شقة الزمالك

شعرتُ أنّني أنظر إلى نفسي القديمة.

طفل يُباع لأنّه لا يساوي شيئًا.

قلت أخيرًا بصوتٍ خافت:

— لأنّ الله لن يغفر لي إن تركتُكِ هناك.

صمتت قليلًا.

ثم قالت:

— كانت أمّي الحقيقيّة تقول الشيء نفسه.

تجمّدتُ مكاني.

انخفضتُ إلى مستواها ببطء.

— تتذكّرين أمّك الحقيقيّة؟

هزّت رأسها الصغيرة.

— قليلًا.

— ماذا تتذكّرين؟

أغمضت عينيها كأنّها تبحث داخل الظلام عن صورة قديمة.

ثم همست:

— رائحتها كانت تشبه الصابون.

شعرتُ بانقباضٍ مؤلم في صدري.

الأطفال عادةً يتذكّرون الوجوه.

أمّا هي…

فلم يبقَ لها سوى الرائحة.

أردفت:

— وكانت تقرأ لي القرآن قبل النوم.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

ثم سألت:

— وهل تتذكّرين كيف وصلتِ إلى تلك المرأة؟

ارتبكت.

بدأت أصابعها الصغيرة تتحرّك بتوتّر.

— لا أعرف…

ثم همست:

— أتذكّر رجلًا حملني.

— أيّ رجل؟

— كانت رائحته سجائر.

ثم وضعت يدها فوق عينيها.

— وبعدها… أصبح كل شيء مظلمًا.

شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.

اختُطفت.

هذه الطفلة اختُطفت فعلًا.

وفجأة…

دوّى صوت صراخ بعيد في آخر الشارع.

التفتُّ بسرعة.

وفي نهاية الطريق الضيّق…

كانت المرأة تظهر من بين المطر.

ترتدي عباءة سوداء.

تمشي ببطء.

وتبحث بعينيها في الوجوه.

حتى من بعيد…

استطعتُ رؤية القسوة في ملامحها.

وحين وقعت عيناها علينا…

ابتسمت.

ابتسامة باردة جعلت الدم يتجمّد في عروقي.

ثم بدأت تمشي نحونا.

اختبأت الطفلة خلف ظهري فورًا.

وشعرتُ بيدها تتمسّك بقميصي كأنّها تغرق.

المرأة اقتربت أكثر.

حتى صارت على بعد خطوات.

كانت رائحة السجائر الرخيصة تفوح منها.

وعيناها غارقتين في السواد.

نظرت إليّ طويلًا.

ثم قالت بهدوء مرعب:

— أحسنت.
وجدتَها أسرع ممّا توقعت.

قبضتُ على يد الطفلة بقوّة.

قلت بحدّة:

— ابتعدي عنها.

ضحكت المرأة ضحكة خافتة.

— ابتعد عنها؟
إنّها ابنتي.

صرخت الطفلة فورًا:

— كذّابة!

اختفت الابتسامة من وجه المرأة في لحظة.

وقالت بصوتٍ بارد:

— يبدو أنّك نسيتِ الضرب الأخير.

ثم نظرت إليّ مجددًا.

— اسمع يا أخ… هذه الطفلة مريضة وتهرب دائمًا. أعطني إيّاها وانصرف.

لكنّ الطفلة كانت ترتجف خلف ظهري وهي تبكي بصمت.

وهنا فقط…

فهمت الحقيقة كاملة.

هذه ليست أمًّا.

الأم لا يرتعب طفلها من صوتها هكذا.

الأم لا يختبئ منها طفل أعمى كأنّ الموت يطارده.

قالت المرأة ببرود:

— آخر مرّة أطلبها باحترام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *