زوجي منقول
مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي، وبينما كان ابناي يقفان بجواري يبكيان أمام المعزين، اهتز هاتفي بإشعار من رقم مجهول:
“أنا حي… لا تثقي بهما.”
تجمدت في مكاني.
ظننتها مزحة بشعة من شخص عديم الرحمة استغل يوم جنازته.
لكن بعد لحظات وصلت الرسالة الثانية مرفقة بصورة لمكتب زوجي، وجاء فيها:
“هناك أخفيت الوصية الحقيقية.”
اهتز الهاتف في يدي في اللحظة نفسها التي كان الشيخ يرفع فيها يديه بالدعاء الأخير قبل مغادرة المقبرة.
وقفت أمام قبر زوجي حسام، رفيق عمري لأكثر من ثلاثة وأربعين عامًا، بينما كان السواد يلفني من رأسي حتى قدمي، وكانت ساقاي ترتجفان تحت وطأة الصدمة والحزن.
أما ابناي، خالد وهيثم، فكانا يقفان على مقربة مني.
هادئين أكثر مما ينبغي.
متماسكين أكثر مما ينبغي.
وباردين أكثر مما ينبغي على رجلين دفنا والدهما منذ دقائق.
كانت الرسالة من رقم مجهول.
“أم خالد… لا تبكي على ذلك الجسد. لست أنا.”
شعرت بأن الهواء انحبس في صدري.
ورفعت بصري ببطء نحو القبر.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض تميد بي.
اضطررت إلى الإمساك بذراع امرأة كانت تقف بجانبي حتى لا أسقط.
وبأصابع مرتجفة كتبت:
“من أنت؟”
لم يمر سوى ثوانٍ قليلة حتى وصل الرد.
“أنا حسام. لا تثقي بابنينا.”
كاد الهاتف يفلت من بين يدي.
التفت خالد نحوي فورًا.
وقال:
ـ أمي… هل أنت بخير؟
أخفيت الهاتف سريعًا خلف عباءتي.
وقلت:
ـ نعم… مجرد دوار بسيط.
ابتسم لي.
لكنها لم تكن ابتسامة ابن يطمئن على أمه.
بل ابتسامة شخص يتأكد أن كل شيء يسير كما خُطط له.
اقترب هيثم بدوره وأمسك بذراعي.
ـ سنعود إلى المنزل الآن يا أمي. لا ينبغي أن تبقي وحدك.
لم يكن اقتراحًا.
بل أمرًا مغلفًا باللطف.
خلال مجلس العزاء، تعاقب الناس على مواساتي.
“رحمه الله.”
“أنت قوية يا أم خالد.”
“أبناؤك سيقفون إلى جانبك.”
كنت أومئ برأسي في صمت.
لكن عقلي لم يكن يسمع سوى جملة واحدة:
لا تثقي بابنينا.
بحسب ما أخبراني به، فقد توفي حسام إثر أزمة قلبية مفاجئة داخل مكتبه.
لم أكن موجودة وقتها.
كان خالد هو من اتصل بي قرابة منتصف الليل.
وقال بصوت متهدج:
ـ أمي… أبي توفي.
وعندما وصلت، كانت سيارة الإسعاف موجودة بالفعل.
وكانت معظم الأوراق قد وُقعت.
وكل الإجراءات قد بدأت.
بل إن ترتيبات الدفن بدت وكأنها أُعدت مسبقًا.
كل شيء حدث بسرعة غريبة.
أسرع مما ينبغي.
وأكثر ترتيبًا مما ينبغي.
والآن…
هناك من يرسل إلي رسائل ويزعم أنه حسام.
في تلك الليلة، وبعد انتهاء العزاء وعودة الجميع إلى منازلهم، عدت إلى بيتنا الكبير.
لكن المنزل لم يعد يبدو منزلي.
كان هادئًا بصورة مقلقة.
الإضاءة خافتة.
وصورة حسام ما زالت معلقة فوق المدفأة.
ونظارته ما زالت فوق الطاولة.
وكوب الشاي الذي شرب منه صباح الأمس ما زال في مكانه.
بقي خالد وهيثم لبعض الوقت.
يتنقلان بين الغرف.
يفتحان الأدراج.
ويجريان اتصالات متكررة.
ويتحدثان همسًا كلما ظنا أنني بعيدة.
وحين مررت قرب المطبخ دون أن يلاحظا وجودي، سمعت هيثم يقول:
ـ يجب أن ننهي الأمر قبل أن تبدأ بطرح الأسئلة.
فأجابه خالد:
ـ سأحضر الطبيب غدًا. مع عمرها وحالتها الحالية، لن يكون الأمر صعبًا.
شعرت ببرودة حادة تسري في أطرافي.
لم أفهم كل شيء.
لكنني فهمت ما يكفي لأشعر بالخوف.
خوف لم أشعر بمثله طوال حياتي.
وعندما غادرا أخيرًا، أغلقت باب المنزل بإحكام.
ثم صعدت الدرج ببطء.
واتجهت نحو مكتب حسام.
كان المكان غارقًا في الصمت.
تفوح منه رائحة الخشب القديم…
ورائحة عطره التي لم تختف بعد.
وما إن دخلت المكتب حتى اهتز هاتفي مرة أخرى.
كانت صورة.
صورة لمكتب حسام.
المكتب الخشبي العتيق المصنوع من خشب الجوز، ذلك الذي كان يحتفظ فيه بالعقود المهمة، وصكوك الملكية، ورسائله القديمة.
في الصورة ظهرت دائرة حمراء حول الزاوية السفلية من المكتب.
وتحتها رسالة قصيرة:
“اضغطي على الزاوية اليسرى. ولا تفتحي شيئًا أمامهما.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ركعت على الأرض ببطء.
ومدت يدي المرتجفة تتحسس الخشب.
مررت أصابعي على الحافة السفلية.
ثم ضغطت.
وفجأة…
صدر صوت خافت.
نقرة صغيرة.
وانفتح جزء مخفي من المكتب لم أكن أعلم بوجوده طوال سنوات زواجنا.
حدقت داخله.
لم أجد مالًا.
ولم أجد مجوهرات.
بل وجدت رسالة مطوية.
وذاكرة إلكترونية صغيرة.
وظرفًا أصفر كُتب عليه اسمي بخط حسام.
أمسكت الرسالة أولًا.
وما إن وقعت عيناي على السطر الأول حتى شعرت بأن قلبي يتوقف.
“إلى أم خالد…”
عرفت خطه فورًا.
ذلك الخط الذي كتب به مئات الرسائل طوال عمرنا.
ذلك الخط الذي كنت أستطيع تمييزه بين آلاف الخطوط.
وواصلت القراءة.
“إذا كنت تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنهم بدأوا بالفعل تنفيذ ما خططوا له.”
تجمد الدم في عروقي.
وأكملت.
“خالد وهيثم ليسا الرجلين اللذين تظنينهما. سمعت بنفسي أحاديث بينهما عن التأمينات والعقارات والأطباء. وسمعتهما يسألان كم من الوقت يحتاج القاضي ليعلن أنك غير مؤهلة لإدارة أموالك إذا رحلت أنا.”
وضعت يدي على فمي كي أمنع شهقة خرجت رغماً عني.
وأكملت القراءة.
“لا توقعي أي ورقة.”
“لا تتناولي أي طعام أو دواء يقدمانه لك.”
“ولا تصدقي الوصية التي سيعرضانها عليك.”
“الوصية الحقيقية مخبأة في المكان الوحيد الذي كنت أعلم أنك ستفكرين في البحث فيه.”
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوتًا قادمًا من خارج المنزل.
تجمدت في مكاني.
ثم أسرعت نحو النافذة.
وأبعدت الستارة قليلًا.
سيارة سوداء توقفت أمام البوابة.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
لقد عادا.
كان خالد ينزل من السيارة حاملًا أكياسًا من الطعام.
أما هيثم فكان يحمل علبة قهوة كبيرة.
لكن الشخص الثالث هو من جعل الدم يهرب من وجهي.
رجل يرتدي معطفًا طبيًا أبيض.
قبضت على الرسالة بقوة حتى كادت تتمزق بين أصابعي.
ثم دوى جرس الباب.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات.
وأعقبته صرخة خالد من الخارج:
ـ أمي! نحن هنا… أحضرنا لك العشاء.
لم أجب.
لم أتحرك.
لم أتنفس تقريبًا.
واهتز الهاتف مجددًا.
رسالة جديدة.
“لا تفتحي الباب.”
بقيت واقفة في مكاني.
في الأسفل بدأت الطرقات تزداد قوة.
وسمعت هيثم يقول بنبرة حادة:
ـ أمي… لا تجعلي الأمر صعبًا. الطبيب يريد فقط الاطمئنان على صحتك.
ثم جاء صوت خالد.
لكن نبرته هذه المرة لم تكن دافئة.
ولم تكن حنونة.
قال:
ـ افتحي الباب يا أم خالد.
ثم صمت لثوانٍ.
وأضاف بصوت أكثر قسوة:
ـ افتحي الباب.
شعرت بالخوف يزحف إلى داخلي.
أسرعت إلى غرفة النوم.
وفتحت الخزنة الصغيرة التي كان حسام يحتفظ بها.
وفي داخلها وجدت المس*دس المرخص الذي لم أره منذ سنوات.
لم أكن أعرف كيف أستخدمه.
لكن مجرد حمله منحني شجاعة لم أشعر بها منذ وفاة حسام.
وفجأة وصلت رسالة أخرى.
“اخرجي من باب الخدمة الخلفي.”
“السائق القديم ما زال وفيًا.”
اتسعت عيناي بدهشة.
السائق القديم؟
أبو ياسر؟
الرجل الذي عمل مع حسام أكثر من عشرين عامًا؟
الرجل الذي طرده خالد دون سبب واضح قبل شهرين؟
في تلك اللحظة سمعت ارتطامًا عنيفًا في الطابق السفلي.
ثم صوت زجاج يتحطم.
توقف قلبي.
لقد كسروا إحدى النوافذ.
ولم يعودوا ينتظرون إذني للدخول.
اجتزت المطبخ مسرعة.
وعلى الطاولة كان كوب الشاي الأخير الذي شربه حسام قبل وفاته ما يزال في مكانه.
وبجواره مباشرة شيء لم أنتبه إليه من قبل.
قارورة زجاجية صغيرة فارغة كانت مخبأة خلف وعاء السكر.
التقطتها بيدي.
ورفعتها إلى أنفي.
كانت تفوح منها رائحة مرة.
رائحة كيميائية غريبة.
رائحة تشبه الموت.
اهتز هاتفي.
رسالة جديدة.
“هل رأيتِ ما استخدموه؟”
غامت عيناي بالدموع.
وكتبت بسرعة:
“أين أنت؟”
هذه المرة تأخر الرد.
لكن خطوات ابنيّ كانت تقترب بالفعل من داخل المنزل.
سمعت هيثم يصيح:
ـ أمي! لا نريد إخافتك، لكنك لست في حالتك الطبيعية!
ركضت نحو باب الخدمة الخلفي وفتحته.
في الزقاق المظلم خلف المنزل كانت تقف سيارة قديمة مطفأة الأضواء.
أنزل السائق النافذة.
كان أبو ياسر.
قال بسرعة:
ـ اركبي يا أم خالد… أوصاني حسام أن آتي إذا حدث شيء.
شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدمي.
وسألته:
ـ هل تعرف أين زوجي؟
لكن أبا ياسر لم يجب.
بل نظر إلى خلفي.
استدرت.
فرأيت خالد يندفع إلى الحديقة الخلفية.
وما إن رآني حتى صاح:
ـ أمي… توقفي!
قفزت إلى داخل السيارة.
وانطلقت بنا مبتعدة عن المنزل.
وبينما كانت الأضواء تتلاشى خلفنا شيئًا فشيئًا…
اهتز هاتفي للمرة الأخيرة تلك الليلة.
نظرت إلى الشاشة.
كانت رسالة جديدة.
رسالة قصيرة جدًا.
ثلاث كلمات فقط.
“لا تسألي الآن.”
ظللت أحدق في الكلمات بصمت.
وأفكر في سؤال واحد فقط…
إذا كان حسام هو من يرسل هذه الرسائل…
فمن الذي دُفن في قبره ذلك الصباح؟1
“لا تسألي الآن.”
ظللت أحدق في الكلمات بصمت، بينما كانت السيارة تشق طريقها وسط الطريق، وقلبي يزداد ثقلًا مع كل دقيقة تمر.
ظننت أن الليلة انتهت عند هذا الحد.
لكن بعد دقائق قليلة، اهتز هاتفي من جديد.
كانت رسالة أطول هذه المرة.
فتحتها بيد مرتجفة، وما إن قرأت سطورها الأولى حتى شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي:
“إذا أردتِ أن تعرفي من كان في مكاني داخل القبر، اذهبي إلى المزرعة القديمة خارج الرياض، واسألي عن الابن الذي ظن خالد وهيثم أنه دُفن وهو رضيع.”
قرأت الرسالة ثلاث مرات داخل السيارة.
لم أفهم.
أو ربما لم أرد أن أفهم.
كان أبو ياسر يقود بصمت، دون أن يشغّل الراديو، ويداه ثابتتان على المقود. وخلفنا كان يبتعد بيت شمال الرياض، وأبنائي، والقبر، وثلاثة وأربعون عامًا من الزواج تحولت فجأة إلى سؤال مستحيل.
أبو ياسر…
همست:
ـ حسام حي؟
نظر السائق العجوز إليّ من المرآة.
ـ نعم يا أم خالد.
غطيت فمي بيدي.
خرج بكائي غريبًا.
لم يكن بكاء فرح فقط.
كان غضبًا، وخوفًا، وحبًا، وخذلانًا اختلطت كلها في صدري.
ـ والرجل الذي كان في القبر؟
تأخر أبو ياسر كثيرًا قبل أن يجيب.
ثم قال:
ـ هذا لازم يقوله لك هو بنفسه.
قدنا طوال الليل.
خرجنا من الرياض بينما كانت قطرات المطر الخفيفة تضرب الزجاج الأمامي. مررنا بالطرق الواسعة، والاستراحات المغلقة، والشاحنات التي تلمع أضواؤها الحمراء في العتمة، ومحطات البنزين التي ما زالت رائحة القهوة فيها معلقة بالهواء.
كنت أحمل في حقيبتي الرسالة، والذاكرة الإلكترونية، والعبوة الفارغة، ومس*دس حسام.
لم أشعر في حياتي أنني عجوز إلى هذا الحد.
ولا مستيقظة إلى هذا الحد.
مع بزوغ الفجر، ظهرت المزرعة القديمة خارج الرياض.
بسورها الطيني، ونخيلها العالي، وبابها الحديدي الذي بدا كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
لم تكن فخمة.
كانت بيتًا أبيض منخفضًا، تحيط به أشجار النخيل، وفي وسط الفناء بئر قديم ومجلس صغير.
وهناك كان حسام.
حيًا.
جالسًا على كرسي خشبي، بلحية نامية منذ أيام، وضماد على ذراعه، وعينين ممتلئتين بالذنب.
نزلت من السيارة وأنا لا أعرف هل أركض إليه أم أصفعه.
وقف ببطء.
ـ أم خالد.
صفعته.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية ليفهم أن المرأة لا تدفن زوجها أمام الناس من أجل خطة، ثم تحتضنه وكأن شيئًا لم يحدث.
ـ بكيت عليك أمام أبنائك.
قلت:
ـ بكيت عليك أمام الكفن.
أطرق رأسه.
ـ سامحيني.
ـ لا تبدأ بهذا الكلام. تكلم.
دخلنا إلى المطبخ.
جاءت امرأة من أهل المزرعة وقدمت قهوة عربية، لكن لا أحد لمسها.
وضع حسام ملفًا فوق الطاولة، وكانت يداه ترتجفان.
ـ خالد وهيثم كانا يريدان إعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك. جهزا طبيبًا يكتب أن الحزن أثّر على وعيك. كانوا يريدون السيطرة على حساباتك، وبيع البيت، وإظهار وصية مزورة.
شعرت بالغثيان.
ـ سمعتهم. وكانوا يضعون لي شيئًا في القهوة.
نظرت إلى العبوة الصغيرة في حقيبتي.
ـ بهذا؟
أومأ.
ـ جرعات بسيطة. مهدئات. تكفي حتى أبدو مشتتًا، متعبًا، غير قادر على التركيز. كانوا يقولون إنها السن. بدأت أشك عندما صار خالد يصر أن يحضر لي القهوة كل ليلة بنفسه.
تذكرت ابني وهو يدخل المكتب مبتسمًا.
“يبه، ارتاح. أنت تعبت كثير.”
احترقت عيناي.
ـ وفكرت أن تمثل موتك؟
تنهد حسام طويلًا.
ـ لم يكن هذا المخطط من البداية. كنت أنوي الخروج من البيت، ورفع بلاغ، وحمايتك. لكن حينها مات يوسف.
اخترقني الاسم.
يوسف.
لم أعرف أي يوسف يقصد.
لكن شيئًا في وجه حسام جعل الخوف يتسلل إلى صدري.
أطرق رأسه ببطء.
ثم قال:
ـ يوسف… ابننا.2
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
ـ ابننا؟
ـ الرضيع الذي قالوا لك إنه مات بعد يومين من ولادته.
ارتجفت يداي.
قالوا إنه وُلد ضعيفًا.
ثم أعطوني مهدئًا.
وحين استيقظت، كان حسام يبكي قرب سريري، وكانت أمه تقول إن الله يختار لعباده الخير.
أنا لم أرَ الج*ثمان.
فقط كفن أبيض صغير.
ـ لا…
أغمض حسام عينيه.
ـ يوسف لم يمت يومها.
وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي.
ـ ماذا قلت؟
ـ أمي سلّمته لغيرنا.
صار الهواء ثقيلًا كأنه سم.
ـ أمك؟
ـ قالت إن الطفل مريض، وإن حياتنا ستتحول إلى مستشفيات، وإنك لن تتحملي. كنت صغيرًا، خائفًا، ومكسورًا. صدقت موته لأنهم قالوا لي ذلك أيضًا.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
ـ قبل ثمانية أشهر، وجدني يوسف.
تمسكت بحافة الطاولة.
ـ عرفته منذ ثمانية أشهر ولم تخبرني؟
بكى حسام.
ـ طلب مني ألا أخبرك. ظل يعتقد طوال عمره أننا تخلينا عنه بإرادتنا. وحين عرف الحقيقة لم يستطع أن يسامح بسهولة. كان مريضًا، وغاضبًا، ومكسورًا. أقسم عليّ ألا أخبرك قبل أن يقرر بنفسه أن يراك.
ابتلعت الغصة في حلقي.
ـ ومع ذلك لم تخبرني.
ـ حاولت. أقسم أنني حاولت. كلما تحدثت معه عنك كان يؤجل الأمر. كان يقول إنه يحتاج إلى وقت. ثم بدأ قلبه يخذله أسرع مما توقع الأطباء.
شعرت أن جرحًا قديمًا انفتح داخلي.
لم يكن وجع أرملة.
كان وجع أم سُرق منها ابنها.
ـ كان من حقي أن أحتضنه.
ـ نعم.
ـ كان من حقي أن أسمع صوته.
ـ نعم.3
نعم.

