شقة الزمالك

كانت أصابعها الصغيرة تتشبّث بقميصي بقوّة مؤلمة.
ثم همست قرب أذني بصوتٍ مرتجف:
— أرجوك… لا تدعها تأخذني.
شعرتُ بشيء ينفجر داخل صدري.
غضب.
خوف.
وذنب قديم لم أفهمه.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
صدر ارتطامٌ قويّ بالباب.
ثم صوت امرأة تصرخ بعنف:
— افتحي يا بنت الكلب… أعرف أنّك مستيقظة!
ارتجفت الطفلة بالكامل.
دفنت وجهها في صدري فورًا.
وشعرتُ بأنفاسها الساخنة المرتبكة تخترق جلدي.
نظرتُ حولي بسرعة.
الشقّة ضيّقة.
النوافذ محكمة بقضبان حديديّة قديمة.
ولا يوجد مخرج سوى نافذة صغيرة في المطبخ.
اندفعتُ نحوها بسرعة.
وخلفي…
بدأ الباب يهتزّ بعنف.
كانت المرأة تدفعه بجنون.
— افتحي قبل أن أخلع الباب فوق رأسك!
وصلتُ إلى المطبخ.
دفعتُ النافذة بقوّة.
صرخت المفاصل الصدئة بصوتٍ حادّ.
وفي الخارج…
كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة.
زقاق ضيّق غارق في الظلام.
رائحة صرفٍ قديم.
وقطط تبحث في أكوام القمامة.
لكنّه كان أفضل من البقاء هنا.
رفعتُ الطفلة أوّلًا عبر النافذة.
ثم قفزتُ خلفها بسرعة.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت تحطّم الباب الرئيسيّ.
تجمّدت الطفلة بين ذراعيّ.
ودوّى صوت المرأة داخل الشقّة:
— رحمة!
ثم صمتت لحظة.
وأردفت بصوتٍ أخفض وأكثر رعبًا:
— أعرف أنّ هناك أحدًا هنا.
حبستُ أنفاسي.
المطر كان يهطل فوق رؤوسنا بقوّة، يضرب الأرض القديمة كطبول حرب.
أخذتُ الطفلة وبدأتُ أسير وسط الزقاق بسرعة.
كانت قدماي تغوصان في الماء والطين، بينما تعلّقت الصغيرة بعنقي بصمت.
بعد خطوات قليلة…
همست:
— ستجدنا.
— لن تجدنا.
— دائمًا تجدني.
كان في صوتها يقين مرعب.
يقين طفلة تعلّمت أنّ النجاة لا تدوم.
خرجتُ من الزقاق أخيرًا إلى شارع أوسع قليلًا.
المدينة بدت باردة على غير عادتها.
أضواء المحالّ الخافتة تنعكس فوق الماء.
وباعة الشاي يقفون تحت المظلّات المهترئة.
ولا أحد ينتبه لرجل يحمل طفلة صغيرة في هذا الوقت من الليل.
فهذه المدينة…
اعتادت رؤية الألم.
واعتادت تجاهله أيضًا.
توقّفتُ تحت شرفة قديمة أحتمي بها من المطر.
أنزلتُ الطفلة برفق.
كانت ترتجف من البرد.
خلعتُ سترتي القديمة ولففتها حولها.
رفعت رأسها نحوي فجأة وسألت:
— لماذا تساعدني؟
فتحتُ فمي…
لكنني لم أجد جوابًا.
لأنني أنا نفسي لم أفهم بعد.
ربّما لأنني رأيتُ الجوع في عينيها.
وربّما لأنني حين قرأت تلك الورقة…
