زوجي منقول

بل لأتذكر أن الحقيقة لا يجب أن تُدفن مرة أخرى.

وفي إحدى الليالي وجدت حسام جالسًا وحده في الحديقة.

كان يحدق في الظلام.

كأنه يحاكم نفسه.

قال دون أن ينظر إليّ:

ـ لا أستحق أن تبقي.

جلست على المقعد المقابل.

وليس بجانبه.

ثم قلت: لم أبقَ لأنك تستحق.. بقيت لأن ثلاثة وأربعين عامًا لا أستطيع دفنها كما دفنت كل شيء آخر.
لكن لا تظن أن بقائي يعني أنني سامحت.”
رفع رأسه نحوي.

وكانت عيناه ممتلئتين بشيء يشبه الهزيمة.

ـ يوسف كان يشبهك.

أجبت:

ـ أعرف.

ـ كان يجب أن آخذك إليه.

ـ نعم.

ـ وكان يجب أن أخبرك بالحقيقة منذ البداية.

ـ نعم.

سكت طويلًا.

ثم قال:

ـ هل ستسامحينني يومًا؟

نظرت إلى أضواء البيت الباردة خلف الأشجار.

وتذكرت قبرين.

قبرًا ظننته له.

وقبرًا اكتشفت متأخرة أنه لابني.

ثم قلت:
“ربما في اليوم الذي أتوقف فيه عن الاستيقاظ وأنا أدفنك مرتين.”

لم يقل شيئًا وقد أحسن.10
افتتحت مؤسسة يوسف أول عيادة متنقلة لها بعد عامين.

ذهبنا إلى قرى بعيدة، حيث كانت الأمهات ينتظرن طويلًا وهن يحملن أطفالهن.

رأيت طبيب قلب يفحص طفلًا صغيرًا بينما كانت أمه تتمتم بالدعاء.

أمسكت يدها.

وقلت:

ـ نحن هنا.

وللمرة الأولى منذ وفاة يوسف، شعرت أن شيئًا منه لم يمت بالكامل.

مات حسام فعلًا بعد خمس سنوات.

هذه المرة لم تكن هناك خطة.

ولا كفن.

ولا رسائل من أرقام مجهولة.

ولا أبناء يتظاهرون بالبكاء.

كان الموت بسيطًا وصادقًا على غير عادته.

ودعته بحزن نظيف.

ليس كاملًا.

لكنه نظيف.

وضعت وردة فوق قبره وقلت:

ـ هذه المرة أعرف أين أنت.

ثم ذهبت إلى قبر يوسف.

ووضعت وردة أخرى.

كنت أمًا لابن سُرق مني.

وزوجة لرجل أنقذني وجرحني في الوقت نفسه.

وناجية من ابنين حيّين تعلما متأخرًا أن الأم ليست توقيعًا مرتجفًا على ورقة.

اليوم أبلغ الثمانين.

وما زلت أعيش في بيتي.

وفي المكتب ما زال المكتب الخشبي في مكانه.

أما المخبأ السري…

فلم أعد أضع فيه وصايا.

أضع رسائل.

رسالة يوسف.

ورسالة من حسام يطلب فيها السماح.

ورسالة مني كتبتها لليوم الذي أغيب فيه.

تبدأ هكذا:

“إلى من يحاول أن يقرر عني حين لا أستطيع الكلام…

أم خالد لم تكن أرملة مرتبكة.

ولا أمًا سهلة المحو.

ولا امرأة مسنة تنتظر الإذن كي تعيش.”11
أحيانًا يهتز هاتفي في المساء.

فيمر البرد في جسدي.

وأعود بذاكرتي إلى تلك الجنازة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *