باع شقته؟ج٢
“لأن بابا كتب الشقة دي باسمي أنا… عقد بيع نهائي وموثق في الشهر العقاري من أربع سنين، ومسجّل برقم ونمرة!”
الكلمة اتنطقت في الصالة، وسكتت بعدها كل الأصوات… حتى صوت المروحة اللي كانت بتزن فوق السفرة حسيت إنه وقف.
أحمد بصلي بذهول، وعينيه كانت هتطلع من مكانها. وشه أصفرّ زي الورق الدبلان، وقال بصوت متلجلج وهو بيشاور بعنف:
”إنتي كدابة! كدابة ويا مراضية! بابا يعمل كده من ورايا؟! من ورا ابنه الوحيد ويديكي إنتي الشقة؟! دي تمثيلية عاملاها عشان تطردينا!”
مراته قربت منه بجلادة وهي بتبصلي بقرَف:
”ما تصدقهاش يا أحمد! دي بتلعب بأعصابك عشان تطلعنا من البيت! تلاقيها ورقة عرفي مالهاش قيمة كاتباها بإيدها!”
أمي رفعَت راسها بالراحة من على الأرض… عينيها المليانة دموع كانت بصالي بذهول، بصة مخاليط بين الصدمة والندم. بصيت لأحمد بمنتهى الثبات، ومسكت تليفوني، واتصلت بالمحامي اللي لسه نازل من البيت…
”أستاذ عبد العزيز؟ لو سمحت ارجع خطوتين… العقد اللي معاك باطل، وأنا معايا الأوراق الرسمية المسجلة اللي تثبت إن الشقة دي ملكي أنا مش ملك أمي ولا ملك أحمد.”
لحظة الحقيقة وطقوس السقوط
خلال خمس دقايق، كان المحامي راجع، وبيخبط على الباب بهدوء حذر. فتحت له وبمنتهى الثبات سلمته الظرف الأسود.
المحامي قعد على الكنبة، طلع نظارته القراءة، وبدأ يفرز الورق. كان البيت كله واقف على أطراف صوابعه… أنفاس متقطعة، ونظرات مرعوبة من أحمد ومراته.
المحامي قلب الورقة الأولى، وبعدين الثانية، ووشه بدأ يتغير.
رفع عينه لأحمد وقال بنبرة حازمة ومباشرة:
”الآنسة كلامها مظبوط 100%… ده عقد بيع وشراء نهائي مسبّب ومسجل بالشهر العقاري بتاريخ قديم، وفيه بند صريح بحق انتفاع للأم طوال حياتها، لكن الملكية التامة للآنسة سارة. يعني الحجة -والدتك- لما عملت لك التوكيل العام، كانت بتوكلك في ملك لا تملكه أصلاً! والتصرف اللي إنت عملته وبعت بيه الشقة للأستاذ فرج… هو تصرف باطل بطلان مطلق!”
أحمد صرخ وهو بيمسك في هدوم المحامي:
”يعني إيه باطل؟! أنا أخدت الفلوس وصرفتها على ديوني! الراجل هيحبسني!”
المحامي زق إيد أحمد بصرامة وقال:
”دي مشكلتك يا أستاذ أحمد… إنت كده ارتكبت جريمة نصب واختلاس وبيع ما لا تملك! لو ما رجعتش المبالغ المالية للأستاذ فرج فوراً، العقد هيتلغي وستحاكم جنائياً. أنا هبلغ موكلي بالوضع، وقدامك 48 ساعة ترجع له فلوسه كاملاً، وإلا المحاضر هتوصل للنيابة!”
المحامي لمّ أوراقه ونزل، وساب أحمد واقف في نص الصالة كأنه مضروب بالمقشّة على دماغه.
الحساب والعدالة
مراته بدأت تصرخ وتولول:
”يا لهوي! نسجنوا إزاي؟! وهنجيب الفلوس منين؟! اتصرف يا أحمد! قول لأختك تتنازل عن الشقة وتنقذك!”
هنا… بصيت لمراته وقربت منها خطوتين بكل قوة وقافلة إيدي:
”تتنزل مين؟! الشقة دي اللي بابا كتبها باسمي عشان كان عارف إن أحمد طماع وهيرمي أمه وأخته في الشارع! وبالمناسبة بقى… الظرف اللي أخدتيه من درجي النهاردة الصبح، قدامك دقيقة واحدة تطلعيه من شنطتك وتديهولي، وإلا هطلب النجدة فوراً وأعمل فيكي بلاغ سرقة متلبسة، والمحامي لسه على أول الشارع!”
مراته اتخضت من نبرة صوتي الحاسمة، وركبتها خبطت في بعضها. بصت لأحمد اللي كان غرقان في مصيبته ومش داري بيها، فتحت شنطتها بإيدين بتترعش، وطلعت ظرف الفلوس ورمته على السفرة وهي بتبكي من الخزي.
أمي قامت من مكانها بالراحة… قربت من أحمد، ولأول مرة في حياتي أشوف أمي بتبص لأحمد النظرة دي. رفعَت إيدها… وضربته بقلم نزل زي الصاعقة على وشه!
”ده القلم اللي كان لازم أدهولك من زمان!” أمي قالتها بصوت مبحوح ومجروح.. “أنا اللي افتكرتك سند… طلعت إنت اللي عريتنا! طلعت بتبيع بيتي وبيت أختك اللي كانت بتصرف عليك وعلى ابنك؟! طلعت بتاكل حق الغلبانة اللي كانت بتشتغل وتتعب عشان تسندنا؟!”
أحمد نزل على ركبه يبكي ويترجاها:
”سامحيني يا أمي… الشيطان غواني، والديون كانت خنقاني!”
أمي لفت ظهرها عنه، وجت ناحيتي… مسكت إيدي الاثنين ودموعها نازلة على إيدي تنزل زي المية الدافية:
”سامحيني يا سارة… سامحيني يا بنتي. عينيا كانت مقفولة… كنت فاكرة إن الراجل هو اللي بيشيل، أثاري اللي شالتني وتحملت قرفنا هي بنتي اللي ظلمتها وقللت منها. سامحيني يا حبة عيني…”
حضنت أمي بقوة… بكيت، بس المرة دي ما كانش بكاء وجع، كان بكاء ارتياح وخروج للشمس بعد ظلام طويل.
فجر جديد ونهاية عادلة
وقفنا كلنا حاسمين للموقف. قلت لأحمد ببرود تام:
”الشنط بتاعتك أهي يا أحمد… إنت ومراتك وابنك قدامكم ساعة واحدة تلموا بقية حاجتكم وتطلعوا من البيت ده. الفلوس اللي كسرت بيها نفسك حلها من جيبك. .. بع عربيتك، ارهن شغلك، اتصرف زي الرجال وتكفل بجرائمك. لكن بيتي وأمي خط أحمر من النهاردة!”
أحمد ومراته لموا شنطهم في صمت خزي، وخرجوا من باب الشقة وهم جارين أذيال الخيبة والندم. أحمد اضطر يبيع عربيته ويسدد جزء من الفلوس للمشتري، وقسط الباقي على نفسه بشغلانتين طول النهار والليل عشان يهرب من السجن… وأخيراً اتعلم معنى المسئولية وأن القرش الحرام ما بيدومش.
مرت ست شهور على اليوم ده…
الشقة رجعت لهدوءها ونظافتها. أوضتي رجعت مملكتي الخاصة، والمطبخ بقى مليان بركة وضحك.
أمي اتغيرت تماماً… بقت هي اللي بتقف في وش أي حد يحاول يقلل مني، وبقت بتفتخر بيا قدام القرايب كلهم وتقول: “سارة مش مجرد بنت… سارة بـ مية راجل، هي السند والبيت والعزوة.”
بقيت أرجع من شغلي، ألاقي أمي عاملة لي الأكل اللي بحبه، نقعد نشرب الشاي مع بعض في بلكونة الشقة اللي بابا صانها لينا حية وميتة… وأنا جوايا يقين إمحي منه الخوف تماماً.
عرفت إن الحق ما بيموتش، وإن ربنا لما بيبتلي الإنسان بيكشف له معادن النّاس حواليه. والبنت لما تكون قوية، متعلمة، وعارفة قيمة نفسها ومحافظة على حقها… ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها أو تاخد سقفها منها.
تمت بحمد الله
#الكاتبه_نور_محمد
📖✨ رسالة القصة:
العدل لا يسقط بالتقادم، و”السند” الحقيقي ليس بالنوع أو الجنس، بل بالمعادن والأخلاق والأفعال. احفظوا حقوق بناتكم ولا تفضلوا ذكراً على أنثى فتخسروا الاثنين.
إذا عجبتكم النهاية والقصة كاملة… شاركوني رأيكم في التعليقات وصافحوا قلوبنا بالصلاة على النّبي الكريم ♥
