فستان برتقالي جزء الاول

وهمست في ودني:

“أنا قلت لأهل العريس إنك عندك مشاكل نفسية من زمان… علشان لو قلتي أي حاجة ما حدش يصدقك.”

ساعتها عرفت إن الموضوع أكبر من فستان.

كانوا مجهزين المسرحية كلها.

أي كلمة هقولها…

هتتحسب عليا.

فقعدت ساكتة.

في آخر طرابيزة بعيد.

جنب باب المطبخ.

وبدأت أعد الدقايق علشان أمشي.

لكن قبل ما أقوم…

لقيت ست كبيرة جاية ناحيتي.

كانت جدة العريس.

ست وقورة.

وكل الناس عاملالها ألف حساب.

قعدت جنبي.

وبصتلي نظرة طويلة.

وقالت:

“إنتِ اللي كنتِ بتروحي لجدتك كل يوم في المستشفى؟”

اتجمدت مكاني.

“آه.”

هزت راسها.

وقالت:

“وإنتِ اللي دفعتي مصاريف علاجها؟”

بصيتلها بدهشة.

“حضرتك عرفتي منين؟”

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

وقالت:

“لأني من النوع اللي بيسأل ويبحث قبل ما يوافق يدخل حد لعيلته.”

في اللحظة دي…

وش أختي اتغير.

وماما قامت من مكانها بسرعة.

كأنها عرفت إن في حاجة جاية.

لكن الجدة ما بصتلهمش حتى.

فضلت مركزة معايا.

وبعدين سألت السؤال اللي خلّى القاعة كلها تسكت:

“لو أختك فعلًا مهندسة وصاحبة الشركة… ممكن تشرحلنا اسم المشروع اللي أخد عليه جايزة العام اللي فات؟”

المشكلة إن الجايزة دي… كانت جايزة التميز الهندسي عن مشروع تصميم كوبري حيوي معلق، وهو مشروع مسجل رسميًا باسمي وباسم شركتي في نقابة المهندسين، ومنشور عنه في كل الجرائد الرسمية بصورتي أنا!
​ساد صمت رهيب في القاعة. كل الأنظار اتجهت لرانيا اللي وشها اتخطف وبقى لونه أبيض زي الفستان اللي لابساه. بدأت تبرق وتبص لماما وهي بتمتم بكلام مش مفهوم: “هو.. هو مشروع.. تبع البنية التحتية.. يعني.. كوبري.. كوبري كبير يا طنط..”
​الجدة ابتسمت ابتسامة باردة كلها ثقة، وبصت لرانيا وقالتلها: “طب إيه رأيك إن المشروع ده كان كوبري معلق، واللي أشرف عليه وصممه هي المهندسة مريم اللي قاعدة هناك دي؟” وأشارت عليا بإيدها قدام عيلة العريس كلها.
​ماما حاولت تنقذ الموقف بسرعة، فجت تجري وقالت بضحكة مرتبكة: “يا فندم حضرتك فاهمة غلط، مريم أصلها.. زي ما قلت لحضرتك، تعبانة وبتتخيل حاجات مش بتاعتها، وهي اللي قايلة لرانيا الكلام ده”.
​هنا الجدة وقفت بكل وقار، وخبطت بكوباية العصير على التربيزة علشان تلفت انتباه الكل، وقالت بصوت قوي سمعه الفرح كله:
​”أنا عمري ما بظلم حد، وعيلتنا لما بتناسب، بتناسب ناس ليهم أصل وصادقين. أنا سألت وبحثت في المستشفى اللي كانت فيها المرحومة جدة مريم، وعرفت إن مريم هي اللي كانت بتدفع وبتسهر، وسألت في الشركة الكبيرة وعرفت مين المهندسة الحقيقية اللي رفعت رأس بلدها. أما التمثيل والكذب والافتراء على بنت من دمكم ورميها بالمرض النفسي عشان تداروا على فِشلكم.. فده رخص مش هنقبل بيه في عيلتنا”.
​عريس رانيا بص لها بنظرة صدمة وقرف، وقلع دبلته وحطها على التربيزة قدامها وقال: “أنا أسف يا أمي، أنا مش هكمل الجوازة دي.. اللي تكذب في أصلها ونجاحها وتظلم أختها بالشكل ده، ما تؤتمنش على بيت ولا عيال”.
​الفرح اتقلب لمناحة، رانيا بدأت تصرخ وتعيط بنهيار، وماما قعدت على الكرسي وهي مش قادرة تنطق من الصدمة والفضيحة قدام المعازيم.
​أما أنا.. فقمت من مكاني بكل هدوء وثقة. الفستان البرتقاني الواسع اللي كانوا فاكرين إنه هيصغرني في عيون الناس، بقى في اللحظة دي كأنه توب النصر. بصيت لماما ولرانيا نظرة أخيرة.. نظرة ما فيهاش شماتة، لكن فيها راحة لأني أخيرًا اتخلصت من دور “الشماعة” اللي شايلة كل حاجة وبتتهان في الآخر.
​خرجت من القاعة وأنا رافعة راسي، ولأول مرة من سنين، حسيت إني خفيفة، وإني مش مسؤولة عن إنقاذ حد مش مقدّرني. سبتهم في وسط الفوضى اللي صنعوها بإيديهم، ومشيت وأنا عارفة إن حقي رجعلي تالت ومتلت ومن غير ما أرفع صوتي حتى.
الفصل الثاني: زلزال في بيت العائلة
​خرجت من قاعة الفرح والنسيم البارد بيخبط في وشي، ولأول مرة من سنين طويلة حسيت إني قادرة أتنفس بجد. الفستان البرتقاني الواسع اللي لبسوهولي عشان يكسروني، كان بيرفرف معايا وكأنه علم انتصار. ركبت عربيتي الهاتشباك الزرقاء الجديدة، ودرتها ومشيت وأنا سامعة صدى صريخ رانيا وصدمة عيلة العريس لسه بيرن في ودني.
​طول الطريق موبايلي ما بطلش رن. مكالمات من ماما، ورسايل شتايم وتهديد من رانيا، ومكالمات تانية من قرايبنا اللي كانوا في الفرح وعايزين يعرفوا التفاصيل. قفلت الموبايل تمامًا. رحت شقتي اللي مأجراها قريبة من الشغل، دخلت أخدت دُش دافي، وغيرت الفستان اللي شهد على أكبر نقطة تحول في حياتي، ونمت نوم عميق ما دقتوش من يوم ما بابا تعب.
​تاني يوم الصبح، صحيت على خبط رزع وعنيف على باب الشقة. فتحت الباب ولقيت ماما ورانيا واقفين، ووشوشهم خالية من أي مظهر للفرحة بتاعة امبارح. رانيا كانت عينيها ورامة من العياط، ومكياج امبارح متبهدل على وشها، وماما ملامحها مرعبة من الغضب.
​دخلوا الشقة من غير استئذان، ورانيا صرخت في وشي: “ارتحتي؟ خربتي بيتي وضيعتي مني فرصة عمري! الجوازة باظت والعريس وعيلته عملوا لنا بلوكات وطردونا من الفندق امبارح والفضائح بقت على كل لسان! كل ده عشان غلك وحقدك مني!”
​بصيت لها بهدوء تام وقعدت على الكرسي: “أنا ما خربتش حاجة يا رانيا. إنتِ اللي بنيتي نجاحك على سرقة تعبي، وبنيتي برستيجك قدام أهل عريسك على حساب سمعتي وصحتي النفسية. أنا ما نطقّتش بكلمة.. جدة العريس هي اللي كشفتكم.”
​ماما اتدخلت بصوت كله قسوة: “أختك بتموت يا مريم، ومستقبلها ضاع. عيلة العريس ناس واصلين جداً، واليوم الصبح خطيبها نزل بوست رسمي بيعلن فيه فسخ الخطوبة وبيلمح لسبب الفسخ! إنتِ لازم تصلحي اللي عملتيه.”
​ضحكت بمرارة: “أصلح إيه؟ أروح أقولهم أنا مجنونة وفعلاً رانيا هي المهندسة؟”
​ماما بصت لي بنظرة غريبة، نظرة خلت جسمي يقشعر، وقالت بكلام هز كياني كله: “لو تطلّب الأمر.. آه هتقولي كده! وإلا الحقيقة القديمة اللي مخبياها عنك سنين طويلة هتطلع للكل، وساعتها مش بس رانيا اللي هتدمر.. إنتِ اللي حياتك كلها هتتهي تمامًا!”
​الحقيقة الصادمة اللي هددتني بيها ماما خلت الدم يتجمد في عروقي.. تفتكروا إيه السر الأسود اللي مخبياه العيلة عن مريم من سنين وممكن يدمر حياتها؟ التكملة في الفصل الثالث!
الفصل الثالث: السر المقبور
​وقفت مكاني مذهولة، والكلمات طلعت من بوقي بالعافية: “سر إيه ده اللي يخليني أبيع نفسي وأطلع مجنونة عشان خاطر رانيا؟”
​ماما قربت مني وعينيها فيها نظرة تحدي وقسوة عمرها ما ظهرت بالشكل ده قبل كده، وقالت بصوت واطي ومسموع: “فاكرة لما بابا تعب فجأة وسافرنا بيه برة مصر للعلاج سنين طويلة، وإنتِ كنتِ هنا بتطحني في الشغل والجامعة واللف على الدكاترة وجدتك؟”
​هزيت راسي وقلت: “أيوة.. ماله الوقت ده؟”
​قالت برهبة: “أبوكِ ما كانش عيان يا مريم.. أبوكِ كان هربان! الشركة الكبيرة اللي إنتِ شغالة فيها دلوقتي كمهندسة مدنية، هي نفس الشركة اللي أبوكِ كان شغال فيها محاسب قانوني زمان. وفي السنة اللي تعب فيها، اكتشفوا اختلاس بملايين الجنيهات، ولولا إنه هرب بمساعدتي ومساعدة ناس واصلين، كان زمانه قضى بقية عمره في السجن. الأوراق والمستندات اللي تثبت إدانته وإدانة العيلة كلها في التستر عليه لسه موجودة معايا في خزنة البيت.. ولو أنا سلمت الورق ده للشركة بتاعتك دلوقتي، مش بس اسم أبوكِ اللي هيروح في التراب.. إنتِ كمان هتطردي من شغلك وسمعتك كمهندسة هتتدمر لأنك بنته، والكل هيقول إنك دخلتي الشركة دي عشان تكملي مسيرته!”
​الصدمة لجمت لساني. أبويا اللي كنت بلف بيه وبموت نفسي عشانه، والشركة اللي بنيت فيها اسمي وتعبت في كل طوبة فيها، يطلع وراهم السيرة دي؟
​رانيا ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت: “يعني يا بشمهندسة، بكلمة واحدة من ماما، كارييرك كله هيضيع. خطيبي القديم لازم يرجعلي، وإنتِ اللي هتروحي لجدته وتقوليلها إنك كنتِ بتمر بظروف نفسية صعبة وكل كلامك كان تهيؤات.. وإلا الفضيحة هتبقى على الكل!”
​سابوني ومشوا وهم واثقين إنهم ل find اللواية اللي تكسر ضهري. قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش. هل أضحي بكرامتي وباسمي عشان أحمي سمعة أبويا الميت؟ ولا أسيبهم يهدوا كل اللي بنيته؟
​فتحت موبايلي وأنا منهارة، ولقيت رسالة مبعوتة لي على الواتساب من رقم غريب.. الرسالة كان فيها جملة واحدة خلت قلبي يقف من الرعب!
​الرسالة الغامضة دي كانت من شخص ما كنتش أتوقع أبدًا إنه يراسلني، ومحتواها قلب الطاولة تمامًا على ماما ورانيا.. تفتكروا مين اللي بعت الرسالة وإيه اللي مكتوب فيها؟ التكملة في الفصل الرابع!
الفصل الرابع: الطاولة تنقلب من جديد
​مسكت الموبايل بإيد بتترعش، وفتحت الرسالة وأنا حاطة إيدي على قلبي. الرسالة كانت من رقم مسجل باسم “المهندس شريف”.. رئيس مجلس إدارة الشركة الكبيرة اللي أنا شغالة فيها!
​المكتوب في الرسالة كان الصدمة الحقيقية:
​”المهندسة مريم، أنا عرفت باللي حصل في قاعة الفرح امبارح من قرايب لينا كانوا موجودين. بخصوص التهديد اللي والدتك بتهددك بيه عن والدك الله يرحمه وقصة الاختلاس.. أنا كنت رئيس الحسابات وقتها وعارف الحقيقة كاملة. والدك ما اختلسش مليم واحد؛ والدك كشف الاختلاس ولما رفض يزور الأوراق، تم تهديده وتلفيق القض..ية ليه من أطراف تانية، ووالدتك كانت عارفة ده كويس وضغطت عليه يهرب عشان خافت من الشوشرة. الورق اللي في الخزنة هو ورق براءة والدك مش إدانته! تعالي مكتبي بكرة الصبح ومعاكي المحامي.”
​دموعي نزلت، بس المرة دي دموع ارتياح وفخر. أبويا طلع بريء، وماما كانت بتستغل جهلي بالقصة القديمة وبتحمي رانيا بأوسخ طريقة ممكنة.
​الصبح لبست طقم شيك جدًا، ورحت لبيت ماما من غير ما أكلمها. فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي معايا، ودخلت لقيتهم قاعدين بيشربوا قهوة ومستنيين خضوعي. أول ما شافوني، رانيا ابتسمت بشماتة وقالت: “ها.. فكرتي؟ هتيجي معايا لعيلة خطيبي تقولي إنك مجنونة؟”
​بصيت لماما بثبات رهيب وقلت لها: “أنا جاية أخد ورق براءة بابا اللي في الخزنة يا أمي.. وجاية أقولك إن رئيس مجلس الإدارة بعتلي الحقيقة كاملة، وعرفني إنك كنتِ بتلعبي بيا طول السنين دي عشان تداري على ضعفك وأنانيتك.”
​وش ماما جاب ألوان، والكبابة وقعت من إيدها اتكسرت على الأرض. وقفت وهي مرعوبة وقالت: “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟”
​وقبل ما حد فيهم ينطق، موبايل رانيا رن.. بصت للشاشة وعينيها برقت، وقالت بصوت مخنوق: “ده.. ده خطيبي بيكلمني ثواني.. ألو؟”
​لكن اللي خطيبها قاله في السكة، خلى الموبايل يقع من إيدها وهي بتصرخ بصوت زلزل البيت كله!
​مكالمة الخطيب لرانيا في اللحظة دي ما كانتش مجرد عتاب، دي كانت كارثة تانية هدت فوق دماغهم كل حاجة.. تفتكروا خطيبها قالها إيه وخلاها تصرخ بالشكل ده؟ التكملة في الفصل الخامس!
يتبع

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *