شقة الزمالك

دفعتُها بعيدًا بقوّة فسقطت فوق الأرض المبلّلة.
وفي اللحظة نفسها…
دوّى صوت صفّارة شرطة أقرب هذه المرّة.
التفتت المرأة بسرعة.
والرعب ظهر أخيرًا في عينيها.
أما أنا…
فكنت أتنفّس بصعوبة، بينما الطفلة تختبئ خلف ظهري وترتجف.
وفي آخر الشارع…
ظهرت أضواء سيارة الشرطة وسط المطر كأنّها تشقّ الظلام بسكينٍ بارد.
توقّفت السيارة عند أول الشارع، ونزل منها شرطيّان يركضان نحونا بسرعة، بينما كانت المرأة تحاول النهوض من فوق الأرض المبلّلة وهي تسبّ بعنف.
لكن قبل أن تهرب…
صرخت الطفلة فجأة بصوتٍ مرتجف:
— هي التي كانت تضربني!
توقّفت المرأة مكانها.
كان الرعب قد ظهر أخيرًا في عينيها.
اقترب أحد الشرطيّين منها بسرعة، بينما اتّجه الآخر نحوي.
نظر إليّ بريبة.
رجل مبلّل بالمطر.
ثيابه رثّة.
وجهه مليء بالخدوش.
ويحمل طفلة تبكي.
قال بحدّة:
— ماذا يحدث هنا؟
فتحتُ فمي…
لكنّ الطفلة سبقتني.
تشبّثت بمعطفي وهي تصرخ:
— لا تأخذوني معها!
أرجوكم… لا تعيدوني إليها!
ساد صمت ثقيل للحظة.
ثم ركع الشرطيّ أمامها ببطء.
وصوته تغيّر تمامًا:
— اهدئي يا صغيرة… لن يلمسكِ أحد.
لكنّها لم تتوقّف عن الارتجاف.
كانت تتنفّس بسرعة مرعبة، كأنّها تنتظر أن ينهال عليها الضرب في أيّ لحظة.
نظر الشرطيّ إليّ مجددًا.
— مَن هذه المرأة؟
وقبل أن أجيب…
صرخت المرأة بعصبيّة:
— هذه ابنتي!
ذلك الحقير خطفها من البيت!
الشرطيّ التفت نحوها فورًا.
ثم نظر إلى الطفلة.
— ما اسمكِ يا حبيبتي؟
ارتبكت الصغيرة.
شعرتُ بيدها تتشبّث بي أكثر.
كأنّ الاسم نفسه صار شيئًا تخافه.
ظلّت صامتة للحظات…
وفجأة تذكّرتُ الورقة التي رأيتها معلّقة خلف الباب الحديديّ داخل الشقّة.
الصورة نفسها…
وأسفلها اسم مكتوب بخط غير واضح ومشطوب عليه:
“ليان محمود الشاذلي.”
خرج الاسم من فمي دون تفكير:
— أظنّ أنّ اسمها… ليان محمود الشاذلي.
تجمّد الشرطيّ للحظة.
وكأنّ الاسم أيقظ شيئًا قديمًا في ذاكرته.
ثم نظر بسرعة إلى الطفلة.
— اسمك ليان؟
ارتجفت الصغيرة…
وبدت وكأنّها تحاول تذكّر شيء ضاع منها منذ زمن طويل.
ثم همست بصوتٍ ضعيف:
— أعتقد… نعم.
أخرج الشرطيّ جهاز اللاسلكي بسرعة وبدأ يردّد الاسم.
“ليان محمود الشاذلي.”
ثوانٍ فقط…
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
رفع رأسه نحو المرأة ببطء.
وقال بحدّة مفاجئة:
— هذه الطفلة مبلّغ عن اختفائها منذ ثلاث سنوات.


