شقة الزمالك

قد أعود إلى الزنزانة التي خرجتُ منها قبل عامين.
ظللتُ صامتًا للحظات.
ثم قلت بصوت منخفض:
— كنت سأسرقها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى صوت المطر بالخارج بدا أبعد فجأة.
الضابط ظلّ ينظر إليّ دون أيّ تعبير.
ثم قال بهدوء:
— لكنّك لم تفعل.
ضحكتُ بسخرية موجوعة.
— يبدو أنّني فشلت حتى في السرقة.
ولأول مرة منذ بداية التحقيق…
رأيته يبتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أغلق الملفّ أمامه.
— أحيانًا يفشل الإنسان في الشيء الخطأ… فينجو.
لم أعرف لماذا…
لكنّ الجملة ضربتني بقوّة.
بعد ساعة تقريبًا…
دخل ضابط آخر يحمل ملفًّا قديمًا.
وضعه فوق الطاولة.
ثم فتحه ببطء.
كانت هناك صور كثيرة.
رجل أنيق يحمل طفلة صغيرة ويضحك.
امرأة محجّبة تقبّل خدّها.
غرفة مليئة بالألعاب.
عيد ميلاد.
حديقة.
عائلة كاملة.
ثم قال الضابط:
— والدها طبيب معروف.
اختُطفت من أمام مركز تجاري قبل ثلاث سنوات.
شعرتُ بقبضة تعتصر قلبي.
ثلاث سنوات كاملة…
ثلاث سنوات وهي تُباع عند الإشارات وتُضرب وتُربط بالحبال.
بينما كانت عائلتها تبحث عنها في كل مكان.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
ثم سألت:
— وهل أمّها ما زالت حيّة؟
نظر الضابط إليّ مطولًا.
ثم قال:
— دخلت مصحّة نفسيّة بعد اختفائها بعام.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
تخيّلت أمًّا تستيقظ كل صباح على غياب ابنتها.
تأكل وهي تتخيّلها جائعة.
وتنام وهي تتخيّلها تبكي في مكان مظلم.
بينما كانت ليان حيّة طوال الوقت…
في شقة قذرة…
تنتظر سندويشة فول.
مسحتُ وجهي بيدي المرتجفتين.
وفجأة…
فُتح باب الغرفة بعنف.
التفتُّ بسرعة.
وكانت ليان تركض نحوي.
رمت نفسها في حضني فورًا.
وتشبّثت بي بقوّة.
قالت الشرطية خلفها باعتذار:
— رفضت أن تبقى بعيدًا عنه.
وضعتُ يدي فوق شعرها بصمت.
ثم سمعتها تهمس قرب أذني:
— أنت لن تتركني… أليس كذلك؟
أغمضتُ عينيّ.
كنت رجلًا بلا بيت.
بلا مال.
بلا مستقبل.
لكنّ تلك الطفلة…
وثقت بي أكثر من كلّ البشر الذين قابلتهم في حياتي.
قلت أخيرًا:
— لن أترككِ حتى تعودي إلى أمّكِ.
وقبل الفجر بقليل…
وصل والداها.
لن أنسى ذلك المشهد ما حييت.
دخل الأب أولًا.
رجل في الخمسين تقريبًا.
ملامحه مرهقة وكأنّه لم ينم منذ سنوات.
ثم دخلت الأم خلفه.
كانت ترتجف بالكامل.
وجهها شاحب.
وعيناها غارقتان في بكاء قديم لم يتوقّف أبدًا.
كانت تلهث وكأنّ قلبها سيتوقّف.
ثم نادت بصوت مكسور:



