روايه كامله

لمحة نيوز

قبل ما تطلع وتدخل الشقة دي يا ياسين.. لازم تفهم حاجة واحدة.
إيه هي؟
صوتها بقى حاد وقوي
أنت لسه لحد دلوقتي مش فاهم أنت عملت إيه.
دخل ياسين العمارة القديمة، درجات السلم المتهالكة تحت حذائه الإيطالي الباهظ كانت تعزف مقطوعة من الندم. كل خطوة للأعلى كانت تذكره بمدى اتساع الفجوة التي حفرها بينه وبين نور بيده، ببروده، وبغروره الذي ظن أنه سترة الواقي من الحياة.
وصل أمام الباب رقم 12. تردد لثانية، يده المرتجفة ارتفعت لتطرق، لكن الباب فُتح قبل أن يلمسه. كانت تقف هناك، بملامحها التي لم يمحُ الزمن براءتها رغم قسۏة الظروف. كانت لا تزال تلك الفتاة التي أحبها، لكن ملامحها الآن تحمل صلابة لم يعرفها من قبل.
ادخل يا ياسين. قالتها وهي تفسح له الطريق ببرود مرعب.
دخل الشقة. كانت صغيرة، متواضعة، لكنها نظيفة ومرتبة بدقة متناهية. رائحة الفانيليا والكتب القديمة كانت تعبق في المكان، تناقض صارخ مع برودة مكاتبه الفخمة. رأى ألعاباً بسيطة متناثرة هنا وهناك، ورأى كراسة الرسم
التي حملها أحد التوأم في المخبز موضوعة على طاولة خشبية قديمة.
جلس على طرف أريكة بالية، بينما وقفت هي أمامه، مكتوفة اليدين، عيناها تخترقان روحه.
أنت فاكر إنك ب 5 مليون دولار تقدر تشتري راحة ضميرك؟ سألت بهدوء قاټل.
أخفض ياسين رأسه، ولأول

مرة في حياته، لم يجد كلمات للتفاوض. نور، أنا ما كنتش أعرف… قسماً بالله ما كنت أعرف إنهم ولادي.
ضحكت نور بمرارة، ضحكة جعلت جسده ينتفض. ما كنتش تعرف؟ طبعاً! لأنك ببساطة ما كنتش عايز تعرف. رميتني بكلمة طلاق في لحظة ڠضب، ومن غير ما تسأل، ومن غير ما تلتفت وراك. كان همك الوحيد كبرياؤك.. وكيف تخرج من العلاقة دي من غير ما تتأثر. أنت يا ياسين مشكلتك مش الفلوس، مشكلتك إنك طول عمرك بتشوف الناس أدوات.. حتى أنا، كنت أداة في حياتك.
نور، أنا كنت مريض بالنجاح، كنت أعمى..
قاطعته وهي تشير بيديها نحو الغرفة التي ينام فيها التوأم. أنت عارف يعني إيه تنام وأنت مش عارف هتجيب لبن بكره منين؟ أنت عارف يعني إيه توقف في طابور المستشفى، والممرضة تبص لك بشفقة لأنك أم عازبة باين عليها الفقر، وتستني دورك عشان ولدك يوصل للأكسجين؟ أنت كنت بتوقع صفقات بالمليارات، وأنا كنت بوقع على تعهدات بدفع ديون عشان أشتري حياة لولادي اللي هما في الحقيقة ولادك!
انهمرت دموع ياسين، وهو رجل العقارات الذي لم يهتز يوماً. نزل على ركبتيه أمامها، ممسكاً بطرف ثوبها الذي كان مرتقاً. أنا مستعد أعطيكِ العالم كله. أنا مستعد أتنازل عن كل شيء.. عن الشركة، عن الأموال، عشان أصلح اللي انكسر. سامحيني.. خليني بس أكون موجود في حياتهم.
صمتت نور طويلاً، ثم نظرت إلى الغرفة، ثم عادت تنظر إليه. ياسين، الحب لوحده مش كفاية عشان يرمم اللي اتكسر. اللي اتكسر هنا كان الثقة، وأنت دمرتها لما كنت محتاجة ليك أكتر من أي وقت.
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة، وخرج الطفل آدم، التوأم الذي كان يحمل كراسة الرسم. وقف يفرك عينيه بالنعاس، ونظر إلى الرجل الغريب الذي يجلس على الأرض أمام أمه.
ماما.. مين ده؟ سأل ببراءة.
تسمر ياسين في مكانه. رأى ملامحه الخاصة في وجه الطفل، رأى عينيه هو، رأى نظرة التحدي والذكاء. لم يستطع الكلام، خانته حنجرته.
تقدمت نور، حملت آدم وضمته لصدرها، ثم نظرت لياسين وقالت ده حد كان جزء من الماضي يا آدم.. حد فضل الصفقات على العيلة.
هذه الجملة كانت الصڤعة الأخيرة. نهض ياسين، ونظر إلى وجه نور الذي لم يعد يحمل له سوى الخيبة، ثم نظر إلى وجه ابنه الذي لا يعرفه. أدرك حينها أن هناك صفقات في الحياة لا يمكن شراؤها بالمال، وأن الندم هو أثقل عملة في العالم.
خرج ياسين من الشقة، نزل السلالم، وخرج إلى الشارع. وقف تحت المطر الذي بدأ يهطل بغزارة. أخرج هاتفه، اتصل بمساعده، وقال بصوت خاڤت لكنه حازم ألغِ الاجتماع.. وألغِ كل الصفقات المقررة للشهر الجاي. مش عايز أشوف وش أي مستثمر.
يا فندم، المليارات هتضيع!
المليارات راحت خلاص من زمان يا خالد.. أنا دلوقتي ببدأ صفقة تانية خالص.. صفقة استعادة روحي.
مرت السنون، ولم يعد ياسين وحش العقارات الذي يعرفه السوق. تحول إلى رجل يسير في الطرقات، يزور المدارس الحكومية، يبني مراكز طبية للأطفال الفقراء، ويتواجد في محيط حياة نور والتوأم ك ظل لا يريد إزعاجهم، لكنه لا يريد الغياب.
في عيد ميلاد التوأم الثامن، وجد آدم صندوقاً كبيراً أمام باب الشقة، بداخله تلسكوب فلكي باهظ الثمن، ومع الصندوق رسالة صغيرة مكتوب فيها للنجوم التي في عينيك.. وللكواكب التي ترسمها.. أنا موجود، وكلما نظرت للسماء، تذكر أن هناك من يراقبك بحب وفخر، رغم كل شيء.
نور، التي كانت تراقب من خلف الباب، عرفت أن ياسين تغير. لم تعد تسامحه بالمعنى التقليدي، لكنها سمحت له بالدخول تدريجياً. بدأ ياسين يحضر ألعابهم، يجلس معهم في الحديقة، يقرأ لهم قصصاً علمية، وبدأت الجدران الجليدية بينه وبين نور تذوب ببطء، ليس لأن المال عاد، بل لأن الإنسان الذي كان مفقوداً داخل ياسين، قد وُجد أخيراً بين أحضان عائلته التي استعادها قطعة قطعة.
الحياة ليست دائماً عادلة، لكنها أحياناً تمنحنا فرصة ثانية، ليس لنصلح الخطأ، بل لنعيش بصدق أكبر.. وياسين، بعد كل هذه السنين، تعلم أخيراً أن أغلى صفقة في عمره لم تكن بمليار دولار، بل كانت كلمة بابا التي نطقها ابنه لأول مرة وهو يمسك يده في حديقة عامة، دون أن يطلب منه شيئاً.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *