تاني يوم جوزا

بقلم فاتن سليم
كبر الأبناء على هذا الحقد.
وكان محمود يسمع دائمًا أن أهل سلمى تسببوا في خراب بيتهم.
حتى أصبح الانتقام بالنسبة له هدفًا.
وعندما علم أن أسرته تفكر في خطبة سلمى له، وافق فورًا.
ليس حبًا فيها.
بل لينتقم.
كان يريد أن يكسر قلب أهلها كما كان يظن أنهم كسروا قلب أسرته.
لكن أخاه الأكبر لم يسكت.
ذهب إليه وواجهه بالحقيقة.
وأخبره أن والده كان يكذب.
وأن خسارة المشروع كانت بسبب أخطائه هو.
وليس بسبب والد سلمى.
في البداية رفض محمود التصديق.
لكن أخاه أخرج مستندات قديمة ودفاتر حسابات تثبت كل شيء.
جلس محمود ساعات طويلة ينظر إلى الأوراق.
ثم بدأ يشعر بشيء ثقيل يخنقه.
لقد دمّر حياة فتاة بريئة.
وأهانها أمام الناس.
وحطم سمعتها.
فقط بسبب كذبة عاش عمره يصدقها.
في صباح اليوم التالي ذهب إلى بيت سلمى.
فتح له والدها الباب.
وعندما رآه اشتعل غضبًا.
ـ جاي تعمل إيه هنا؟
قال محمود بصوت مكسور:
ـ عايز أعتذر.
خرج الأب إليه غاضبًا.
ـ الاعتذار مش هيرجع اللي ضاع.
في تلك اللحظة ظهرت سلمى من الداخل.
كانت مختلفة.
أقوى.
أهدأ.
لكن الحزن ما زال يسكن عينيها.
نظر إليها محمود وقال:
ـ أنا ظلمتك.
أنا كذبت عليكي وعلى الناس كلها.
وأنتِ أشرف إنسانة عرفتها.
لم ترد.
أكمل وهو يبكي:
ـ مستعد أقول الحقيقة قدام الدنيا كلها.
قالت سلمى بهدوء:
ـ الحقيقة مش محتاجة منك شهادة.
ربنا عارفها.
ثم أغلقت الباب.
بعد أيام جمع محمود أهل المنطقة كلها.
ووقف في نفس المكان الذي أهانها فيه.
وقال أمام الجميع:
ـ سلمى بريئة.
وأنا ظلمتها.
واتهمتها ظلم.
وكل اللي قلته عنها كان كذب.
ساد الصمت بين الناس.
ثم بدأت الهمسات.
هذه المرة لم تكن ضد سلمى.
بل ضده هو.
أما سلمى فقد اختارت طريقًا آخر.
أكملت تعليمها.
وعملت.
وبنت حياتها من جديد.
واكتشفت أن كرامة الإنسان أهم من أي زواج.
وأن بعض الجروح لا يشفيها الاعتذار.
لكنها تجعل أصحابها أقوى.
وبعد سنوات، عندما كانت تنظر إلى تلك الأيام، لم تعد تتذكر لحظة سقوطها في الشارع.
بل تتذكر اللحظة التي وقفت فيها من جديد.
لأن القوة الحقيقية ليست في ألا نسقط أبدًا…
بل في أن ننهض بعدما يظن الجميع أننا انتهينا.


