زهرة الربيع ٢

في اللحظة دي، دخلت الحارة عربيتين سوداء من أحدث طراز، فخمين جداً، وقفت العربيات ونزل منها أربعة رجالة لابسين بدَل كاملة وحراسة، ووراهم راجل كبير في السن، هيبته تملى المكان، لابس بدلة شياكة جداً ووراهم محامي ماسك شنطة جلد.
الراجل الكبير مشي بخطوات ثقيلة لحد ما وصل للدرامين والكوشة، وبص لصلاح وناداه:
”يا دكتور صلاح.. كل حاجة جاهزة، ورجالتي مأمنين المكان، والمستندات معايا.”
المكان كله اتقلب. “دكتور صلاح?!”! الكلمة نزلت على دماغي ودماغ أبويا وطليقي زي الصاعقة. أنا نشفت في مكاني، دموعي اتجمدت على خدي وأنا باصص للصورة اللي قدامي ومش قادرة أستوعب.
صلاح ساب إيد حمدي، اللي كان بيصرخ ويمسك إيده المورمة، وبص للراجل الكبير وقال:
”تسلم يا هادي بيه.. في وقتك تمام.”
صلاح قرب من أبويا، وباس إيده ورأسه خشوع واحترام، وقال بصوت مليان رجولة ووفاء:
”سامحني يا عمي.. سامحني إني اضطريت أمثل الدور ده قدامكم وقدم المنطقة كلها الفتره اللي فاتت، بس كان لازم أعمل كده.”
أبويا، اللي كان مصدوم ومش قادر يتكلم، بصله بذهول ولسانه اتعقد:
”انت.. انت مين يا صلاح؟ انت مش صلاح المجذوب اللي بقالك سنتين في الشارع؟”
ابتسم صلاح ابتسامة هادية ودافية، وبصلي بنظرة كلها حنان ورجولة وقالي:
”أنا الدكتور صلاح عبد الرحمن.. استشاري جراحة جراحة مخ وأعصاب، وزميل أبحاث في ألمانيا.”
الناس في الشارع بدأت تتوشوش وتصرخ من الصدمة: “دكتور صلاح؟! المجذوب يطلع دكتور?!”
صلاح كمل كلامه وأهله اللي جم وراه، اللي أصلهم ناس محترمين جداً ومن عيلة كبيرة في الجيزة، وقفوا جنبه. صلاح كمل وقال لأبويا:
”من سنتين يا عمي، تعرضت لصدمة نفسية شديدة ومؤامرة من ناسي وأقرب الناس ليا عشان ياخدوا مستشفاي وشغلي، عقلي مقدرش يستوعب الخيانة، وهرجت للشوارع وغبت عن الوعي لفترة، لحد ما جيت منطقتكم دي.. المأوى الوحيد ليا كان الشارع. والناس كلها كانت بتعاملني إني مجنون، يرموا عليا حجارة أو يضحكوا عليا.. إلا بطلة القصة دي.”
وشاور عليا بصباعه ودمعة صغيرة نزلت من عينه:
”نوال.. نوال الوحيدة اللي كانت بتبصلي بآدمية. كانت بتطلعلي الأكل سخن ونظيف، تغسل الإطباق اللي باكل فيها، وتسيبلي حاجة حلوة وتقولي (ربنا يفك كربك يا صلاح). دعوتها دي كانت بتترد في سري كل يوم. ومن شهرين بالضبط، عقلي بدأ يسترد عافيته بالتدريج بفضل العلاج اللي كان بيوصلني من دكتوري النفسي وصديقي الهادي بيه في السر، بس فضلت عمل نفسي مجذوب عشان أراقب اللي بيحصل.. وعشان أ كشف الخونة اللي سرقوني، وكمان عشان كنت شايف العذاب اللي البنت دي عايشة فيه مع الكائن ده!”
وشاور على حمدي باحتقار شديد.
حمدي وأمه وأخت أتقهروا في مكانهم، وشهوم بقت صفرا زي الورق. أمه حاولت تتكلم وتهوش:
”انتوا بتمثلوا مسرحية ولا ايه؟ مجنون ايه ودكتور ايه؟ ده شحات! انت يا جدع انت عايز تتضحك علينا؟”
هادي بيه، الراجل الكبير، طلع ملفات من الشنطة ورماها على ترابيزة الكوشة قدام كل أهل المنطقة وقال بصوت جهوري:
”الاستاذ المحترم اللي واقف ده، الدكتور صلاح، مش بس دكتور.. ده يملك واحدة من أكبر سلسلة مستشفيات خاصة في القاهرة، وأسهمه في البورصة بملايين. وهو تعافى تماماً بقاله فترة وكان محتاج بس ينهي القضية ضد قرايبه الخونة، واليوم النيابة أفرجدت عن كل ممتلكاته ورجعتله كاملة.”
وبعدين بص لحمدي وقاله:
”وأحب أبلغك يا استاذ حمدي.. إن الشركة اللي انت شغال فيها محاسب صغير، الدكتور صلاح هو الشريك الأكبر فيها ومن بكرة الصبح، الملف بتاعك واختلاساتك الصغيرة اللي كنت فاكر محدش شايفها، قدام النيابة العامة!”
حمدي وشه اتخطف، ورجليه مكنتش شايلاه، وقع على الأرض من الصدمة. أمه صرخت بأعلى صوتها:
”يالهوي! اختلاس ايه؟! ابني مظلوم يا بيه! يا دكتور صلاح ابوس ايدك سامحه!”
صلاح بص لهم بنظرة ثلجية، مش متأثر بكل دموعهم المزيفة، وقال:
”المظلوم بجد هي نوال.. اللي انتوا استقويتوا عليها عشان أهلها ناس طيبين وغالابة. انت فاكر إنك لما تطلقها وتكسرها قدام الشارع كله وتتريق على حلفان أبوها، ربنا هيسيبك؟ أبوها حلف يدفنها مع أول واحد يطلبها حتى لو كان كلب.. وربنا سخرني أنا عشان أكون الحماية والستر ليها، وأرد اعتبارها واعتبار أبوها الشريف قدام كل المنطقة.”
أبويا بص لصلاح ودموعه نزلت على خدوده، مش مصدق إن اليمين اللي حلفه بعصبية وقهره، ربنا جزاه عنه بالفرج العظيم ده. أبويا قرب من صلاح وحضنه بقوة، وصلاح حضنه زي أبوه بالضبط وقال له:
”رفع رأسك فوق يا عمي.. بنتك في رقبتي، وعهد الله لأخليها أميرة، وما يمسها سوء طول ما أنا حي.”
المنطقة كلها انفجرت بالزغاريد والطبول! الشارع اللي كان من دقائق بيموت من الضحك والتريقة، بقى بيهتف باسم الدكتور صلاح وأبويا. الشباب بتوع الحارة جابوا صلاح على الكتاف، وأمه وأخته وطليقي جرو زي الكلاب من الفرح، مش قادرين يرفعوا عينهم في حد من الخزي والعار اللي لبسوه.
صلاح نزل من على كتاف الشباب، وقرب مني في الكوشة. أنا كنت قاعدة أترعش من الصدمة، مش مصدقة إن الراجل اللي كان بيمشي بشعر منكوش وهدوم مقطعة، وافق قدامي بدلة عريس من أغلى الماركات، وشكله وسيم جداً، ونظرة عينيه مليانة ذكاء وحنان.
مسك إيدي بالراحة وابتسم وقال:
”ربنا فك كربي يا نوال.. بدعواتك ونظرة الرحمة اللي كانت في عينك. ودلوقتي جه دوري أنا عشان أفك كربك وأنسيكي كل يوم أسود شفتيه.”
الفرح اتقلب لمهرجان بجد! صلاح طلب إن الفرح يتمد لثلاث أيام في الشارع، وجاب أكل ولحوم لكل أهل المنطقة، والفقراء والمحتاجين أكلوا وشبعوا في فرحنا.
وبعد الفرح، أخدني صلاح لعالم تاني خالص.. شقة فخمة، معاملة راقية، احترام ما شفتهوش في حياتي. أهله استقبلوني أحسن استقبال، وعوضوني عن كل لحظة ذل عشتها مع طليقي وأهله.
أما حمدي وطليقه وأهله.. فخلال أسبوعين، اتفتح تحقيق في الشغل، واتثبتت عليه المخالفات، واتطرد من شغله وشال ديون ومبالغ كبيرة، وأمه وأخته بقوا يمشوا في الشارع موطيين رأسهم من الفضيحة اللي عملوها لنفسهم.
وعرفت وقتها إن ربنا سبحانه وتعالى لما بيقف مع المظلوم، بيبعتله الفرج من أكتر مكان مش يتوقعه.. وإن جرح الكرامة لما بيترد، بيترد بالحق والعدل.
وعشت مع صلاح أجمل أيام حياتي، راجل بمعنى الكلمة، أحسن وأوفى من ألف راجل زي حمدي، وكل ما أفتكر ليلة الفرح، ببتسم وأحمد ربنا على الدعوة اللي كانت السبب في تغيير حياتي كلها.
تمت





