شيخ العرب كاملة مايا خالد

شيخ العرب وعين الغجرية بقلم روايات مايا خالد
الفصل الأول: دخول الرايحة
في قريةٍ تُدعى «الكَرْنَك»، حيث يلتقي النيلُ بالصحراء في خطٍّ مستقيم كالسيف، كان يعيش الشيخ سالم بن هجرس، شيخ مشايخ العرب في تلك النواحي. رجلٌ طويل القامة، عريض المنكبين، لحيته البيضاء تُشبه الثلج على جبلٍ، وعيناه كأن فيهما جمرًا لا ينطفئ. كان الناس يقولون عنه: «الشيخ سالم ما يضحك إلا في المنام، وما يبكي إلا على الميت قبل ما يدفن». متدينٌ صارم، يؤمّ المسجد، ويُفتي في الخلافات، ويحفظ كتاب الله عن ظهر قلب، ولا يقبل في مجلسه إلا كلامًا يرضي الله ورسوله.
في صيفٍ لاهب من صيفات الدلتا، جاءت فرقة غجر إلى الكرنك. عربةٌ ملونة تجرها خيولٌ نحيلة، وخلفها ثلاث عربات أخرى أصغر. نساء بثيابٍ قرمزية وخضراء، شعورهنّ سوداء كالليل، وحليّ من فضة تُصدر صوتًا كأنها أجراس صغيرة. رجالهم يعزفون على الربابة والناي، والأطفال يركضون حفاة يضحكون.
نزلوا عند التلّ الغربي، قرب مقام الشيخ عبد الرحمن الميت منذ مئة سنة. وضعوا خيامهم، وأشعلوا نارًا، وبدأوا يرقصون ويغنون قبل أن تغيب الشمس. البلد كلها خرجت تنظر. النساء من وراء الشبابيك، والرجال في القهوة يتهامسون:
«دول الغجر يا عمّ.. جايين يسرقوا الحديد والنحاس.»
«لا، دول بيجيبوا الفرحة وبس.. شوف الرقص يا سيدي!»
«الفرحة دي نار.. بتنحرق اللي يقرب منها.»
في اليوم التالي، جاء وفد من العمدة والمشايخ إلى الشيخ سالم في مجلسه تحت شجرة الجميز الكبيرة.
قال العمدة:
«يا شيخ.. الغجر دول لازم يمشوا. الناس خايفة على بناتها، وعلى مواشيها. وإحنا مش عايزين فتنة.»
نظر الشيخ سالم إليهم بهدوء، ثم قال بصوتٍ جهوري:
«الضيف في ذمّتنا ثلاثة أيام. بعد كده.. يروحوا في حال سبيلهم. ومحدش يتعرض لهم بسوء.. ده أمري.»
خرج الوفد، ولم يعترض أحد. كلمة الشيخ سالم قانون.
لكن في الليلة الثالثة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
كان الشيخ يصلي العشاء في المسجد، ثم خرج يتمشى على النيل كعادته. الهواء ثقيل، والقمر مكتمل. سمع صوت غناء بعيد.. صوت امرأة. لم يكن غناء الفرقة العام، بل صوت واحد، نقي، حزين، كأنه يشكو إلى القمر.
اقترب. وجد فتاة جالسة على حجرٍ كبير عند ضفة النيل. شعرها أسود طويل ينسدل على كتفيها، وعيناها – يا إلهي – عينان خضراوان كبحيرتين في وسط الصحراء، محاطتان بكحلٍ أسود كثيف. ترتدي ثوبًا أحمر داكنًا، وفي عنقها عقد فضي عليه خرز أزرق.
توقفت عن الغناء حين رأته. لم تخف، ولم تنهض. فقط نظرت إليه بنظرةٍ مباشرة، كأنها تقيس روحه.تابع روايات مايا خالد
قال الشيخ، وصوته أقرب للهمس:
«مين أنتِ؟ وإيه اللي جابك هنا لوحدك؟»
ردت بالعربية الفصحى المكسرة بلكنة غريبة:
«اسمي عَيْن. وجيت أسمع صوت النيل.. يشبه صوت أمي لما كانت تغني قبل ما تموت.»
«عين؟ غريب اسم.»
«مش غريب.. أمي قالت: عيوني هي اللي هتحميني في الدنيا دي.»
سكت الشيخ. لأول مرة في حياته يشعر أن الكلام عاجز. نظر إلى عينيها فوجد فيهما شيئًا لم يره من قبل: حرية مطلقة، وألم دفين، وحياة لم تعرف قيود المكان ولا الزمان.
قالت فجأة:
«أنت الشيخ اللي قال محدش يمسنا بسوء.. صح؟»
«أيوه.»
«ليه عملت كده؟ إحنا غجر.. الناس بتقول علينا سحرة ولصوص.»
ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة منذ سنين.
«الناس بتقول كتير.. والله وحده اللي يحكم.»
نهضت عين. اقتربت خطوتين. رائحة المسك والعنبر خفيفة جدًا. قالت:
«أنا مش هنا صدفة يا شيخ.»
«قصدك إيه؟»
«أبويا.. قبل ما يموت، قالي: روحي الكرنك. فيه حاجة هناك ليكِ. حاجة من حقك. وهتعرفيها لما تشوفي الراجل اللي عينيه فيها نار ما بتنطفيش.»
نظر إليها مذهولًا. عيناه هما اللتان فيهما النار، كما يقولون دائمًا.
قبل أن يرد، سمعوا صوت خطوات ثقيلة. جاء رجال من القرية، مصابيح في أيديهم.
«يا شيخ! الغجرية دي لوحدها معاك؟! ده عيب والله!»
تقدم الشيخ خطوة، وقف أمامهم كالجبل.
«إرجعوا بيوتكم. اللي يتكلم تاني.. هيحاسب قدامي.»
تفرقوا صامتين، لكن في عيونهم شرارة الغضب.
نظرت عين إليه وقالت بهمس:
«أنت لسه ما عرفتش السر.. بس هتعرفه قريب. ووقتها.. هتختار.»تابع روايات مايا خالد
دارت وذهبت نحو الخيام. بقي الشيخ وحيدًا على ضفة النيل، ينظر إلى انعكاس القمر في الماء، ويشعر – لأول مرة منذ أربعين سنة – أن قلبه يدق بسرعة غير معتادة.
شيخ العرب وعين الغجرية
الفصل الثاني: نار تحت الرماد تابع روايات مايا خالد
الأيام اللي بعدها كانت زي الريح اللي بتيجي قبل العاصفة: هادية بس فيها همس خطير. الغجر فضلوا في مكانهم عند التل الغربي، والناس في الكرنك بدأت تتقسم: ناس بتقول «خلّيهم يروحوا في حالهم»، وناس تانية بتزعق في القهوة «ده إحنا بنستقبل لصوص وسحرة؟ الشيخ سالم لازم يتحرك».
الشيخ سالم كان بيحاول يحافظ على هدوئه المعتاد. يروح المسجد في أوقات الصلاة، يقعد في مجلسه تحت الجميز، يسمع الشكاوى والمشاكل العادية: واحد عنده نزاع في الأرض، وواحدة مراتها ضاربها، وولد سرق تمر من جار. بس في وسط الكلام ده كله، كان عقله بيروح لوحده لضفة النيل، للصوت ده، للعيون الخضرا اللي شافها مرة واحدة بس وخلّته يحس إن الدنيا اللي عاشها طول عمره ناقصة حاجة.
في ليلة الجمعة، بعد صلاة التراويح، جلس في بيته لوحده – زوجته الأولى ماتت من سنين، والتانية راحت عند أهلها في قرية مجاورة عشان تخلف – فتح المصحف، بس الآيات كانت بتتحرك قدامه زي الموج، مش بتدخل قلبه. سمع صوت خفيف بره الباب: طرقة ناعمة، مش زي طرقة الرجالة اللي بيجوا يشتكوا.
فتح الباب. كانت عين واقفة، مغطية راسها بشال أسود، بس عيونها لمّعت تحت ضوء الفانوس.
«مين سمحلك تدخلي الحارة دي؟» سألها بصوت منخفض، مش عشان خايف، لكن عشان خايف من اللي جواه.
«محدش شافني. جيت أقولك حاجة مهمة قبل ما يحصل اللي مش هتقدر تمنعه.»
دخّلها للصالة الصغيرة، قفل الباب وراه. قعدت على حصيرة بعيد شوية، وهو قعد قصادها على الكرسي الخشب القديم.
