>أختي جتلي نص الليل بتترعش وجسمها كله كدمات.. ولما عرفت اللي بيحصلها قررت أخاطر بكل حاجة عشان أنقذها الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل لما سمعت خبط عنيف على باب شقتي. قمت مفزوعة من النوم. مين اللي هيجيلك في الوقت ده؟ بصيت من العين السحرية واتجمد الدم في عروقي. كانت أختي "ندى". واقفة قدام الباب حافية، شعرها مبهدل، ووشها مليان دموع. فتحت بسرعة، وأول ما دخلت ارتمت في حضني وهي بتعيط بطريقة عمرها ما عيطت قبل كده. ـ الحقيني يا منى... بالله عليكي الحقيني. بعدتها عني شوية عشان أشوفها كويس. شهقت. كان فيه آثار صوابع على رقبتها. وشفت كدمة زرقا تحت عينها. ـ مين عمل فيكي كده؟ انهارت على الكنبة. ـ حماتي... فضلت باصة لها مش مستوعبة. ـ حماتك؟ هزت رأسها وهي بتبكي. ـ مش أول مرة... بقالها سنة كاملة بتعمل فيا كده. سنة كاملة! سنة كاملة وأختي ساكتة؟ كنت فاكرة إنها عايشة حياة مستقرة مع جوزها "أحمد". كنت بشوف صورهم على السوشيال ميديا. سفر. فسح. خروجات. ضحك. لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير. بدأت تحكي. وكل كلمة كانت بتشعل النار جوايا. حماتها كانت ست متسلطة بشكل مرضي. بتتحكم في كل تفاصيل حياتها. ممنوع تخرج. ممنوع تزور أهلها إلا بإذن. ممنوع تشتري حاجة لنفسها. وكل ما تحاول تعترض كانت تسمع نفس الجملة: "إنتي مالكيش قيمة.. إحنا اللي سترناكي." لكن المصيبة الأكبر إن أحمد كان سايب أمه تعمل اللي هي عايزاه. وأحياناً كان بيشاركها. فضلت أسمع وأنا حاسة إني هتجنن. وفي الآخر قلت: ـ هتقدمي بلاغ. هزت رأسها بسرعة. ـ مستحيل. ـ ليه؟ ـ محدش هيصدقني. وساعتها عرفت إن لازم أتصرف بطريقة مختلفة. في الصبح رحت عند أبويا. حكيت له كل حاجة. لكن للأسف كان مصدوم. ـ مستحيل أم أحمد تعمل كده. الكلمة دي وجعتني. لأنها نفس الكلمة اللي بتتقال لأي ضحية. مستحيل. أكيد مبالغة. أكيد سوء تفاهم. ساعتها قررت إني أجيب الدليل. بعد يومين رجعت ندى بيت جوزها. لكن المرة دي كان معاها حاجة محدش يعرف عنها. جهاز تسجيل صغير جداً. حطيناه في جيب الجاكيت. وكان شغال طول الوقت. أول يوم عدى عادي. تاني يوم بدأت الأصوات تتسجل. إهانات. شتايم. تهديدات. إذلال. وفي اليوم الثالث حصل اللي قلب الموازين كلها. حماتها قالت لها: ـ لو فتحتي بقك لأي حد هخلي أحمد يرميكي في الشارع. وكان صوت صفعة قوية واضح في التسجيل. لما سمعت التسجيل لأول مرة جسمي قشعر. لكن لسه محتاجين دليل أقوى. بعد أسبوع اتفقت مع ندى على خطوة أخيرة. أنا اللي هدخل البيت. مش هي. كنا شبه بعض بشكل كبير. ولو لبست هدومها وحطيت طرحة زيها محدش هياخد باله بسرعة. خصوصاً إن حماتها كانت نظرها ضعيف. الخطة كانت مجنونة. لكن لازم تنجح. دخلت البيت وقلبي بيدق بعنف. أول ما شافتني حماتها قالت ببرود: ـ أخيراً جيتي. كنت بحاول أتحكم في أعصابي. ـ الطريق كان زحمة. فجأة قربت مني. وبصتلي باحتقار. ـ إنتي فاكرة نفسك بني آدمة؟ قبل ما أرد نزلت كف على وشي. في اللحظة دي عرفت إن أختي كانت بتقول الحقيقة. ويمكن الحقيقة أسوأ كمان. كل خلية في جسمي كانت عايزة ترد لها الكف. لكن استحملت. عشان الخطة. عشان ندى. عشان كل الإهانة اللي عاشتها. قعدت الست تكمل. كل دقيقة كانت بتقول كلام أبشع من اللي قبله. ـ إنتي عالة. ـ أحمد غلط لما اتجوزك. ـ محدش كان هيبصلك لو إحنا ما وافقناش. وكان التسجيل شغال. بيسجل كل كلمة. كل تهديد. كل إهانة. لحد ما فقدت أعصابها فجأة. ومدت إيدها تمسك شعري. لكن المرة دي مسكت إيدها في الهوا. بقوة. اتصدمت. لأول مرة حد يوقفها. ـ سيبي إيدي. صوتها كان مرتعش. ابتسمت وأنا ببصلها. ـ خلاص يا أم أحمد. ـ خلاص إيه؟ طلعت الموبايل. وضغطت زر التشغيل. وفجأة امتلأت الأوضة بصوتها هي. وهي بتشتم. وهي بتهدد. وهي بتضرب. لون وشها اتغير. بقت عاملة زي اللي شاف شبح. ـ التسجيل ده مزور! ـ بجد؟ وفي اللحظة دي بالضبط... جرس الباب رن. مرة. اتنين. تلاتة. بعنف. هي اتجمدت. وأنا مشيت ناحية الباب بهدوء. وفتحته. كان أبويا واقف. وجنبه ظابط شرطة. ومحامية صاحبتي. وخلفهم ندى. الحقيقية. أم أحمد رجعت خطوتين لورا. كانت لأول مرة خايفة. مش مرعبة حد. خايفة. بدأت تصرخ. ـ دي مؤامرة! ـ دي كدابة! ـ دي بنت قليلة الأدب! لكن مفيش حد كان بيسمع. التسجيلات كانت بتتكلم. والحقيقة كانت أوضح من أي كلام. بعد ساعات طويلة من التحقيقات خرجنا من القسم. ندى كانت واقفة جنبي. ساكتة. كأنها مش مصدقة. أبويا قرب منها. وعينه مليانة دموع. وقال: ـ سامحيني يا بنتي. ندى بكت. وأبويا بكى. وأول مرة من سنة كاملة حسيت إن الحمل اللي فوق صدرها بدأ يخف. بعد شهور رفعت دعوى طلاق. وكسبتها. وابتدت حياة جديدة. رجعت تشتغل. رجعت تضحك. رجعت تزورنا من غير خوف. رجعت إنسانة تاني. وفي يوم وإحنا قاعدين على البلكونة بنشرب الشاي، بصتلي وقالت: ـ عارفة لو ماكنتيش صدقتيني كان زماني ضعت. مسكت إيدها وابتسمت. ـ الأخت سند يا ندى. مهما الدنيا كلها كذبتك... أختك لازم تصدّقك. بصت للسما وهي مبتسمة لأول مرة من قلبها. وساعتها عرفت إن المعركة انتهت. مش لأن الظالم اتعاقب. لكن لأن الخوف مات. والإنسانة اللي كانت مكسورة رجعت تقف على رجليها من جديد. تمت