شقة الزمالك

تراجعت المرأة خطوة للخلف.
ثم حاولت الهرب فجأة.
لكنّ الشرطيّ الآخر أمسك بها وأسقطها أرضًا بعنف.
بدأت تصرخ وتسبّ وتقاوم كالمجنونة، بينما كانت الأمطار تضرب وجهها بقسوة.
أما ليان…
فدفنت وجهها في صدري كأنّها تحاول الاختباء داخلي.
بعد دقائق قليلة…
وصلت سيّارتا شرطة إضافيّتان.
وضجّ الشارع بالأصوات.
الجيران بدأوا يخرجون أخيرًا من النوافذ والأبواب.
كالعادة…
لا يظهر الناس إلّا بعد انتهاء الخطر.
سمعتُ امرأة عجوز تتمتم:
— يا ساتر…
كنا نظنّها ابنتها فعلًا.
وقال رجل آخر:
— البنت كانت تشحذ عند الجامع كل يوم.
كلّهم رأوها.
كلّهم مرّوا بجانبها.
ولا أحد سأل.
ولا أحد توقّف.
ولا أحد فكّر لماذا تبدو طفلة صغيرة مرعوبة دائمًا.
ذلك ما قتلني من الداخل.
ليس المرأة وحدها.
بل المدينة بأكملها.
مدينة تعلّمت كيف ترى الألم…
ثم تدير وجهها بعيدًا.
اقترب منّي ضابط أكبر سنًّا.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وعيناه تحملان تعب سنوات طويلة.
نظر إلى ليان طويلًا.
ثم قال:
— أنت من وجدها؟
أومأت بصمت.
— وكيف وصلت إليها؟
هنا فقط…
عاد الواقع يصفعني بقسوة.
أنا لص.
دخلتُ الشقة لأسرق.
لو قلت الحقيقة…
ربّما ينتهي بي الأمر في السجن.
شعرتُ بقلبى يخبط بعنف داخل صدري.
لكن قبل أن أجيب…
رفعت ليان رأسها نحوي فجأة.
ثم قالت وهي تبكي:
— هو أنقذني.
نظر الضابط إليها.
ثم إليّ.
وصمت طويلًا.
وأخيرًا قال:
— سنأخذ أقوال الجميع في القسم.
في القسم…
جلست ليان فوق كرسي صغير ملفوفة ببطانية رمادية.
كانت هناك شرطية تحاول تهدئتها بلطف، بينما بقيت الصغيرة ممسكة بطرف معطفي وكأنّها تخاف أن أختفي لو ابتعدت قليلًا.
أما أنا…
فجلست وحدي في غرفة ضيّقة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر.
مصباح أبيض قاسٍ فوق رأسي.
وطاولة معدنية قديمة أمامي.
كان الضابط يجلس مقابلي ويدوّن ملاحظاته بصمت.
— اسمك؟
— سالم.
— تعمل ماذا؟
ابتسمتُ بسخرية مريرة.
ماذا أقول؟
لص؟
عاطل؟
رجل ضاع من نفسه منذ سنوات؟
قلت أخيرًا:
— أيّ شيء يجعلني آكل.
رفع الضابط عينيه نحوي لحظة.
ثم عاد للكتابة.
— أين تسكن؟
— لا مكان ثابت.
توقّف قلمه هذه المرّة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
— وماذا كنت تفعل قرب تلك الشقّة؟
جفّ حلقي.
شعرتُ بأنفاسي تثقل.
هذه اللحظة التي كنت أخشاها.
لو كذبت…
ربّما يكتشفون الأمر لاحقًا.
ولو قلت الحقيقة…



