روماني مكرم 2

فتحت باب الأوضة بسرعة وقلبي هيقف من الخوف. الصدمة والزعل اختفوا فجأة وحل مكانهم رعب حقيقي عليها، رغم كل اللي عملته.
جريت على المطبخ، والنور كان مطفي. أول ما نورت النور، شفت المنظر اللي جمد الدم في عروقي… هالة كانت واقعة على الأرض، ومغمى عليها، وجنبها سكينة المطبخ الكبيرة، وإيدها بتنزف دم كتير بغزارة.
المنظر كان مرعب، شلتها بسرعة وأنا بزعق وبقول:
— هالة! هالة ردي عليا! ليه عملتي في نفسك كده؟!
مكانتش بترد، ونفسها كان ضيق جدًا. أخدت قماشة ونزلت ضغطت بكل قوتي على الجرح علشان أوقف النزيف، وشلتها بين إيديا ونزلت بيها جري على السلم، مكنتش شايف قدامي. ركبتها العربية وطيرت على أقرب مستشفى. طول الطريق كنت ببص عليها وأنا بترعش، وبقول لنفسي: “لو جرى لها حاجة، هعيش عمري كله حاسس بالذنب إني قسيت عليها”.
وصلنا المستشفى، الدكاترة خدوها بسرعة على أوضة العمليات علشان يلحقوا الجرح ويخيطوه. فضلت واقف في الممر رايح جاي، هدومي عليها دم، وعقلي هيطير.
بعد حوالي ساعتين، الدكتور خرج وهو بيمسح عرق من على جبينه، بصلي وقال:
— الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة. القطع كان سطحي وملمسش الشريان الرئيسي، بس هي نزفت كتير وفقدت الوعي من الصدمة العصبية والنزيف. هي دلوقتي في الأوضة وهتفوق كمان شوية.
دخلت لها الأوضة، كانت ممددة على السرير، وشها أبيض زي الورقة، وإيدها متجبسة ومربوطة. أول ما فتحت عينيها وشافتني، دموعها نزلت من غير صوت، وقالت بنبرة تدوّب الحجر:
— ليه أنقذتني يا كريم؟ الموت كان أرحم لي من إني أشوف نظرة الكره دي في عينيك… أنا والله ما خنتك، أنا كنت ضحية.
قعدت على الكرسي اللي جنبها، وتنهدت بتعب شديد وقلت لها:
— الانتحار مش حل يا هالة، ومكنتش هسامح نفسي لو جرى لك حاجة. بس إنتي لازم تفهمي إن كسر الثقة صعب… إنتي سبتيني للكلب ده يبتزني ويدوس على كرامتي في ليلة فرحنا.
بكت وقالت:
— أحمد ده مريض، من يوم ما سبته وهو مش سايبني في حالي، وكان بيهددني بصور قديمة لينا وإحنا مخطوبين وصور مع عيلتي، وكان عايز فلوس… مكنتش عارفة أتصرف، وخوفي منك ومن أهلي عماني.
وأنا قاعد معاها، تليفوني رن… بصيت على الشاشة، لقيت رقم غريب.
قلبي انقبض، ردت بصوت غاضب:
— عايز إيه تاني يا زفت؟ مش أخدت فلوس وغرت؟
جالي صوته المستفز والبارد وهو بيضحك من الناحية التانية:
— تؤ تؤ… عيب كده يا عريس، إحنا لسه بنقول يا هادي. الفلوس اللي أخدتها دي كانت مصاريف السكة بس. أنا باعتلك رسالة دلوقتي على الواتساب، شوفها وقولي رأيك… علشان لو العرض مجبكش، الرسالة دي هتوصل لأبو هالة ولأمك في نفس اللحظة.
قفلت السكة في وشه، وإيدي بParallel بترتعش. فتحت الواتساب، ولقيت فيديو مبعوت. فتحت الفيديو، وللصدمة… الفيديو مكنش لهالة لوحدها.
الفيديو كان متصور من بره الشقة عندي، من فترة قريبة وإحنا بنفرشها، وأحمد واقف مع حد أنا عارفه كويس جدًا… حد من لحمي ودمي، وكان بيسلمه مفتاح الشقة وبيقوله: “كده تمام… هالة هتقع في الفخ، وكريم حياته هتتدمر”.
برقت عيني ومبقتش مصدق اللي شايفه… الشخص اللي في الفيديو كان…
يتبع…
الشخص اللي في الفيديو كان… ابن عمي وشريكي في المحل “سامح”.
عقلي اتوقف عن التفكير، ومبقتش حاسس بجسمي. سامح؟ اللي كان معايا خطوة بخطوة، اللي كان بيقيس معايا خشب الأوض، واللي كنت بآمنه على مالي وسري! هو اللي كان بيسرب أخبار الشقة لأحمد، وهو اللي خطط معاه علشان الليلة دي تتحول لكابوس يكسرني ويدمر حياتي.
بصيت لهالة اللي كانت بتبصلي برعب وهي مش فاهمة ملامح وشي اتغيرت كده ليه. خبيت التليفون وقلت لها بصوت هادي غريب، وكأن الصدمة الكبيرة ولدت جوايا برود قاتل:
— ارتاحي يا هالة… كل حاجة هتنتهي الليلة دي.
خرجت من المستشفى والدم بيغلي في عروقي، بس المرة دي مكنش غضب أعمى، كان تخطيط لرد الشرف. كلمت صاحبي “حسام” اللي شغال في المباحث، وحكيت له كل حاجة في السكة، وبعتله الفيديو. حسام قالي: — “اسمع يا كريم، متتهورش، هما دلوقتي بيتحركوا بدافع الطمع، جره لعنوان شقتك واوهمه إنك هتسلم الفلوس، وإحنا هنكون هناك”.
اتصلت بأحمد، وصوتي كان باين فيه الانكسار والقلة علشان يصدق:
— أحمد… أنا مش حمل فضايح، وهالة في المستشفى بتموت. أنا وافقت على كل شروطك. تعالالي عند الشقة دلوقتي، هسلمك كل الفلوس اللي في الخزنة والمحل، بس تاخد الكلب اللي معاك وتسبوني في حالي.
أحمد طمع، وصوته لم ع السمع: — “أيوة كده يا عريس، تعجبني لما تعقل. مسافة السكة ونكون عندك”.
رجعت الشقة، وفضلت قاعد في الصالة والباب موارب شوية. ربع ساعة وسمعت خطوات رجيلهم على السلم. الباب اتفتح ودخل أحمد وبجانبه سامح، اللي كان لابس وش البراءة وبيقول لأحمد: — “خلص بسرعة علشان نمشي قبل ما حد يشوفنا”.
أول ما شافوني قاعد، سامح اتصدم، ووشه جاب ميت لون. وقف مكانه وقال بتلعثم: — “كريم؟ إنت هنا؟ أنا… أنا شفت أحمد جاي وراك فجيت ألحقك”.
وقفت على رجلي وضحكت ضحكة وجع:
— تلحقني يا ابن عمي؟ تلحقني وتديني مفتاح الشقة؟ تلحقني وإنت بايعني لواحد ميسواش علشان تاخد المحل والشغل لوحدك؟
أحمد حس إن فيه حاجة غلط، وطلع مطواة من جيبه وقال بغشم: — “بقولك إيه، هتعملوا فيها فيلم عربي؟ هات الفلوس وخلصنا بدل ما أخلص عليك هنا”.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره ودخل حسام ورجالته. في ثواني، كان أحمد وسامح على الأرض، والكلبشات في إيديهم. أحمد بدأ يصرخ ويقول إنه ميعرفش حاجة وسامح هو اللي وزه، وسامح كان بيبكي ويترجاني: — “سامحني يا كريم… الشيطان عمى عيني”.
بصيت لسامح وقلتله: — “الشيطان ميعرفش يعمل اللي إنت عملته يا ابن عمي. القانون هياخد حقي منكم”. أخدوهم على القسم، والفيديو والمكالمات ومفتاح الشقة كانوا أدلة كافية تقضي على مستقبلهم ويسجنهم سنين بتهم الابتزاز والسرقة والتهديد.
تاني يوم الصبح، رحت المستشفى لهالة. كانت فايقة وقاعدة على السرير، عينيها كانت مليانة رجاء وخوف من مصيرها معايا. قعدت جنبها، ومسكت إيدها السليمة وقلت لها:
— أحمد وسامح اتقبض عليهم، وكل الصور والحاجات اللي كانت مع أحمد اتمسحت، ومحدش من أهلنا عرف ولا هيعرف حاجة. سرك اتقفل عليه للأبد.
دموعها نزلت وقالت: — “يعني… مش هتطلقني؟”
اتنهدت وقلت لها: — “إنتي غلطتي زمان يا هالة لما وثقتي في حد ميسواش، وغلطتي تاني لما خبيتي عليا وسبتينا فريسة ليهم. بس إنتي دفعتي تمن الغلطة دي من دمك وأعصابك، وشفت رعبك وخوفك عليا وعلى بيتنا. أنا مش هطلقك… هنسافر، هنبدأ من جديد في مكان محدش يعرفنا فيه، بس بشرط… مفيش سر تاني يدخل بيني وبينك، لأن الثقة لو اتكسرت المرة الجاية، مش هترجع”.
هالة ضغطت على إيدي وهي بتبكي، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. الكابوس انتهى، والشمس طلعت من جديد على حياتنا، بعد ما اتعلمنا إن الحقيقة، مهما كانت صعبة، هي الحماية الوحيدة لأي بيت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *