سجينة الصخر

سجينة الصخر بقلم مايا خالد
​صخر كان واقف قدام الشباك الكبير في مكتبه، السيجارة في إيده ودخانها بيغطي ملامحه اللي زي المنحوتة من حجر. صخر مش بس اسم، ده كان طبع. راجل مبيعرفش يعني إيه “لو سمحت” أو “عشان خاطري”. الدنيا علمته إن اللي بيعوز حاجة بياخدها بدراعه.
​دخلت ليل وهي بتترعش، كانت لابسة فستان بسيط وقديم، وشعرها الأسود نازل على عينيها اللي كانت بتبص للأرض بخوف. ليل كانت “الصغيرة” اللي وقعت في طريق صخر في وقت غلط.. وقت كان هو فيه محتاج ينتقم من الدنيا كلها.
​صخر (بصوت واطي ومرعب): “رفعتي عينك ليه؟ أنا مش قولت عينك دي متلمحش السقف طول ما أنا موجود؟”
​ليل (بصوت بيقطع من العياط): “أنا.. أنا كنت بس عايزة أسأل حضرتك، هو أنا هفضل محبوسة هنا كتير؟ أهلي زمانهم بيدوروا عليا..”
​ضحك صخر ضحكة خفيفة وسوداوية، قرب منها وشدها من دراعها بقوة لحد ما بقت أنفاسهم قريبة من بعض.
​صخر: “أهلك؟ أهلك باعوكي يا ليل.. قبضوا الثمن ونسيوكي. إنتي دلوقتي ملكي، فاهمة يعني إيه ملكي؟ يعني النفس اللي بتتنفسيه ده، أنا اللي سامحلك بيه.”ماياخالد

​مرت الأيام، وليل محبوسة في “قصر صخر”، بس السجن مكنش بس جدران، كان سجن من المشاعر المتلخبطة. صخر كان بيعاملها بقسوة، بيفرض سيطرته على كل تفصيلة في يومها، بس في نفس الوقت.. كان هو اللي بيسهر جنبها لما تسخن، وهو اللي بيجيب لها أغلى الهدوم بس يرفض يخليها تخرج تشم هوا.
​في ليلة، ليل قررت تتمرد. كسرت فازة غالية في الصالون عشان تجره للكلام.
​ليل بصرخة: “إنت ليه بتعمل فيا كدة؟ لو بتكرهني اقت..لني وارتاح، لكن متخلنيش عايشة ميتة!”
​صخر (وهو بيقرب منها وعيونه بتلمع بوجع ملهوش تفسير): “أنا مابكرهكيش يا ليل.. أنا بخاف عليكي من بره، وبخاف عليكي مني. إنتي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي في حياتي، وعشان كدة مش هسيبك تضيعي.. حتى لو الثمن إنك تكرهيني.”
​ليل بصت في عينه، ولأول مرة شافت “الوحش” وهو مكسور، شافت إن القسوة دي كلها مجرد سور عالي بانيه عشان محدش يقرب من قلبه اللي اتدمر زمان.

​قرب صخر منها، ومسح دمعة نازلة على خدها بإيده الخشنة، حركته كانت فيها تملك مرعب بس في نفس الوقت فيها حنان غريب.
​صخر: “لو فكرتي تهربي يا ليل، هجيبك من آخر الدنيا.. مش عشان أعاقبك، عشان أنا من غيرك هرجع تاني صخر.. حجر مبيحسش. إنتي اللي خليتي الحجر ده ينبض، فاستحملي وجعي بقا.”
​بعد ليلة التمرد، القصر مكنش هادي.. الجو كان مشحون بكهرباء، وصخر قرر يغير طريقته، بس مش الحنية اللي ليل مستنياها، لأ.. دي حنية “صخر السيوفي” اللي بتخنق أكتر ما بتطمن.صخر أمر الخدم يجهزوا عشا فاخر، ونزل ليل من أوضتها وهي لابسة فستان أسود هو اللي اختاره، فستان كان ضيق ومقيد حركتها زي ما هو مقيد حياتها.
​قعدت ليل قدامه على السفرة الطويلة، كانت المسافة بينهم كبيرة بس كانت حاسة بنظراته بتخترق جسمها. صخر ساب الشوكة والسك..ينة وقام وقف، مشي ببطء لحد ما بقى ورا ضهرها، وميل على ودنها وهمس بصوت يخلي الجسم يقشعر:
​صخر: “الأكل مش عاجبك؟ ولا لسه بتفكري في كلام الصبح؟”
​ليل (بترتعش): “أنا مش جعانة.. أنا عايزة أمشي من هنا يا صخر بيه.”
​صخر حط إيده على كتفها وضغط ضغطة خفيفة، وبأيده التانية طلع علبة قطيفة سوداء وحطها قدامها. فتحها وظهر عقد ألماص كان بيلمع زي النجوم، بس ليل شافت فيه “كلبش” جديد بس غالي.
​صخر: “ده متمناهوش ملكات.. بس إنتي تلبسيه وإنتي حافية في قصري. إلبسيه يا ليل، ووريني جمالك اللي مفيش عين غير عيني هتلمحه.”فجأة، تليفون صخر رن. واحد من رجالته بلغه إن فيه حد من قرايب ليل -ابن عمها اللي كان عايز يتجوزها- بيسأل عنها في الحارة وبدأ يشمشم ورا مكانها.
​في ثانية، ملامح صخر اتحولت لشيطان. القسوة السوداء ظهرت في عيونه. ليل شافت التحول ده وخافت.
​صخر (بصوت زي الرعد): “بقا فيه حد غيري بيفكر فيكي؟ فيه حد لسه فاكر إن ليكي وجود برا القصر ده؟”
​ليل بانهيار: “ده ابن عمي يا صخر! سيبه في حاله، هو ملوش ذنب!”
​صخر قرب منها ومسك فكها بإيده بقوة:
​صخر: “ذنبه إنه اتنفس اسمك.. وذنبه الأكبر إنه فكر إنك ممكن تكوني لحد غيري. أنا هعرفه مقامه.. وهعرفك إن اللي صخر يملكه، الموت بس هو اللي بياخده منه.”صخر سحب ليل من إيدها وطلع بيها لأوضة المكتب، وفتح شاشات المراقبة اللي في كل حتة.
​صخر: “بصي يا ليل.. شوفي الرجالة بتوعي هيعملوا فيه إيه دلوقتي، عشان تعرفي إن خروجك من هنا معناه دم.. معناه حريق. اختاري يا ليل.. تفضلي هنا في حضن قسوتي، ولا تخرجي وتتفرجي على جث..ث كل اللي كنتي تعرفيهم؟”
​ليل وقعت على الأرض بتعيط، مكنتش عارفة الشخص اللي قدامها ده بيحبها بجد ولا ده “هوس” مريض. صخر قعد على ركبه قدامها، وشدها لحضنه بقوة لدرجة إنها كانت هتتخنق، ودفن راسه في رقبتها وهو بيقول بنبرة مكسورة وغريبة:
​صخر: “أنا مش شرير يا ليل.. أنا بس مقدرش أخسر تاني. إنتي بقيتي النفس.. حد يقدر يعيش من غير ما يتنفس؟”بمجرد ما صخر نطق الجملة دي، ليل حست بقشعريرة في جسمها كله. الكلمات كانت ناعمة بس فيها ريحة الموت والتملك. استنت لحد ما هدي تماماً وافتكر إنها استسلمت لقدرها، وبدأت تخطط بذكاء “الصغيرة” اللي الدنيا وجعتها بدري
بعد يومين من الهدوء المريب، صخر اضطر ينزل المينا عشان شحنة “مشبوهة” وقفت في الجمرك. ساب القصر وهو مطمن إن ليل بقت “أليفة”، بس ليل كانت مراقبة الحراس وعارفة إن فيه “ثغرة” في السور ورا المطبخ وقت تبديل الشفتات.
​ليل لمت فلوس كانت مخبياها من صخر، ولبست عباية سودة ودارت وشها، وقدرت تتسحب وسط الشجر زي الخيال. نطت السور، ورجليها اتجرحت من السلك الشائك، بس مكنتش حاسة بالوجع.. حرية ليل كانت أغلى من دمها.
صخر رجع القصر بدري عن معاده، دخل الأوضة وهو بينادي عليها بلهفة غريبة، بس لقى الأوضة فاضية.. والشباك مفتوح.. والخلخال اللي كان جايبهولها مرمي على الأرض كأنه رسالة بتقول “مش عايزة منك حاجة”.
​في اللحظة دي، عيون صخر اتحولت للون الدم. مسك فازة كريستال حدفها في الحيطة وهو بيصرخ صرخة هزت أركان القصر:
“ليييييييل!!! لو رحتِ فين هجيبك.. والله لو في سابع أرض هجيبك يا ليل!”
​صخر فقد السيطرة تماماً، مسك التليفون وكلم رجاله وصوته كان بيطلع زي فحيح الأفعى:
“رعد.. اقلب مصر حتة حتة. المحطات، المواقف، المطارات.. أي حد يلمح خيالها يبلغني. ليل لو مرجعتش الليلة دي، أنا هحرقكم كلكم!”
ليل كانت راكبة ميكروباص متجهة للأرياف، فاكرة إنها خلاص هربت. فجأة، الطريق اتقطع بتلات عربيات دفع رباعي سودة. العربية اللي في النص فرملت صرخة فراملها خلت قلوب الناس تقف.
​نزل صخر من العربية، كان ماشي ببطء مرعب، ملامحه مكنتش غضب.. كانت “جنون هادي”. فتح باب الميكروباص، والناس كلها خافت تتدخل من هيبته وسلا..حه اللي باين في جنبه.
​مسك ليل من دراعها وشدها لبرا وهي بتصرخ:
​ليل بانهيار: “سيبني يا صخر! سيبني أعيش.. أنا بكرهك، بكره قسوتك وبكره حبك!”
​صخر (وهو بيضغط على دراعها لدرجة إن عضمها كان هيتكسر وبيهمس في ودنها): “الكره ده هو اللي هيخليكي عايشة تحت رحمتي يا ليل. قولتلك إنتي النفس.. والظاهر إنك محتاجة تتعلمي إزاي تتنفسي من غير ما تحاولي تهربي من صدر صاحبك.”
​شالها على كتافه زي “السبية” ورماها في كنبة العربية اللي ورا، وقفل الأبواب بالسنتر لوك، وبص لها في المراية وعيونه فيها نظرة سوداوية:
“الليلة يا ليل، هتعرفي الفرق بين صخر اللي كان بيحاول يحبك.. وصخر اللي قرر يمتلكك للأبد.”صخر ساق العربية بسرعة جنونية، مكنش شايف قدامه غير صورة ليل وهي بتحاول تبعد عنه. ليل كانت مرمية في الكرسي اللي ورا، بتترعش ومنكمشة على نفسها، وصوت شهقاتها كان بيقطع سكون العربية المرعب.
​وصلوا القصر، صخر نزل وفتح الباب وسحبها من إيدها بقوة خلتها تقع على الأرض، بس مفرقش معاه. جرها وراه لحد ما دخل الجناح بتاعه، ورماها في نص الأوضة وقفل الباب بالمفتاح.. وصوت التكة بتاعة القفل كانت زي حكم الإعدام في ودن ليل.صخر بدأ يفك كرافتته وهو بيتحرك حواليها زي الأسد اللي بيحاصر فريسته، وصوته كان واطي بس فيه نبرة غضب تخوف:
​صخر: “عارفة يا ليل.. أنا كنت فاكر إنك غيرهم. كنت فاكر إن براءتك دي هتعالجني.. بس طلعتي زيهم، كلكم بتعرفوا تهربوا وتغدروا لما تلاقوا فرصة.”ماياخالد
​ليل (بصرخة وعياط): “أنا مهربتش يا صخر! أنا كنت بنقذ نفسي! إنت مش بتحبني، إنت حابسني.. إنت عايز جارية مش واحدة تشاركك حياتك!”
​صخر قرب منها فجأة ونزل لمستواها، مسك وشها بين إيديه بقوة خلتها تغمض عينيها من الوجع:
​صخر: “جارية؟ لو كنت عايز جارية كان فيه ألف واحدة يتمنوا إشارة مني. أنا كنت عايز ليل.. ليل اللي خلت الحجر يلين. بس الظاهر إن الحجر لازم يرجع لمكانه عشان يحميني من غدرك.”؟صخر قام وقف وطلع “سلسلة” دهب كانت محطوطة في علبة على مكتبه، بس المرة دي مكنتش عقد للزينة.. كان فيها قفل صغير وغريب. مسك إيد ليل ولبسهالها بقوة.
​ليل بذهول: “إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟”
​صخر ببرود مرعب: “ده قيدك يا ليل. من هنا ورايح، مفيش خروج من الجناح ده. أكلك وشربك ونفسك هيكونوا معايا هنا. الحراس اللي هربتي منهم؟ أنا رفدتهم ورميتهم في الشارع.. والمرة الجاية اللي هتفكري فيها تهربي، مش هيكون فيه رجوع.”
​ليل بصت في عينه، شافت سواد ملوش آخر، شافت إن “الصغير” اللي جواه مات تانى، وحل محله “الوحش” اللي مستعد يحرق أي حاجة عشان يفضل مسيطر.
​ليل (بهمس مكسور): “إنت كدة بتقت..لني يا صخر.. بالبطيء.”
​صخر (وهو بيمسح دمعة نزلت على خدها وبيقرب من شفايفها): “الموت في حضني أحسن ألف مرة من الحياة بعيد عني. نامي يا ليل.. عشان من بكرة، حياتك القديمة انتهت، وحياتك كـ ‘مِلك لصخر’ لسه بتبتدي.”
​صخر سابها وخرج لبلكونة الأوضة، ولع سيجارته وهو بيبص للسما المظلمة، وقلبه اللي كان بدأ يدق، رجع تانى بقى صخر.. بس المرة دي، الصخر ده شايل جواه “عصفورة” مكسورة الجناح.ليل مكنتش قادرة ترد، كانت حاسة إن لسانها اتعقد من كتر الرعب. صخر سابها ومشي ناحية الباب، بس قبل ما يخرج، لف وبصلها نظرة أخيرة خلت قلبها يقف.
​صخر: “الجناح ده فيه كل حاجة هتحتاجيها.. لبس، أكل، وكتب. بس مفيش فيه ‘مخرج’. الباب ده مبيفتحش غير ببصمتي أنا بس. متجربيش تكسريه يا ليل.. عشان جدران القصر ده أقسى بكتير من قلب صخر.”
​رزع الباب وراه، وليل سمعت صوت القفل الإلكتروني وهو بيعلن سجنها الرسمي.ليل فضلت مكانها على الأرض لساعات، مكنتش بتتحرك غير عشان تمسح دموعها اللي مكنتش بتخلص. بصت للسلسلة اللي في إيدها، كانت بتلمع تحت ضوء النجفة الفخم، بس في عينيها كانت أوحش من أي حديد.
​فجأة، ليل قامت بانتفاضة.. لا، هي مش هتستسلم. “الصغيرة” اللي صخر فاكر إنه كسرها، كان جواها قوة جاية من كتر الوجع. بدأت تلف في الجناح زي القطة المحبوسة، لحد ما دخلت الحمام الكبير، وبصت في المراية.
​ليل لنفسها بصوت واطي: “لو عايزني جارية يا صخر، يبقى لازم تتحمل نار الجارية دي لما تحرق قصرك كله.”تاني يوم الصبح، صخر فتح الباب ودخل وهو ماسك صينية فطار بنفسه. كان فاكر إنه هيلاقيها منهارة أو نايمة من التعب، بس اتفاجئ بليل واقفة قدام الشباك، لابسة فستان أحمر ناري من اللي كان جايبهم لها، وشعرها مفرود بغرور مكنش موجود قبل كدة.
​صخر (باستغراب): “صحيتي بدري يعني؟ كويس إنك بدأتي تتأقلمي مع وضعك الجديد.”
​ليل (لفت ببطء وبصتله بابتسامة باردة): “أصل السجن عجبني يا صخر بيه. مريح وهادي.. بس إنت فاكر إن السلسلة دي هي اللي هتمسكني؟”
​قربت منه بخطوات ثابتة لحد ما بقت قدامه بالظبط، وصخر لأول مرة يحس إنه هو اللي مرتبك مش هي.
​ليل: “إنت حبست جسمي يا صخر.. بس نسيت تحبس كرهي ليك. من النهاردة، أنا مش ليل الضعيفة. أنا النسخة اللي إنت خلقتها بقسوتك.. ومستنية اللحظة اللي هشوفك فيها مكسور زي ما كسرتني.”
​صخر قبض إيده بقوة، وعروق رقبته برزت:
​صخر: “بلاش تلعبي بالنار يا ليل.. أنا صبري قليل.”
​ليل (بهمس وهي بتلمس قميصه): “والنار هي اللي بتصهر ‘الصخر’ يا حبيبي.. مش كدة
صخر حس إن فيه حاجة غلط، البنت اللي قدامه دي مش ليل اللي كان بيخوفها بكلمة. البراءة اللي كان بيعشقها اختفت، وحل مكانها برود مرعب.
​صخر (وهو بيشدها من خصرها بقوة): “فاكرة إنك لما تمثلي القوة هخاف؟ أنا مبيخوفنيش غير إني أفقدك.. وأديكي بقيتي في حضني.”
​ليل: “إنت ملمستش غير قشرة برانية.. ليل اللي كنت بتدور عليها، إنت دبح..تها الليلة اللي فاتت. مبروك عليك ‘الج..ثة’ اللي هتعيش معاها.”
​صخر سابها وزقها بعيد عنه وهو بيحاول يتنفس بصعوبة، ليل كانت بتلعب على أعصابه، كانت عارفة إن نقطة ضعفه هي “روحها” اللي كان بيحاول يتملكها، ودلوقتي هي بتحرمه من الروح دي وهي في حضنه.صخر ساب الأوضة وهو بيغلي، رزع الباب وراه لدرجة إن النجفة اللي في الصالة اتهزت. كان حاسس إن ليل بتسحب الهوا من صدره بكلامها. دخل مكتبه، صب لنفسه كاس وحس إن النار اللي في قلبه مش راضية تبرد.
​صخر لنفسه: “بتحدايني يا ليل؟ بتبصي في عيني وبتقوليلي إنك ج..ثة؟ ماشي.. هنشوف مين اللي نَفَسه أطول.”
​عدت أيام، وليل كانت بتنفذ خطتها ببراعة. كانت “موجودة” بس “غايبة”. لما كان صخر يدخل عليها، يلقاها قاعدة بتقرأ كتاب أو بتبص للسما، ولما يكلمها، ترد بكلمة واحدة “حاضر” أو “طيب” ببرود يقت..ل. مفيش دموع، مفيش صراخ، ومفيش خوف.
​في ليلة، صخر دخل الجناح وهو شارب وشبه فاقد السيطرة على أعصابه. لقى ليل قاعدة قدام التسريحة بتسرح شعرها ببطء وهدوء مستفز.
​صخر (وهو بيقرب منها وبيمسك كتفها): “إنتي فاكرة إن سكوتك ده هيخليني أملّ وأسيبك؟ إنتي بتحلمي.. أنا هفضل حابسك كدة لحد ما لسانك ده ينسى الكلام غير بكلمة ‘بحبك’.”
​ليل (بصتله في المراية ببرود): “إنت صعبان عليا يا صخر. عايش في وهم إنك مالك حاجة، وإنت في الحقيقة مش مالك غير حيطان وسلاسل. إنت أضعف بكتير مما بتتخيل.”
​صخر لفّها ليه بعنف، ونزل لمستواها وعيونه كانت حمرا كأنها جمر:
​صخر: “أنا ضعيف؟ طب شوفي الضعيف ده هيعمل إيه!”
​سحبها من إيدها وطلع بيها لسطح القصر في نص الليل. الجو كان برد جداً، والريح كانت بتصفر. صخر وقفها على الحافة، وكان ماسكها من وسطها بقوة.
​صخر بصرخة: “بصي تحت يا ليل! الأرض بعيدة قوي.. لو سيبت إيدي دلوقتي، كل حاجة هتخلص. كرهك، ووجعي، والسجن اللي إنتي فيه. قوليلي بقا.. لسه شايفة صخر ضعيف؟”
​ليل بصت لتحت، وبعدين بصت في عينه بابتسامة خفيفة، وقالت الكلمة اللي هزت كيانه:
​ليل: “سيب يا صخر.. سيب إيدك. الموت أهون عليا من إني أشوف نظرة التملك اللي في عينك دي ثانية كمان. سيبني أموت وأنا حرة، أحسن ما أعيش وأنا ملكك.”
​إيد صخر ارتجفت. كان باين في عينيه إنه مستحيل يعملها، مستحيل يفرط في “نفسه”. شدها لحضنه بقوة ووقع هو وهي على أرض السطح، وبدأ ينهج كأنه كان بيجري ماراثون.
​صخر (بصوت مخنوق بالدموع): “ليه بتعملي فيا كدة؟ ليه عايزة تكسريني؟ أنا قت..لت، وسرقت، ودمرت عشان أوصل للي أنا فيه.. وبقيت صخر عشان محدش يلمسني، وتيجي إنتي بكلمة تهديني!”
​ليل (وهي لسه في حضنه، حست بقلبه بيدق بجنون): “عشان إنت اللي بدأت يا صخر. إنت اللي اخترت تكون سجان بدل ما تكون حبيب. القسوة متبنيش بيت.. القسوة بتبني قبر.”
​صخر دفن راسه في كتفها وبدأ يعيط بصمت، عياط راجل أول مرة يعترف بانهزامه أمام “صغيرة” مملكش قدامها غير إنه يحبها بمرض.
​في اللحظة دي، تليفون صخر رن.. كان “رعد” صوته مخضوض:
​رعد: “يا صخر بيه.. الرجالة اللي تبع ابن عم ليل قلبوا الدنيا، ودلوقتي هما قدام بوابة القصر ومعاهم ناس كتير ومسلحين.. بيقولوا يا ليل يا الدم!”
​صخر قام وقف، ومسح دموعه بسرعة، ورجع الوحش اللي جواه ظهر تاني، بس المرة دي عشان “يحمي” مش عشان “يسجن”. بص لليل وقالها:مايا خالد
​صخر: “ادخلي جوه وم تخرجيش مهما حصل. النهاردة هخلصك من ماضيكي.. عشان تعيشي في حاضري بمزاجك، أو غصب عنك.”
​صخر زق ليل جوه الجناح وقفل عليها بالمفتاح الإلكتروني تانى، بس المرة دي مكنش قاصد يسجنها، كان قاصد يحميها من الرصاص اللي بدأ صوته يلعلع بره القصر.
​نزل صخر السلالم زي الإعصار، كان ماسك س..لاحه في إيده وعيونه مفيهاش غير سواد وبس. وقف ورا البوابة الحديدية الكبيرة، وشاف ابن عم ليل “منصور” ومعاه شوية بلطجية وسل..احهم في إيديهم.
​منصور (بزعيق): “طلع ليل يا صخر يا سيوُفي! البنت دي تخصنا، شرفنا مش هنسيبه لواحد زيك يلعبه بيه!”
​صخر (بضحكة باردة ومرعبة): “شرفك؟ إنت فاكر إنك بتكلم عيل صغير؟ ليل بقت مِلكي، واللي بيلمس حاجة تخص صخر.. بيتحفر قبره قبل ما يمد إيده.”
​بدأ ضرب النار، والقصر اللي كان هادي اتحول لساحة حرب. صخر كان بيتحرك ببراعة وحرفية، مكنش خايف على حياته، كان كل همه إن مفيش رصاصة واحدة تخترق الحيطة اللي ليل وراها.
​في الجناح فوق
​ليل كانت سامعة كل حاجة، كانت واقفة ورا الباب، جسمها كله بيترعش. رغم كرهها لصخر، بس حست بخوف حقيقي عليه. اكتشفت إنها رغم السلاسل والقهر، مش عايزاه يموت، مش عايزة الوحش اللي بدأ قلبه يلين يروح ويسيبها لدنيا أقسى منه بكتير.
​فجأة، ليل لمحّت حاجة في ركن المكتب.. “جهاز التحكم” في كاميرات المراقبة وفي سيستم الأبواب. افتكرت إن صخر مرة وهو سكران ساب الكود قدامها. جربت الأرقام.. “تكة” والباب اتفتح!
​ليل مخرجتش تهرب، ليل جريت على البلكونة اللي بتطل على الساحة، وشافت صخر وهو بيواجه منصور وجهاً لوجه. منصور كان موجه سل؟؟احه لقلب صخر، وصخر كان بيغير خزنة س..لاحه.
​ليل بصرخة هزت المكان: “صخخخخخر!! حاااااسب!”
​صخر رفع عينه بسرعة، شاف ليل واقفة في البلكونة، وفي نفس اللحظة منصور ضغط على الزناد. صخر رمى نفسه ورا عمود رخام، بس الرصاصة خدشت كتفه.
​لحظة الانتقام
​صخر محسبش وجعه، هو اتجنن إن ليل عرضت نفسها للخطر عشانه. قام زي الشيطان، وفي ثانية كان مفرغ خزنة سلا..حه كلها في صدر منصور والرجالة اللي معاه. المكان بقى غرقان دم، وصخر واقف في نص الساحة، هدومه الفاخرة اتبهدلت، وكتفه بينزف، بس عيونه كانت على البلكونة فوق.
​طلع صخر ليل جري، دخل الجناح لقاها واقعة على الأرض ومنهارة من المنظر. قرب منها وهو بينهج، مسكها من كتافها وهزها:
​صخر: “خرجتي ليه؟ قولتلك متخرجيش! كنتي عايزة تموتي؟”
​ليل (وهي بتمسك إيده اللي بتنزف وبتبكي): “إنت كنت هتموت يا صخر.. أنا شوفت الموت في عينه وهو بيصوب عليك.”
​صخر (بص لها باستغراب): “وإنتي مالك؟ مش إنتي قولتِ إنك بتكرهيني؟ مش الموت كان هيريحك مني ومن سجني؟”
​ليل سكتت، وبصت في عينيه اللي كانت مليانة وجع وحيرة. قربت منه وبست إيده اللي بتنزف وهمست:
​ليل: “اكتشفت إن سجني في حضنك، أهون عليا بكتير من حريتي في دنيا مفهاش صخر يحميني.”
​صخر شدها لحضنه بكل قوته، المرة دي مكنش حضن تملك، كان حضن واحد لقى روحه اللي تاهت منه من سنين.
​صخر: “أنا هسيبك يا ليل. الباب مفتوح، والسلسلة اللي في إيدك دي مفتاحها معاكي. لو عايزة تمشي دلوقتي، أنا مش همنعك.. بس لو مشيتي، خدي قلبي معاكي عشان ملوش لزمة من غيرك.”
​ليل بصت للباب المفتوح، وبصت لصخر.. وبعدين قلعت السلسلة من إيدها ورمتها على الأرض، وقالتله بكلمة واحدة غيرت مسار الرواية كلها:
​ليل: “داوي جرحك يا صخر.. عشان ورانا حياة كتير لازم نعيشها سوا.”
​بعد ليلة الدم والنار، القصر مكنش مجرد مكان محبوسة فيه، بقى هو “الحصن” اللي بيجمعهم. صخر وفى بوعده، فتح الأبواب، شال الحراسة المشددة، وبدأ يتعلم إزاي يكون “إنسان” عشان خاطر ليل.
​مرت سنة..
​القصر اللي كان غرقان في السواد والسكوت، بقى ماليان بحياة. ليل كانت واقفة في الجنينة اللي كانت زمان مهجورة، ودلوقتي بقت كلها زهور ملوّنة زي روحها. صخر خرج من القصر، لابس قميص أبيض مريح، ملامحه اللي كانت زي الحجر بقت أهدى، وعينه مفيهاش غير “نور” ليل.
​قرب منها من ضهرها وحضنها، بس المرة دي كانت ضمة حنية، مش تملك. ميل على ودنها وهمس:
​صخر: “لسه بتفكري في الهروب يا ليل؟”
​ليل (لفت وبصتله بابتسامة صافية): “أهرب أروح فين؟ هو حد يهرب من روحه يا صخر؟ إنت بقيت وطني، مش سجاني.”
​صخر طلع من جيبه علبة صغيرة، بس المرة دي مكنش فيها سلسلة ولا قيد، كان فيها خاتم رقيق جداً عليه فص ماسي بيلمع زي عيونها.
​صخر: “أنا عارف إني بدأت معاكي بغلط، وعارف إن القسوة اللي شوفتيها مني كانت صعبة.. بس النهاردة بطلب منك تبدأي معايا بجد. تقبلي تكوني حرم صخر السيوفي.. قدام ربنا والدنيا كلها؟”
​ليل عيونها لمعت بالدموع، بس دموع فرحة. هزت راسها بالموافقة، وصخر لبسها الخاتم وباس إيدها بكل احترام.
​المشهد الأخير
​في نفس الليلة، صخر أخد ليل وراحوا عند البحر. وقفوا قدام الموج، وصخر رمى مفاتيح القصر القديمة في الميه.
​صخر: “المفاتيح دي كانت بترمز للسجن.. والنهاردة البحر أخدها. إنتي حرة يا ليل، حرة بجد.. وموجودة جنبي عشان إنتي عايزة، مش عشان أنا جابرك.”
​ليل سندت راسها على كتفه وهي بتبص للقمر:
​ليل: “عارف يا صخر.. القسوة اللي في الأول هي اللي خلتني أشوف الحنية اللي جواك بجد. الصغيرة كبرت، والقاسي لَان.. والاتنين بقوا واحد.”
​صخر ضحك ضحكة صافية، ولأول مرة صوته كان ماليان راحة. شالها ودار بيها وهو بيصرخ في وش الموج:مايا خالد
“بحبك يا ليل.. يا أحلى سجن دخلته في حياتي!”
​وانتهت حكايتهم مش بكلمة “تمت”، لكن بكلمة “بدأت”.. حياة جديدة مفيهاش سلاسل، فيها بس قلبين اختاروا بعض رغم الوجع.
​تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *