنش قادر يشيله لوحده”.
​سكت تاني.. كنت سامعة نفسه العالي، بس جواه شرخ الخوف بدأ يبان.
سألني: “هتدفعي التأمين وتخلصي الحوار ده ولا لأ؟”
“لأ”.
“يعني خلاص كده؟”
“للحظة دي.. اه، كلم أبوك أو كلم أمك”.
نفخ بضيق: “ماما معهاش الأرقام دي والفلوس دي اصلاً”.
“أمك كان قدامها 12 سنة بحالهم تحوش فيهم اللي أنا كنت بصرفه عليكم”.
وقفل السكة في وشي. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قعدت مستنية الإحساس بالذنب يموّتني زي زمان، بس الإحساس جالي المرة دي زي المطر الشديد اللي بره الشباك المقفول؛ شايفاه وسامعاه، بس مش مضطرة أفتح له الباب وأغرق فيه.
​تاني يوم الصبح قابلت أستاذة نهى، محامية أحوال شخصية شاطرة في مصر الجديدة. ست خمسينية، شعرها رمادي وقورة، وكلامها كله بالقانون ومفيهاش عاطفة زيادة. حطيت قدامها كشوف الحسابات، وصور تحويلات المصاريف، وشيكات المدارس والجامعات، وأقساط العربيات اللي دفعتها ليوسف وليلى من حسابي الشخصي.
​نهى بصت في الورق وقالت لي: “يعني حضرتك كنتِ بتصرفي على أولاد جوزك البالغين من حر مالك الخاص؟”
“أيوا”.
“والشقة؟”
“شريف شاريها من قبل الجواز، بس اتعمل لها إعادة تمويل وجدولة أقساط وأنا اللي شيلت الباقي وعملت التوضيبات”.
خبطت بالقلم على المكتب: “إحنا نقدر نرفع قضايا تسوية ومطالبة، بس إيه هدفك بالظبط؟”
بصيت للورق المترتب.. سنين عمري كانت متبورة في مشاكل ناس تانية، ولما شفتها مترتبة كده، في حاجة جوايا هديت.
قلت لها: “هدفي أخرج نضيفة.. مش عايزة انتقام ولا خناق، أنا عايزة اسمي يتشال من أي حاجة بتربطني بمصاريف البيت ده.. عايزة ق*ضية طلاق خلع أو طلاق للضرر ونخلص”.
​على آخر الأسبوع، شريف كان جاله إعلان المحكمة.
ويوم السبت، رانيا ظهرت لي في ريسيبشن الأوتيل.. غالباً شريف أو ليلى هم اللي قالوا لها مكاني. كانت حاطة نظارة شمس مأكّلة وشها كله رغم إن الجو كان مغيم وبتشتي.
​قالت لي بقرف: “إحنا محتاجين نتكلم”.
“لأ، مش محتاجين”.
بصت حواليها ووطت صوتها: “أنتِ بتفضحي العيال وبتذليهم”.
ابتسمت: “العيال ذلوني وهانوني على طرابيزة أكلي ووسط بيتي.. وأنتِ كنتِ قاعدة بتتفرجي ومبسوطة”.
قلعت النظارة، عينيها كانت حادة بس باين عليها التعب. رانيا عندها 46 سنة، أصغر مني بـ 3 سنين بس، قضت منهم 10 سنين مقتنعة إن المسؤولية دي اختراع للناس التانية مش ليها.
​وقالت: “العيال مشوشين ومصدومين”.
“لأ.. كانوا واعيين أوي وهم بيتكلموا”.
“أنتِ اللي كنتِ بتقلبيهم عليا طول السنين دي”.
المرة دي ضحكت بجد وبصوت عالي لدرجة إن راجل قاعد بيقرا الجورنال جمبنا رفع رأسه بص لنا. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وقلت لها: “يا رانيا.. أنا اللي كنت بسوق بيهم لحد شقتك لما يبقوا عايزين يشوفوكِ.. أنا اللي كنت بفكر شريف يعزمك في حفلات تخرجهم.. وأنا اللي كنت بنزل أشتري هدايا عيد الأم واكتب عليها أساميهم وادهالهم عشان يدهالك لما يكونوا زعلانين منك ومش طايقين يختاروا حاجة”.
​وشها حمر.. فكملت: “أنا حافظت على صورتك في حياتهم أكتر ما أنتِ حافظتي على شكلي قدامهم”.
قربت مني وقالت بغل: “مش من حقك تتخلي عنهم ودلوقتي بالذات”.
“أتخلى؟” كررت الكلمة.. “كلمة غريبة أوي لما تطلع منك أنتِ بالذات”.
بوزها اتلوى: “أنتِ فاكرة نفسك أحسن مني؟”
“لأ.. أنا بس استوعبت إني خلاص بطلت أكون السند والممول لناس بتنكر وجودي قدام الغريب والقريب”.
​هنا الوش الخشب بتاعها وقع.. شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
وقالت لي: “ليلى كورس الفنون بتاعها ميعاد دفعه يوم الإثنين.. لو مكانها ضاع البنت هتتدمر”.
قلت لها بشويش: “أهي ظهرت اهي.. المصاريف”.
رانيا بصت الناحية التانية.. كنت فاكرة اللحظة دي هتحسسني بالقوة، بس حسستني بالشفقة؛ ست قعدت سنين تفهم عيالها إني مجرد ضيفة وماليش لازمة، ودلوقتي جاية تترجاني أثبت لهم إني دايمة وموجودة عشان الفلوس.
وقلت لها: “البنت ليها أم وليها أب.. اتصرفوا مع بعض وشيلوا”.
قالت بقلة حيلة: “أنتِ عارفة إن شريف بيغرق”.
قلت لها: “أنا غرقت معاه 12 سنة ومحدش فيكم قال إن ده بحر ومية، غير لما سيبتكم ورفعت إيدي عنكم”.
عينيها لمعت بالدموع بس منشفتهاش كبرياءً: “هتندمي يا كاريمان”.
رديت وأنا ماشية للأسانسير: “أنا ندمانة فعلاً.. بس ندمانة إني فضلت عايشة معاكم لحد ما اتهنت بالشكل ده”.
​الجزء الرابع: أنا لست باردة.. أنا مكتفية
​بعدها المكالمات بدأت تقل.. مش عشان هم فهموا، عشان الواقع بره بقى صوته أعلى من اللوم. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
موضوع يوسف في الكمين طلع بمصاريف وغرامة محترمة، ومكنش عارف ياخد قرش من شريف لأن الفيزا اتقفلت. يوسف اضطر يشتغل شفتات زيادة في جيم النادي وباع نظام الصوت (الساوند سيستم) اللي كنت جايباه له في عيد ميلاده اللي فات عشان يسدد اللي عليه.
​وليلى الأتيليه بعت لها إنذار أخير.. رانيا كتبت بوست على الفيسبوك عن “الغدر والناس اللي بتذل بـ معروفها”، بس البوستات مبتدفعش فلوس في البنك. شريف حاول يقدم على نظام تقسيط مع الأتيليه فـ عرف إن الكريديت سكور (التقييم الائتماني) بتاعي أنا اللي كان بيمشي كل حاجة وبيمضي العقود بسهولة. ليلى رنت عليا مرتين يومها ومردتش.. سابت لي فويس نوت وهي بتعيط.
​صوتها كان يقطع القلب: “كاريمان.. أنا عارفة إنك زعلانة، بس الكورس ده مستقبلي كله وأنتِ عارفة أنا تعبت فيه إزاي.. أرجوكي بلاش تعملي فيا كده عشان خناقة على غدا”.
​عشان خناقة على غدا.
عدت الجملة دي في دماغي 3 مرات.
مش عشان 12 سنة شقا؟ مش عشان كل مجلس أمهات وآباء كنت بروح فيه؟ مش عشان كل ليلة كنت بقعد جمب سريرها وهي بتجيلها نوبات هلع وأعد معاها نفسها لحد ما تنام؟ مش عشان الصيف اللي بطلت تأكل فيه عشان زميلتها تريقت على جسمها وأنا اللي كنت بعمل لها العصاير وأمشي معاها لدكاترة العلاج النفسي؟ مش عشان أدوات الرسم اللي مالية دولاب مكتبي لأني كنت بشتريها لها بالجملة لما تيجى عليها عروض؟
كل ده بقى “خناقة على غدا”.
مسحت الفويس ونوت.
​بس بعد ما مسحتها عيطت.. عيطت بجد ومن قلبي، وحاطة إيدي على بوقي عشان حيطان الأوتيل كانت كرتون. البعد عن عيال أنتِ اللي مربياهم مش حاجة سهلة حتى لو بقوا طوب أرض وكبار؛ الموضوع بيوجع في تفاصيل وتعود الجسم.. الساعة 6 بالليل بكون مستنية أسأل هناكل إيه؟ الساعة 10 بالليل ببص في الفون استنى مكالمة “عايز توصيلة”، وفي نص الليل بقوم أتأكد هو باب الشقة مقفول في التجمع ولا لأ؟
​في الأول، الحرية كانت شبه العزا.. بتوجع ومأساوية.
​بعد أسبوعين، نقلت شقة إيجار أوضة وصالة في حتة هادية في مصر الجديدة.. حيطانها بيضاء، ليها بلكونة صغيرة، ومفيهاش أي ذكرى ليهم. اشتريت كنبة لونها أزرق (لأن رانيا كانت بتكره الأزرق). واشتريت طقم أطباق فيه 4 أطباق بس، لأني بطلت أأكل عيلة مسحتني من تاريخها. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​شريف جالي مرة واحدة تحت البيت.
كان باين عليه العجز.. دقنه طلعت ومبهدلة، وعينيه فيها نظرة الراجل اللي استوعب فجأة إن الست اللي كانت شايلة البيت على كتافها من غير صوت مشيت.
​سألني لما نزلت له: “أنتِ غيرتي قفل الشقة القديمة؟”
“أنا نقلت يا شريف.. والقفول بتتغير مع النقل الطبيعي”.
وشه اتقبض: “أنا مش جاي أتخانق”.
“أومال جاي ليه؟”
طلع جواب: “ليلى كتبت لك الجواب ده”.
ممدتش إيدي آخده.. فـ فضلت إيده معلقة في الهواء.
وقال لي: “البنت بتتوجع وتعبانة ومفتقداكي”.
قلت له: “لأ.. هي تائهة ومفتقدة الحاجات اللي كنت بعملها ليها”.
ملامحه اتغيرت بضيق: “أنتِ بقيتي قاسية كده ليه؟”
​الكلمة دي جت في مق*تل.. قاسية!
أنا كنت دافية وحنينة لحد ما اتحرقت ومبقاش مني غير الرماد. والستات الحنينة مطلوب منهم دايماً يتحرقوا في صمت وميطلعش منهم صوت.
قلت له: “أنا مش قاسية.. أنا بس بقيت محددة وبحب نفسي”.
شريف نزل إيده بالجواب وقال: “كان المفروض أتكلم وأرد عليهم يوم الجمعة”.
“اه فعلاً”.
“أنا اتجمدت في مكاني ومكتش عارف أقول إيه”.
“لأ يا شريف.. أنت متجمدتش، أنت اخترت”.
​بص في الأرض.. ودي كانت الحقيقة المرة؛ التجمد بيحصل في الخوف والخطر، وشريف مكنش في خطر.. هو بس مكنش عايز يبوّظ مزاجه وراحته، فاختار راحته وسكوته على حساب كرامتي وسمى ده قلة حيلة.
وقال: “كنت فاكر السكوت هيهدي النفوس”.
“كان بيهدي النفوس عندك أنت بس”.
عينيه دمعت: “أنا بحبك”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
“مصدقاك.. بس حبك بيطلب مني دايماً أكون أصغر من ذنبك وتقصيرك.. وأنا مأقدرش أعيش في المساحة الضيقة دي تاني”.
مسح وشه: “مفيش أي طريقة نرجع بيها؟”
“لأ”.
الكلمة طلعت ثابتة.. مش بقسوة ولا دراما، حقيقة وبس. هز رأسه ببطء كأن جسمه استوعب قبل قلبه، وحط الجواب على السور الصغير اللي جمبنا.
وقال: “أنا مش عارف هصلح العيلة دي إزاي من غيرك”.
بصيت له لآخر مرة وقلت: “عشان أنا كنت التصليح واللحام اللي شاددهم.. ودلوقتي خلاص”. ودخلت بيتي.
​الجزء الخامس: المكتوب بالرصاص
​فتحت جواب ليلى بالليل وأنا بشرب شاي على طرابيزة المطبخ؛ خطها هو هو الخط الواسع اللي كنت بمدحه وهي عندها 11 سنة.
​كاريمان،
أنا مش عارفة أبدأ إيجاز.. بابا قال لي لازم أعتذر لك، بس أنا مش عايزاكِ تفتكري إني بعتذر عشان الدنيا لفت بيا وبقت صعبة.
أنا كنت زعلانة منك.. وبقالي كتير زعلانة لأن كان أسهل لي بكتير أكون زعلانة منك بدل ما أواجه إني زعلانة من ماما. ماما سابت فراغ كبير وأنتِ جيتي مليتيه، وأنا كنت بكره إني محتاجة لك.. وبكره إني لما بتقع بيا حاجة بفتكرك أنتِ أول واحدة.
يوم الجمعة، لما يوسف قال الكلام ده، أنا حسيت بالقوة للحظة.. كأننا أخيراً بنختار ماما وبنصفّ بصفها. بس لما أنتِ مشيتي وكل حاجة اتلخبطت، عرفت إننا مكنش بنختارها هي.. إحنا كنا بنعاقبك أنتِ عشان كنتِ موجودة وصامدة في الوقت اللي هي مكانتش فيه. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أنا آسفة.
أنا مش مستنية منك حاجة وعارفة إني وجعتك، والآسف مبتصلحش المكسور.. بس أنتِ فعلاً ربيتي فيا حاجات كتير؛ أنا بفتكر صوتك في دماغي وأنا بحجز دكتور، وأنا بحسب قسط الكلية، وأنا برتب حاجتي. أنا بجد آسفة إني حسستك إنك مالكيش لازمة.
ليلى
​قعدت باصة للجواب كتير.. وبعدين طبقته وشيلته في الدرج. ومكلمتهاش.
في ناس فاكرة إن المسامحة معناها تفتح الباب تاني.. بس ساعات السمع والمسامحة معناها إنك تختار متسممش نفسك، وتفضل قفل الباب وقفل الترباس برضه.
​الشهور عدت.. والطلاق مشي في إجراءاته. شريف عافر في الأول وبعدين استسلم. أستاذة نهى خلصت كل حاجة بنضافة.. أنا اتنازلت عن شوية فلوس ومطالبات عشان أخلص بسرعة، بس حافظت على قرشي وتحويشتي وشيلت اسمي من أي حسابات تخص شريف وبيته.
​يوسف بعت لي إيميل في شهر 11؛ كان أقصر من جواب أخته بكتير:
​كاريمان،
أنا كنت غلطان.. قلت كلام قاسي عشان ماما كانت بتفهمني إنه حقيقي، وعشان كنت حابب أهرب من إحساس الذنب تجاهها. أنتِ ربتينا بجد.. يمكن مش لوحدك، بس أكتر بكتير من اللي أنا اعترفت بيه.. أنا آسف.
أنا مش طالب فلوس ولا حاجة.. أنا بس كنت محتاج أقول الكلمة دي.
يوسف
​رديت عليه بعدها بـ 3 أيام:
​شكراً إنك قلت كده.. بتمنالك تبني حياة ناجحة وسعيدة.
مردش بعدها، وأنا ارتحت.. مكنتش جاهزة للم شمل مبني على الندم؛ الندم وقتي وممكن يكون قوي، بس مش هو التغيير.. التغيير بيحصل في السكات وبالخطوات اللي محدش بيسقف لها.
​أول عيد عدى عليا لوحدي كان غريب.. صحيت الصبح بـ دافع التعود عشان أحضر الفطار وعزومة العيد، ولقيت الشقة هادية؛ مفيش صوت تلفزيون، مفيش ليلى بتسأل على التوابل فين، مفيش يوسف بيخطف حتة لحمة من المطبخ، ومفيش شريف بيبوس كتفي ويهرب من غسيل المواعين.
عملت قهوتي، وفتحت باب البلكونة ودخلت الهوا الساقع.
​وعملت غدا على قدي بالظبط: حتة سمك في الفرن، ورز، وسلطة. وقعدت أكلت على نوري الهادي والشموع منورة. بعدها نزلت مشيت في النادي وسط العائلات والزحمة والضحك.. كنت فاكرة إن الوحدة هتحسسني بالفشل، بس حسستني بنضافة وسلام.
​على الربيع، كنت عملت لنفسي سيستم؛ بنزل سوق الخضار الصبح، بروح يوجا وسط الأسبوع، ويوم الأحد بكلم أختي فريدة اللي قضت سنين تسألني “أنتِ مبسوطة يا كاريمان؟” وكنت بكذب عليها وأقول لها “اه تمام”. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​في يوم في شهر 4، شفت ليلى صدفة قدام مكتبة في وسط البلد.
هي اللي شافتني الأول.. شعرها كان مقصوص قصير، ولابسة بنطلون جينز عليه بقع ألوان وشايلة في إيدها كيس كتب. للحظة شفتها البنت الصغيرة أم 12 سنة اللي خايفة تكون عملت حاجة غلط.
​قالت لي: “كاريمان..”.
“أهلاً يا ليلى”.
وقفنا وسط زحمة الشارع والناس بتعدي من حوالينا.
قالت بسرعة: “أنا مش هطلب منك أي حاجة والله”.
“أنا عارفة ومفتكرتش كده”.
بلعت ريقها: “أنا دخلت كورس تاني أصغر.. وبشتغل بارت تايم في الجاليري عشان أسدد مصاريفه”.
قلت لها: “ده كويس أوي.. أنا فرحانة عشانك”.
عينيها دمعت: “أنتِ وحشاني أوي”.
​أهي الكلمة دي اللي كنت بتمناها زمان، الوقت اللي كان تمني الكلمة دي هيموتني فيه.
قلت لها: “وأنا كمان بتوحشني تفاصيل من الأيام دي”.
اتخضت شوية وهزت رأسها: “أنتِ بتكرهيني؟”
“لأ”.
“طب لسه بتحبيني؟”
السؤال كان فيه لؤم وأنانية صغار، بس العيال دايماً بيسألوا الأسئلة دي لما يعجزوا عن فهم الأمور الكبيرة.
بصيت في وشها.. وش الست اللي بدأت تتكون قدامي، والطفلة اللي لسه مستخبية جواها.
وقلت لها: “آه بحبك.. بس أنا بقيت بحب نفسي كمان يا ليلى”.
الدموع نزلت على وشها: “أنا مش عارفة أعمل إيه بالكلمة دي”.
“اتعلمي منها”.
لمست كتفها لمسة واحدة سريعة.. ومشيت قبل ما الحنين يضحك عليا ويلبس ثوب الخطة والرجوع.
​بعد سنة كاملة من العزومة دي.. الطلاق بقى رسمي وحكم المحكمة طلع.
اسمي رجع تاني في البطاقة كاريمان عبد الرحمن.. ورقة الطلاق جت في البوسطة يوم تلات؛ مفيش رعد ولا نهاية سينمائية، جواب أبيض وإمضاء رسمي بيقول إن حياتي بقت ملكي لوحدي تاني.
​بالليل قعدت في البلكونة وبصيت على الغروب وأنوار البيوف في مصر الجديدة.
شريف بعت لي رسالة أخيرة: أنا آسف إني سبتهم يمسحوكي من حياتنا.
بصيت في الشاشة شوية.. وبعدين كتبت له:
هم ممسحونيش.. هم بس فهموني وعلموني إني كنت مكتوبة عندهم بالرصاص.
بعت الرسالة، وعملت له بلوك، وشربت شايي في هدوء.
​أنا عمري ما هكون أمهم في الأوراق الرسمية، ولا في أعياد الأم، ولا في شجرة العيلة؛ أنا مش الست اللي خلفتهم، ولا الاسم اللي هيحاربوا عشانه قدام الناس.
بس أنا كنت هناك.. كنت موجودة وعملت كل حاجة.
أنا عارفاها، وهم عارفينها، ورانيا عارفاها أكتر منا كلنا.
ولما يسألوا أنا رحت فين.. الإجابة بسيطة أوي:
أنا رجعت للست اللي أنا سبتها وتخليت عنها زمان.. عشان أربي الباقيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *