الجزء الثاني افتحوه! ساد الذهول. ارتجفت الوجوه المحيطة بالنعش، وتجمّد الرجال الذين كانوا يحيطون به كأن الصرخة شقّت الهواء فوق المقبرة كلها. صرخ مراد بعنف أنتِ جننتِ؟! لكن خديجة أمسكت ثوبه بكلتا يديها المرتجفتين، وقد انهمرت دموعها فوق وجنتيها الشاحبتين، ثم قالت بصوتٍ متكسّر افتحوا النعش أرجوكم افتحوه. ارتبك الرجال. تراجع بعضهم إلى الخلف وهم يتبادلون النظرات القلقة، بينما ظلّ النعش ثابتًا في مكانه، ساكنًا بصورةٍ مرعبة، كأنه التصق بالأرض التصاقًا لا تفسير له. كان الهواء باردًا على غير عادة عصر الصيف. والسماء فوق المقبرة رمادية ثقيلة، بينما امتزجت رائحة التراب برائحة الكافور الخارجة من الكفن. اقترب الشيخ عبد الرحمن، إمام المسجد، وقد بدت الحيرة واضحة على وجهه. قال بهدوء اهدؤوا لا ينبغي رفع الأصوات عند الجنائز. لكن خديجة لم تستطع التماسك أكثر. وضعت يدها فوق صدرها وهي تلهث، ثم نظرت إلى الشيخ بعينين امتلأتا رعبًا وقالت والله قلبي ليس مطمئنًا هناك شيءٌ لم يُقل. ساد صمت ثقيل. حتى الأطفال الذين كانوا يقفون قرب سور المقبرة توقفوا عن الهمس. أما مراد فقد بدا وكأن أعصابه بدأت تنهار. شدّ ياقة قميصه بعنف وقال للرجال احملوه وانتهوا من هذا الجنون. تقدّم أربعة رجال مرة أخرى. أمسكوا جوانب النعش بقوة، ثم حاولوا رفعه. برزت العروق في أعناقهم. وانحنت ظهورهم من شدة الجهد. لكن النعش لم يتحرك. ولو مقدار إصبع. ارتفعت همهمات الخوف بين الواقفين. قال أحد الرجال بصوتٍ خافت أقسم بالله كأن بداخله جبل. ورد آخر وهو يقرأ المعوذتين استغفر الله العظيم أما مراد فقد احمرّ وجهه بغضبٍ متوتر. تقدّم بنفسه نحو النعش، وأمسك أحد الجوانب صارخًا ارفعوا! لكن شيئًا لم يحدث. بل بدا المشهد أكثر رعبًا حين انزلقت يداه المرتجفتان عن الخشب، وكأن النعش يسخر من محاولاته. تراجعت خديجة خطوة، ثم رفعت نظرها نحو ابنها. لأول مرة منذ سنوات شعرت بالخوف منه حقًا. قالت بصوتٍ مرتجف ماذا فعلت بها يا مراد؟ التفت إليها بعينين مشتعلتين اصمتي! لكن صوته لم يعد مخيفًا كما كان. بل بدا مرتبكًا مذعورًا. وهنا خرج صوت امرأة من بين صفوف النساء. كانت خائفة منه. التفت الجميع نحو مصدر الصوت. كانت نوال الممرضة. كانت تقف قرب شجرة سرو عند طرف المقبرة، وقد أخفت نصف وجهها بطرف حجابها الأسود، لكنها لم تعد قادرة على الصمت أكثر. تقدّمت ببطء. وكانت خطواتها وحدها كافية لتزيد ثقل الجو فوق الرؤوس. قال الشيخ عبد الرحمن ماذا تعنين؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نظرت إلى النعش قبل أن تقول قبل أن تدخل سميرة غرفة الولادة أمسكت يدي. ساد الصمت. وأكملت بصوتٍ مبحوح كانت ترتجف بشدة وقالت لي إذا متّ، فلا تتركيه يأخذ ابنتي. اتسعت عينا خديجة. أما مراد فبدا كمن ضُرب في صدره فجأة. صرخ كاذبة! لكن صوته خرج مهتزًا. نظرت إليه نوال بثبات وقالت أنت تعلم أنها قالت ذلك. اقترب الشيخ منه ببطء. وقال بصرامة أين الطفلة الآن؟ ساد صمت قصير. قصير لكنه كان كافيًا ليزرع الرعب في القلوب. ثم قال مراد بسرعة في المستشفى. لكن نوال هزّت رأسها فورًا. هذا غير صحيح. نظر الجميع إليها. فقالت الطفلة خرجت من الحضانة منذ الصباح. شعرت خديجة بأن الأرض تميد تحت قدميها. التفتت نحو ابنها ببطء، وقالت خرجت مع من؟ لم يجب. تراجع خطوة إلى الخلف. ثم خطوة أخرى. وهنا تغيّرت نظرات الرجال من الحيرة إلى الشك. قال أحدهم بحدة أجب. لكن مراد ظل صامتًا. أصبح يتنفس بسرعة، بينما راحت عيناه تتحركان بين الوجوه المحيطة به كحيوانٍ محاصر. اقتربت خديجة منه أكثر. ثم أمسكت ذراعه بقوة وهي تصرخ أين ابنة سميرة؟! ارتجف جسده فجأة. ثم دفع يدها بعنف وهو يهتف لم أكن أريد فتاة أصلًا! ساد الصمت. صمتٌ ثقيل حتى إن صوت الريح اختفى تمامًا. تجمّدت النساء في أماكنهن. وأخفض بعض الرجال رؤوسهم من شدة الصدمة. أما خديجة فقد بقيت تنظر إليه بعينين فارغتين، كأن عقلها لم يعد قادرًا على استيعاب ما تسمعه. أكمل مراد بصوتٍ متوتر كنت سأعطيها لعائلةٍ أخرى عائلة تملك المال أفضل من أن تكبر هنا. شهقت خديجة. ووضعت يدها فوق فمها وهي تتراجع إلى الخلف. قال الشيخ عبد الرحمن بغضب أتبيع ابنتك؟! مراد مرر يده فوق شعره بعصبية. ثم قال بسرعة لم أكن سأؤذيها كنت فقط سأقول إنها ماتت بعد الولادة. ارتفعت أصوات الرجال من حوله. وبدأت الوجوه تتحول إلى غضب حقيقي. أما خديجة فكانت تحدق فيه وكأنها لم تعرفه يومًا. ثم قالت بصوتٍ مكسور سميرة كانت تعرف أليس كذلك؟ ارتجفت شفتا مراد. وهنا فقط انكسر. انخفض مراد فوق التراب فجأة، وكأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. دفن وجهه بين كفيه، بينما راحت أنفاسه تخرج متقطعة بصورةٍ مخيفة. ولأول مرة منذ وفاة سميرة بكى. لكن بكاءه لم يُحرّك قلب أحد. وقف الرجال حوله بوجوهٍ قاسية، بينما بقي النعش في منتصف المقبرة، ساكنًا تحت السماء الرمادية، كأنه ينتظر الحقيقة كاملة قبل أن يُوارى التراب. اقتربت خديجة خطوة أخرى. كانت قد توقفت عن البكاء. وذلك كان أكثر ما أخاف الحاضرين. لأن وجهها بدا كوجه امرأةٍ انهار شيءٌ عظيم داخلها ولم يبقَ سوى الرماد. قالت بصوتٍ خافت تكلم. رفع مراد رأسه ببطء. كانت عيناه حمراوين، وشفته ترتجف بصورةٍ واضحة. ثم قال هي سمعت المكالمة. ساد الصمت من جديد. حتى الريح التي كانت تحرك أطراف الأشجار هدأت فجأة، وكأن المقبرة كلها تنصت إليه. أكمل بصوتٍ مخنوق كنت أتحدث مع رجل من وهران كان سيأخذ الطفلة. شهقت امرأة بين الحاضرات. أما خديجة فبقيت تحدق فيه دون حركة. وكأنها تخشى أن تسمع بقية الحقيقة. قال مراد سميرة كانت واقفة خلف الباب لم أكن أعرف. ارتجفت أنفاسه أكثر. دخلت عليّ وهي تبكي سألتني إن كنت مجنونًا قالت إنها ستهرب بابنتها بعيدًا عني. ثم أغلق عينيه بقوة وكأنه يحاول الهرب من تلك الليلة. لكن الذكرى كانت أقوى منه. قال كانت تصرخ وأنا أيضًا كنت أصرخ توقّف للحظة. ثم همس قلت لها إنني لن أسمح بأن تعيش فتاة في بيتي. ارتجفت خديجة بعنف. وشعرت وكأن الكلمات تُغرس داخل صدرها. أكمل مراد أمسكت ذراعي قالت إنها ستفضحني أمام الناس وإنها ستأخذ الطفلة حتى لو اضطرت للهرب ليلًا. ثم رفع يديه المرتجفتين ونظر إليهما طويلًا قبل أن يقول دفعتها فقط. خرجت الجملة ضعيفة. لكن وقعها كان كالصاعقة. أخفض بعض الرجال رؤوسهم. بينما شهقت النساء خلف الصفوف. أما خديجة فقد شعرت بأن الهواء اختفى من حولها. قال مراد بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه أقسم بالله ما كنت أريد قتلها سقطت فقط. بدأ صوته يعلو مع كل كلمة. ثم بدأت تتألم وبعدها نزل الدم. رفع رأسه نحو أمه بعينين غارقتين بالرعب أنا خفت. ساد الصمت. ثم أكمل بصوتٍ مكسور في الطريق إلى المستشفى كانت تمسك بطنها وتبكي لكنها لم تدعُ عليّ. أغمض عينيه وهو يبكي. كانت فقط تقول ابنتي ابنتي. شعرت خديجة بسكينٍ بارد يشق صدرها. لأنها تذكرت فجأة وجه سميرة في آخر مرة رأتها فيها. شاحبًا. خائفًا. ومليئًا برجاءٍ صامت لم تفهمه وقتها. قال الشيخ عبد الرحمن بصرامة وأين الطفلة الآن؟ ارتجف مراد مجددًا. ثم قال بصوتٍ خفيض مع الرجل. تحرك الرجال نحوه فورًا. لكن الشيخ رفع يده طالبًا منهم التراجع. اقترب من مراد وقال هل أعطيته الطفلة بالفعل؟ هزّ رأسه ببطء. أخذها صباح اليوم. شهقت خديجة وكأن أحدهم طعنها. ثم صرخت بعتها؟! أخفض رأسه ولم يجب. وكان صمته أقسى من أي اعتراف. اقتربت خديجة منه بسرعة. ثم صفعت وجهه بقوة حتى التفت رأسه إلى الجانب. دوّى صوت الصفعة في المقبرة كلها. وقالت وهي تبكي هي ماتت وهي خائفة على ابنتها منك! بدأت النساء بالبكاء بصوتٍ مرتفع. أما الرجال فراحوا ينظرون إلى مراد باشمئزازٍ وغضب. قال أحدهم اتصلوا بالشرطة فورًا. بينما أمسك آخر هاتفه بالفعل. أما مراد فظل جالسًا فوق التراب، ينظر إلى النعش بعينين ضائعتين. ثم همس لم أكن أكره سميرة. ضحكت خديجة بمرارة. ضحكة قصيرة ومكسورة. ثم قالت لو كنت أحببتها لما ماتت بهذا الخوف. أخفض رأسه من جديد. ولم يرد. اقتربت خديجة من النعش ببطء. وضعت يدها المرتجفة فوق الخشب. ثم همست والدموع تسيل بصمت سامحيني يا ابنتي أقسم لكِ والله أقسم لك أنني سأعيد طفلتك. وسأربيها أنا بنفسي حتى تكبر وتصير عروسة. كانت كلماتها تخرج بصعوبة. لكن شيئًا تغيّر بعدها. شعر الواقفون به جميعًا. ذلك الثقل الغريب الذي كان يملأ المكان اختفى. نظر الرجال إلى بعضهم بدهشة. ثم اقترب أربعة منهم بحذر. أمسكوا النعش مرة أخرى. ورفعوه. هذه المرة ارتفع بسهولة. كأنه لم يكن ثقيلًا يومًا. تراجع الرجال بصدمة. بينما أجهشت خديجة بالبكاء. وأدركت في تلك اللحظة أن سميرة لم تكن عاجزة عن الرحيل كانت فقط تتمسك بالعالم حتى تطمئن على ابنتها. تحرك موكب الجنازة أخيرًا نحو القبر. وكان صوت التراب تحت الأقدام حزينًا بصورةٍ لا تُحتمل. أما مراد فبقي جالسًا وحده وسط المقبرة. والناس تمر بجانبه وكأنه لم يعد واحدًا منهم. وفي تلك اللحظة، أدرك للمرة الأولى أن بعض الأخطاء لا يُصلحها الندم. وأن بعض الأرواح ترفض الرحيل قبل أن تنقذ أبناءها.