جوزي طلقني ٣ الاخير

مر يومين اتنين بس على ليلة العزومة، كنت قاعدة في بيتي وسط أوردرات المطبخ اللي مابتخلصش، والباب رن. فتحت ولقيت **هيثم** واقف قدامي. وشه كان شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه اتمحى، وبقى باين عليه آثار البهدلة والفضائح اللي حصلت قدام معازيمه ورجال الأعمال.
بصيت له ببرود وسندت على الباب ومنعته يدخل، وقلت له بنبرة جافة:
ـ عايز إيه يا **هيثم**؟ جاي هنا ليه؟
بص حواليه بخوف ليكون حد من الجيران شايفه، وقال بصوت واطي ومكسور:
ـ أرجوكِ يا **أمنية**، خليني أدخل نتكلم دقيقتين بس.. الموضوع ميتكلّمش فيه على الباب.
سبته ودخلت الصالون وقعدت، وهو دخل ورايا ووقف مش عارف يقعد فين. أخد نفس طويل وبدأ يتكلم بسرعة كأنه بيسابق الزمن:
ـ أنا جاي وأنا عارف إني غلطت.. بس الفضيحة اللي حصلت دي هتهد كل اللي بنيته في السوق، وشركتي مهددة. أنا جاي أساومك ونقفل الصفحة دي خالص.. هديكى قرشين حلوين، وهيرجعلك دهبك اللي أخدته زمان، بس تروحي مع المحامي وتنازلي عن كل القضايا والمحاضر دي، وما تفتحيش بوقك بكلمة تانية تخصني في السوق أو قدام حد.
في اللحظة دي، الشيطان كان ممكن يوز أي واحدة تانية ترفض وتكمل في عنادها عشان تدمره، بس أنا دماغي بقت بتفكر تفكير تجاري بحت، تفكير واحدة عايزة تأمن مستقبل عيالها وتكبر مشروعها من غير وجع دماغ ومحاكم تطول سنين.
بصيت له، ورفعت حاجب وبمنتهى الثقة قعدت وحطيت رجل على رجل وابتسمت:
ـ تدينى قرشين وترجع دهبي؟ لأ يا هيثم.. أنت فاكرني لسه **أمنية** الطيبة بتاعة زمان؟ الدهب اللي أنت أخدته زمان كان بسعر ، والنهاردة جرام الدهب في السما.. لو عايزني ألم الفضيحة وأتنازل، يبقى شروطي هي اللي هتمشي، وبشروطي أنا.
بلع ريقه بتوتر وقال:
ـ شروط إيه؟ أنطقي.
ـ أولاً: دهبي هيترد تمنه كاش وبسعر النهاردة، بالملي، مش هسيب فيه جرام واحد.
ثانياً: هتدفعلي مبلغ كبير.. مبلغ محترم كتعويض عن كسر خاطرى ورمية عيالي، والفلوس دي هتدخل علطول راس مال في مشروعي عشان أكبّره.
ثالثاً وده الأهم: نفقة أولادك الشهرية تتكتب بوثيقة رسمية في المحكمة وبمبلغ يليق برجل أعمال، عشان أضمن إنهم يعيشوا في أحسن مستوى ويدخلوا أحسن مدارس، ومستقبلهم يبقى مأمن لغاية ما يكبروا.
**هيثم** حس إن الشروط تقيلة، وشه احمر وبدأ يجادل:
ـ بس المبلغ ده كتير أوي يا أمنية! أنتِ كده بتعجزيني!
وقفت وفتحت له باب الشقة بكل حسم وقلت له:
ـ مفيش حاجة تغلى على سمعتك وشركتك يا باشا.. قدامك ساعة واحدة تفكر، يا إما المحامي يكمل إجراءات الحجز والضبط، والمرة الجاية الفضيحة هتوصل لصفحات السوشيال ميديا وشركائك في السوق، وساعتها **هايدي** هانم مش هتعرف تداري وشها من الناس.
شاف العين الحمراء وعِرف إني مبقتش بخاف ولا بتهدد. وطى رأسه وقال بقلة حيلة:
ـ ماشي يا **أمنية**.. موافق. بكره الصبح الفلوس كلها هتكون جاهزة، ونروح مع المحامي نثبت النفقة ونعمل التنازل.
خرج وقفل الباب وراه، وأنا خدت نفس طويل وبصيت للسما وضحكت من كل قلبي. وافقت عشان أنا مش عايزة أنتقم لمجرد الانتقام، أنا عايزة حق أولادي وبس. بذكائي، أخدت تمن دهبي بسعر النهاردة، وأخدت مبلغ يكبر مشروعي ويخليني “افتح مطعم معروف، وضمنت لعيالي عيشة ملوك من فلوس أبوهم اللي كان عايز يحرمهم منها. الكسرة اتحولت لصفقة ناجحة، و**أمنية** خرجت من المعركة دي وهي الكسبانة كل حاجة.
ومرت السنين.. السنين اللي كانت بتجري بيا وبمشروعي لفوق، كانت بتسحب **هيثم** وبتنزله لسابع أرض.
بعد موضوع التعويض والصلح اللي تم بيننا، افتكرت إن **هيثم** ممكن يتعلم أو يفوق، بس اللي فيه طبع مبيغيروش. الفلوس والمنصب الجديد اللي وصلهم عموا عينيه تماماً، ومبقتش ست واحدة تملى عينيه. **هايدي** اللي خانني معاها وافتكرت إنها ملكت قلبه، مكملتش معاه سنة، وبدأت الخناقات بينهم تطلع للعلن لحد ما طلقها. وبعدها دخل في دوامة مابتنتهيش؛ يتجوز ويطلق، يتجوز ويطلق.. كل كام شهر يظهر مع واحدة جديدة، يصرف عليها شقا عمره وفلوس شركته عشان يثبت لنفسه إنه لسه الباشا المرغوب، والستات كانوا داخلين حياته لهدف واحد بس: ياخدوا القرشين اللي حيلته ويجروا.
أما أنا، فكنت في حتة تانية خالص. “مطبخ أمنية” مبقاش مجرد مشروع من البيت، ده بقى براند وشركة توريد أكل متميزة، وفتحت أول مطعم وكافيه باسمي، وبقيت بجهز بوفيهات لوزارات وهيئات كبرى. فلوس دهبي اللي أخدتها منه بسعر اليوم، والمبلغ التعويضي، كانوا هما البذرة اللي سقيتها بعرقي وشقايا لحد ما بقيت سيدة أعمال بجد، بشتغل بنضافة وذمة، والكل بيحلف بأدبي وشطارتي. ولادي كبروا قدام عيني، دخلوا أحسن مدارس، وربيتهم على الأصول والاعتماد على النفس، ومخلتش نفسهم في أي حاجة في الدنيا.
وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بالمطعم الرئيسي بتاعي، براجع حسابات الفروع، لقيت مدير الصالة بيدخل عليا ومحرج جداً وبيقولي:
ـ مدام **أمنية**، في راجل برة شكله تعبان ومبهدل شوية، طالب يقابل حضرتك بالاسم، وبيقول إنه معرفة قديمة ومش هيمشي من غير ما يشوفك.
قلبي دق دقة غريبة، وقولت للمدير:
ـ خليه يدخل يا متر.
الباب انفتح، ودخل شخص أنا مكنتش هعرفه لولا ملامحه اللي الزمن حفر فيها الوجع والكسرة.. كان **هيثم**.
البدلة الغالية الشيك اتبدلت بهدوم دبلانة، والسيجار والغرور اتمحوا تماماً وحل مكانهم نظرة ذل وانكسار. الدوامة اللي عاش فيها، والستات اللي صرف عليهم والمشاريع الفاشلة اللي دخلها بغباوة عشان يرضي غروره، هدّت شركته بالكامل لحد ما فلس، ومبقاش حيلته لقمة العيش، وحتى صحته خانته.
وقف قدام مكتبي، عينه مش قادرة تيجي في عيني من الكسوف، وفرك إيديه بقلة حيلة وقال بصوت مرعش:
ـ أهلاً يا **أمنية**.. زمانك بتقولي يشمت فيا، بس أنا فعلاً ضعت، وملقتش حد أروحله غيرك.. أنا جاي أطلب منك سماح، وجاي أسألك لو عندك أي شغل ليا هنا في المطعم.. أي شغلانة أعيش منها.
بصيت له وخدت نفس طويل، مكنش في قلبي شماتة، كان في قلبي حمد وشكر لربنا اللي بيجيب الحقوق ولو بعد حين. بصيت للست الغلبانة اللي كانت بتعيط في المطبخ زمان، وبصيت لنفسي دلوقتي وأنا الملكة في مكاني، وقولت في سري: “سبحان المعز المذل.. الصفر اللي استهونت بيه زمان يا **هيثم**، هو اللي واقف على رجليه النهاردة، وأنت اللي بدأت من تحت الصفر”.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *