موظف نظافة
“أنا مش جاي أنضف.. أنا جاي أسرقك.. بس اللي حصل جوة الشقة دي غير حياتي لدرجة مكنتش أتخيلها!”
صوت الشخللة بتاعة المفاتيح في الباب كان بيخليني أعرَق، مش خوف.. لاء، ده جسمي اللي كان بيصرخ وعايز “الجرعة”. أنا “كريم”، 28 سنة، شغال عامل نظافة في حي راقي. الناس بتشوفني بكنس الشارع وبلم الزبالة، بس محدش يعرف إن عيني دايماً على الشقق اللي أصحابها سيباها، أو البيوت اللي فيها صيد سهل.. والنهاردة صيدي كان “طاهرة هانم”.
ست عجوزة، عايشة لوحدها في شقة دور أرضي، ولادها مسافرين ومحدش بيعبرها. دخلت بحجة إني بغير لمبة السلم، والباب كان موارب. عيني لقطت الغويشتين الدهب اللي في إيدها، ودماغي فكرت في ثانية: ببيعة دول، هأمن مزاجي لشهر قدام.
الصدمة الأولى: الهدوء المرعب
دخلت الشقة بخطوات كأنها همس. الست كانت قاعدة على كرسي هزاز، مدياني ضهرها، وبتسمع أم كلثوم. قربت وأنا بطلع مطواة صغيرة من جيبي عشان أخوفها بس.. بس أول ما وقفت قدامها، لقيتها بتبصلي وابتسمت!
أنا (بأتأت وصوتي مرعوش من الكيميا): “هاتي الدهب اللي في إيدك ده ومن غير صوت.. مش عايز أئذيكي!”
طاهرة هانم (بكل برود وهدوء): “اتأخرت ليه يا كريم؟ أنا مستنياك من بدري.. الشاي هيرد.”
أنا اتسمرت في مكاني. عرفت اسمي منين؟ ومستنياني إزاي؟ والدهب اللي في إيدها قلعته وبقيت بتمدهولي وهي بتقولي: “خد دول.. وولع النور عشان حاسة الدنيا ضلمة.”
السر اللي قلب التربيزة
هنا حصلت حاجة مكنتش متوقعها. لما ولعت النور وبصيت في عينها كويس.. لقيت عينيها مطفية. الست دي كفيفة! مبوتشوفش!
أنا: “أنتِ عارفة أنا مين؟”
طاهرة هانم: “عارفة ريحة خطوتك.. بقالك شهر بتيجي تلم زبالة العمارة، وكنت بسمع الكحة الناشفة بتاعتك وصوت رجلك وهي بتتعكش في المشي. وعارفة كمان إنك بتاخد السم ده (شاورت على عروق إيدي).”
الست مكنتش خايفة، بالعكس، دي كانت بتبصلي بشفقة قطعت حتة من قلبي. قالتلي إنها وحيدة تماماً، ولادها رموها ومبيسألوش عنها، والفلوس والدهب ملهمش قيمة عندها.. القيمة الوحيدة إنها تلاقي بني آدم يتكلم معاها.
نقطة التحول: اللي مكنش في الحسبان
قعدت على الأرض مش قادر أصلب طولي، وجسمي بدأ يتنفض من أعراض الإدمان. الست طاهرة قامت، دخلت المطبخ وسندت على الحيطة، وجابتلي كوباية مية دافية بعسل، وقعدت جمبي على الأرض.. مسحت على راسي كأنها أمي اللي ماتت وسابتني للدنيا.
”يا ابني، أنا سيبالك الباب مفتوح عشان كنت عارفة إنك هتيجي.. بس كنت مستنياك تيجي بآدميتك، مش بالسم اللي في دمك. الدهب اهو.. لو هيموتك خده، ولو عايز تعيش.. ارمي المطواة دي واقعد كل لقمة معايا.”
في اللحظة دي، العياط خانني. بقيت بصرخ وببكي زي العيل الصغير في حضن ست أول مرة أشوفها. أحاسيس كتير اتضربت في خلاط: الندم، العجز، والوجع.
النهاية غير المتوقعة
النهاردة عدا سنة كاملة على اليوم ده..
أنا مخدتش الدهب، أنا أخدت “حياتي”. طاهرة هانم باعت الغوايش دي بنفسها وصرفتها على مصحة علاج الإدمان اللي قعدت فيها 6 شهور لحد ما نظفت تماماً.
دلوقتي؟ أنا مبقتش عامل نظافة في الشارع.. أنا بقيت بشتغل وبدرس، وعايش معاها في الشقة، مش كحرامي.. لاء، كابنها اللي ربنا عوضها بيه عن قسوة ولادها، وهي عوضتني عن قسوة الدنيا.
البيوت مش دايماً فيها فلوس تتسرق.. ساعات بيبقى فيها “فرصة تانية” للي عايز يعيش.
#دراما_اجتماعية #قصص_الفيسبوك #وعي #فرصة_تانية