«إيه السر اللي قلتي عليه؟» سألها مباشرة.
نظرت له طويل، وبعدين قالت بهدوء:
«أبويا كان اسمه مراد الغجري. من سنين كتير، كان بيشتغل مع رجالة من الكرنك في تجارة التمر والحبوب. في سنة مجاعة، الرجالة دول خانوا أبويا، سرقوا بضاعته، وضربوه، وسابوه يموت في الصحرا. بس هو عاش، وخبّى حاجة عندهم: وثيقة ملكية قديمة لأرض كبيرة غرب النيل، أرض كانت تحت اسم جدي، واتنقلت بالوراثة لينا. الأرض دي دلوقتي جزء من أرض العمدة وأقاربه.»
سكت الشيخ. عرف الموضوع ده من زمان بعيد، كان فيه كلام قديم عن «أرض الغجر» اللي الناس بتقول إنها ملك الشيخ عبد الرحمن، وإن الغجر جايين يطالبوا بيها. بس محدش كان بيصدق إن فيه ورق فعلاً.
«والورقة دي فين دلوقتي؟»
«معايا. مخبية في مكان محدش يعرفه. أبويا قالي: روحي الكرنك، دوري على الراجل اللي هيحميكي وهيحكم بالعدل، حتى لو كان ضد أهله.»
«وليه أنا بالذات؟»
«عشان أنت الوحيد اللي الناس كلها بتسمع كلمته، ومع ذلك ما بيخافش يقول الحق. وعشان عيونك… أبويا وصفها: نار ما بتنطفيش.»
الشيخ سالم حس إن الدم بيجري في عروقه بسرعة. وقف، مشى خطوتين، رجع قعد تاني.
«يعني إنتي جاية تطالبي بحق قانوني؟»
«أيوه. بس مش بس كده. أنا جاية عشان أشوف لو الرجالة هنا لسه عندهم ضمير، ولا الدنيا خلاص بقت فلوس وسلطة وبس.»
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات كتير بره. صوت رجالة بيتكلموا بغضب.
«يا شيخ سالم! افتح! عرفنا إن الغجرية دخلت بيتك!»
كان صوت حسين أبو الفتوح، ابن عم العمدة، ومعاه كام راجل.روايات مايا خالد
عين وقفت، وشهها شاحب شوية، لكن عينيها ما خافتش.
«أنا هطلع لوحدي. مش هخلّيك تتورط أكتر.»
«اقعدي مكانك.» قالها الشيخ بصوت حازم.
فتح الباب، وقف قدامهم زي السور.
«إيه اللي جابكم هنا بالليل؟»
حسين تقدم خطوة:
«يا شيخ، الناس كلها شافت الغجرية داخلة. ده عيب في حق العرب كلهم. إحنا مش هنسمح بكده. لازم تطردها دلوقتي، وإلا هنعمل اللي لازم يتعمل.»
الناس وراه بدأت تتكلم:
«طردوها يا شيخ!»
«دي جايبة فتنة!»
نظر الشيخ لهم واحد واحد، وبعدين قال بصوت يقطع السكون:
«اللي يدخل بيتي ضيف، والضيف في ذمتي. وأنا سالم بن هجرس ما أخونش ذمتي. إنتوا عايزين تفتحوا باب فتنة؟ افتحوه، بس هتتحاسبوا قدام ربنا وقدامي.»
سكتوا لحظة، لكن حسين قال باستهزاء:
«إنت بتحميها عشان إيه يا شيخ؟ ولا عيونها الخضرا سحروك؟»
في اللحظة دي، خرجت عين من ورا الباب، وقفت جنب الشيخ، مش خايفة.
«أنا مش محتاجة سحر عشان أكون هنا. أنا جاية بحقي، ولو فيه رجالة حق هنا، هيسمعوا الكلام ده.»
الناس صمتت، والريح اللي كانت بتهب وقفت فجأة. الشيخ سالم حس إن الدنيا كلها بتتفرج عليه: الرجالة، القمر، النيل، وحتى الله في السما.
بص لعين، وبعدين للناس، وقال:
«بكرة الصبح، في مجلس العرب تحت الجميز. هنجيب كل اللي عنده كلام، وهنسمع الحقيقة. واللي يطلع كلامه كذب، هيحاسب. وأنا هكون أول المحاسبين لو غلطت.»
دار ودخل، ساب الباب مفتوح. عين دخلت وراه، والناس تفرقت في صمت ثقيل.
لما قعدوا جوا تاني، قالت عين بهمس:
«أنت كنت ممكن تقول إني خرجت من غير ما أدخل.»
«أنا ما بكذبش.» ردّ ببساطة.
نظرت له طويل، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة أول مرة:
«أنت فعلاً الراجل اللي أبويا وصف.»
بس الشيخ ما ردّش. قعد يبص للأرض، وهو حاسس إن النار اللي في عينيه بدأت تنتقل لقلبه، وإن الاختبار الحقيقي لسه جاي.
تابع روايات مايا خالد
يتبع
شيخ العرب وعين الغجرية بقلم مايا خالد
الفصل الثالث: مجلس الجميز
الصبح جه بدري، والشمس طلعت حمراء زي الدم على ضفاف النيل. الهوا كان ساكن، والناس بدأت تتجمع تحت شجرة الجميز الكبيرة من غير ما حد يناديهم. الكراسي الخشب القديمة اتفرشت في دايرة، والرجالة قعدوا حسب رتبهم: العمدة في النص، جنبه حسين أبو الفتوح وأقاربه، وبعدين المشايخ والعمد الصغيرة، وفي الآخر الشباب والفلاحين اللي عيونهم مليانة فضول وغضب.
الشيخ سالم جه آخر واحد، مشي بخطوات ثابتة، جلابيته البيضاء نضيفة، عصايته في إيده زي السيف. وقف لحظة قدام الدايرة، بص للناس كلهم، وبعدين قعد على الكرسي اللي محدش يقعد عليه غيره.
عين جات معاه، بس وقفت بعيد شوية تحت الشجرة، مغطية وشها بشال أسود، عيونها الخضرا بتلمع زي جواهر في الشمس الصبح. محدش تجرأ يبص لها مباشرة، لكن الهمسات كانت زي النار تحت الرماد.
بدأ المجلس بكلمة العمدة، صوته عالي عشان يبان قوي:
«يا جماعة الخير، إحنا اتجمعنا النهارده عشان نحل مشكلة كبيرة. الغجر دول فضلوا أكتر من ثلاث أيام، ودلوقتي فيه كلام إن واحدة منهم دخلت بيت الشيخ سالم بالليل. ده مش بس مخالفة للعادات، ده خطر على شرفنا كلنا.»
الناس همهمت موافقة. حسين تقدم وقال:
«والأهم يا جماعة، إن الغجرية دي بتقول إن عندها ورقة ملكية لأرض غرب النيل، أرض إحنا بنزرعها من سنين. دي محاولة نصب واضحة، وإحنا مش هنسمح بيها.»
الشيخ سالم سكت لحظة، رفع إيده، والكل سكت فورًا.
«الكلام ده كله افتراضات. محدش شاف الورقة، ومحدش سمع الحقيقة من مصدرها. أنا هخلي الغجرية تتكلم بنفسها، وإنتوا تسمعوا، وبعدين نحكم.»
نظر لعين. تقدمت خطوتين، رفعت الشال شوية عشان صوتها يوصل، وقالت بصوت واضح رغم اللكنة الغريبة:
«أنا عين بنت مراد الغجري. أبويا مات وساب لي وثيقة من العهد العثماني، مختومة وموقعة، بتثبت إن الأرض اللي غرب التل – اللي بتزرعوها دلوقتي – كانت ملك جدي، واتنقلت لينا بالوراثة. أنا مش جاية أسرق، أنا جاية أطالب بحقي.»
حسين ضحك باستهزاء:
«ورقة؟ منين جابت الورقة دي؟ وإحنا بنعرف إن الغجر بيعملوا أوراق مزورة عشان يخدعوا الناس.»
عين بصت له مباشرة:
«الورقة معايا، وممكن أوريها لأي حد عنده علم بالقانون والتاريخ. بس أنا مش هوريها دلوقتي في الشارع، عشان ما تتقطعش أو تتسرق.»
الناس بدأت تتكلم مع بعضها. واحد قال: «خلّيها توريها للشيخ سالم لوحده»، وتاني قال: «لا، لازم الكل يشوف».
الشيخ سالم رفع صوته:
«كفاية. الورقة هتتقدم لمجلس العرب، وأنا هختار اثنين من المشايخ اللي عندهم خبرة في الأوراق القديمة يفحصوها. لو طلعت صح، الحق حق. لو طلعت كذب، اللي جابها هيحاسب.»
بعدين بص لعين وقال بهدوء:
«روحي جيبي الورقة دلوقتي.»
عين راحت ناحية الخيام، ورجعت بعد دقايق، ماسكة ظرف جلد قديم. سلمته للشيخ سالم بإيد مرتجفة شوية.
فتح الظرف، طلّع ورقة مصفرة، مكتوب عليها خط عربي قديم، وفيها ختم كبير. قرأها بصوت منخفض، وبعدين رفع عينيه للناس.
«الورقة دي مش مزورة على حسب معرفتي. الخط والختم زي اللي في العهد العثماني. بس لازم نفحصها كويس.»تابع روايات مايا خالد
في اللحظة دي، حسين وقف وقال بغضب:
«يعني إنت هتصدق غجرية على كلام أهلك يا شيخ؟ ده إحنا بنزرع الأرض دي من أيام جدودنا!»
الشيخ رد بهدوء بس بحزم:
«العدل مش بيفرق بين غجري وعربي. لو الحق معاها، هنعترف. ولو مش معاها، هنطردها. بس الكذب مش هيعدي.»
الناس سكتت، والتوتر زاد. الشيخ حس إن عين بتبص له بنظرة فيها شكر وخوف مع بعض. قلبه دق بقوة، وهو عارف إن القرار ده مش بس عن أرض، ده عن كل حياته اللي بناها على التقاليد والكلمة.
بعد ما خلص المجلس، فضل الشيخ جالس لوحده تحت الجميز، الورقة في إيده. عين قربت منه بهدوء وقالت:
«شكرًا إنك سمعت.»
بص لها، وعينيه فيهم نار جديدة:
«أنا مش سمعت عشانك. سمعت عشان الحق. بس… أنا خايف إن الحق ده يغير كل حاجة.»
ابتسمت ابتسامة حزينة:
«الحق دايمًا بيغير. السؤال: هتقدر تتحمله؟»
دارت ومشيت ناحية النيل، شعرها الأسود بيتراقص مع الريح. الشيخ بقي يبص لمكانها، وحس إن الدنيا اللي كان عايشها آمنة بدأت تنهار، وإن النار اللي في قلبه مش هتطفي بسهولة.
شيخ العرب وعين الغجرية
الفصل الرابع: الهمس في الظلام
الليل جه ثقيل على الكرنك، والقمر اختفى ورا غيوم سودا زي إن السماء نفسها خايفة تشوف اللي جاي. الشيخ سالم ما قدرش ينام. قعد في غرفة الضيوف الصغيرة، المصحف مفتوح قدامه على سورة يوسف، بس عينيه مش شايفة الحروف. كل ما يغمض عينيه يشوف عيون عين الخضرا، ويسمع صوتها وهي تقول: «هتقدر تتحمله؟»تابع روايات مايا خالد
في نص الليل، سمع خطوات خفيفة بره. خرج يشوف، لقى عين واقفة عند باب الحوش، ماسكة شالها بإيديها، وجهها شاحب تحت ضوء الفانوس اللي معلق.
«ما نمتيش؟» سألها بهمس.
«مش قادرة. الناس بره بيتكلموا، والريح بتوصل كلامهم. بيقولوا إنك خنت العرب عشان غجرية.»
دخلها الحوش، قفل الباب وراه. قعدوا على حصيرة تحت شجرة التوت الصغيرة. الهوا بارد، والنيل بيهمس بعيد.
«أنا مش خايف من كلامهم.» قال الشيخ، بس صوته فيه رجفة خفيفة أول مرة.
«بس أنت خايف من نفسك.» ردت عين بهدوء. «خايف إن الحب ده يخليك تنسى اللي كنت عليه طول عمرك.»
كلمة «الحب» ضربت الشيخ زي صاعقة. رفع عينيه لها ببطء، ولأول مرة ما قدرش يخبي اللي جواه.
«أنا راجل كبير يا عين. عمري تجاوز الخمسين. أنا شيخ، مؤمّن، والناس بتتبعني. إزاي أسمح لنفسي…»
ما كملش. عين قربت شوية، مش كتير، بس كفاية إن ريحة المسك اللي في شعرها وصلتله.
«الدين مش ضد الحب يا شيخ. الدين ضد الظلم والكذب. وأنت مش بتكذب على نفسك؟»
سكت طويل. بعدين قال بصوت منخفض جدًا:
«أول مرة في حياتي أحس إن قلبي بيدق مش عشان خوف من ربنا، لكن عشان خوف أفقد حاجة.»
عين مدّت إيدها، لمست كفه برفق. إيده الخشنة من شغل السنين، وإيدها الناعمة من رقص الليالي. ما بعدش إيده، بس ما قدرش يمسك إيدها كمان.
«أنا مش عايزاك تتخلى عن كلمتك ولا عن دينك.» قالت. «أنا عايزاك تكون الراجل اللي يقدر يجمع بين الحق والحب، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضده.»
في اللحظة دي، سمعوا صوت بعيد: همهمة رجالة، خطوات كتير، وصوت حد بيصرخ:
«الشيخ سالم! اطلع! الغجرية دي لازم تروح الليلة دي، وإلا هنحرق الخيام كلها!»
النار بدأت تظهر بعيد عند التل الغربي. مشاعل كتير، والناس بتزعق.
الشيخ وقف فورًا، مسك عصايته. عين وقفت وراه، عينيها مليانة خوف بس مش استسلام.
«ابقي هنا.» قالها.تابع روايات مايا خالد
«لا. ده حقي، وأنا هقف جنبك.»
خرجوا مع بعض. لما وصلوا باب الحوش، كان حسين أبو الفتوح ومعاه حوالي عشرين راجل، ماسكين عصي ومشاعل. النار عند الخيام بدأت تكبر، والغجر بيحاولوا يطفوها.
حسين صرخ:
«يا شيخ، كفاية! إحنا مش هنستنى قرار المجلس. الغجرية دي جابت الفتنة، وإحنا هننهيها دلوقتي!»
الشيخ سالم تقدم خطوة، وقف قدام الجميع، صوته جهوري زي الرعد:
«اللي يحرق خيمة ضيف في بلدي، هيحرق كرامته قبل ما يحرق حاجة تانية. وأنا سالم بن هجرس، لو حد خطا خطوة ناحية الخيام، هيواجهني أنا الأول.»
الناس ترددت. بعضهم بدأ ينزل المشاعل. حسين بص للشيخ بعيون مليانة غضب:
«إنت بتحميها عشان إيه؟ عشان حب؟ ولا عشان الورقة دي هتفضحنا كلنا؟»
الشيخ ما ردش فورًا. بص لعين اللي واقفة جنبه، بعدين للناس، وقال:
«أنا بحميها عشان هي ضيفة، وعشان الحق معاها. والورقة… الورقة هتتقدم للقاضي في المدينة بكرة. ولو طلعت حق، الأرض هترجع لصاحبها. ولو كذب، هتمشي. بس العنف ده مش هيحل حاجة.»
الريح هبت فجأة، طفّت كام مشعل. الناس بدأت تتراجع شوية شوية. حسين قال بصوت مكسور:
«ده أنت خلاص… خسرتنا يا شيخ.»
دار ومشى، والرجالة وراه. النار عند الخيام اتطفيت، والغجر بدأوا يجمعوا حاجتهم بخوف.
الشيخ رجع لعين، وقف قصادها. عينيهم اتقابلوا تحت ضوء الفانوس الخافت.
«أنت عملت اللي محدش يعمله.» قالت عين، صوتها مخنوق.
«أنا عملت اللي لازم يتعمل.» رد، وبعدين أضاف بهمس: «بس أنا عارف إن الطريق من هنا ورايح هيبقى صعب جدًا.»تابع روايات مايا خالد
مدّ إيده، مسك إيدها المرة دي بقوة. ما قالوش كلام، بس اللمسة دي كانت أقوى من أي كلام.
الليل خلص، والفجر بدأ يطلع. والشيخ سالم عارف إن الاختبار الحقيقي لسه ما بدأش.
يتبع
تابع روايات مايا خالد شيخ العرب وعين الغجرية بقلم مايا خالد
الفصل الخامس: طريق القاضي
الفجر ما كانش لسه بيطلع كويس لما الشيخ سالم قرر: لازم يروحوا للمدينة النهارده قبل ما الفتنة تكبر أكتر. جمع أوراقه القليلة، وكتب رسالة قصيرة لابن عمه اللي في المحكمة يطلب منه يجهز جلسة عاجلة. بعدين نادى على واحد من رجالته المخلصين، راجل اسمه عوض، قال له:
«جهز الخيلتين، وخد معاك راجلين تانيين. هنروح المدينة، وهنرجع بالحق واضح زي الشمس.»
عين كانت واقفة تسمع من بعيد، عينيها مليانة قلق. لما خلص كلامه، قربت وقالت:
«أنا هاجي معاك.»
«الطريق مش آمن دلوقتي. الناس غضبانة، وممكن يحصل حاجة في الطريق.»
«أنا مش هسيبك تواجه ده لوحدك. الورقة دي ملكي، والحكم ده حقي. و… أنا عايزة أكون جنبك.»
نظر لها طويل. في عيونها شاف حاجة خلّته يحس إن الخوف اللي جواه مش خوف من الموت، ده خوف من إنه يعيش من غيرها بعد كده.
«طيب. بس هتلبسي جلابية رجالي، وهتغطي وشك كويس. محدش يعرف إنك معايا في الطريق.»
لبست جلابية واسعة، وغطت راسها بعمامة، ووقفت جنبه زي واحد من الرجالة. لما طلعوا من الحوش قبل طلوع الشمس، الناس كانت لسه نايمة، بس في عيون اللي شافوهم من الشبابيك كان في شرارة غضب ما انطفيتش.
الطريق للمدينة كان ساعتين على الخيل، يعدي من حقول الذرة وبعدين يدخل في طريق صحراوي ضيق. الشمس بدأت تحرق، والغبار يطلع من تحت الحوافر. الشيخ كان ساكت معظم الطريق، بس كل شوية يبص لعين اللي ماشية جنبه، ويشوفها بتحاول تداري التعب.
في نص الطريق، وقفوا عند بئر قديمة تحت ظل نخلتين. نزلوا يشربوا. عوض ورجالته فضلوا يحرسوا بعيد شوية.
عين رفعت الغطا عن وشها شوية، وجهها محمّر من الشمس. قعدت قصاده على حجر، وقالت:
«أنت نادم؟»
«على إيه؟»
«على إنك سمعت صوتي. على إنك حميتني. على إن قلبك بدأ يحس بحاجة ما كنتش متخيلها.»
سكت. بعدين قال بصوت منخفض:
«أنا طول عمري كنت بحسب إن الرجولة هي إنك تمسك بالعادات والكلمة، حتى لو قلبك بيتقطع. دلوقتي… أنا شايف إن الرجولة الحقيقية ممكن تكون إنك تواجه اللي جواك، وتقول الحق حتى لو كان ضدك.»
مدّ إيده، مسح غبار خفيف من خدها. لمسته كانت أول لمسة حقيقية بينهم، مش مجرد صدفة. عين سابت إيده مكانها لحظة، وبعدين قالت:
«أنا خايفة عليك أكتر ما خايفة على نفسي. لو الحكم جه ضدنا، الناس هتقول إنك خسرت كلمتك عشان غجرية. ولو جه معانا… هيبقى أصعب، لأنك هتضطر تختار بين بلدك وبين…»
ما كملتش. الشيخ قرّب وشه من وشها، عينيه في عينيها.
«أنا مش هختار بين بلدي وبينك. أنا هختار الحق. ولو الحق معاكي، يبقى أنا معاكي. ولو الناس رفضت، يبقى أنا هعيش بره البلد لو لزم الأمر.»
في اللحظة دي، سمعوا صوت حوافر كتير جاية من بعيد. عوض صرخ:تابع روايات مايا خالد
«يا شيخ! ناس جاية! حوالي عشرة خيول!»
كان حسين أبو الفتوح وجماعته. جايين يمنعوهم من الوصول للمدينة. الشيخ وقف، مسك عصايته، وعين وقفت جنبه.
حسين نزل من الخيل، وقف قصادهم وقال بغضب:
«إحنا مش هنسمح إنك تروح للقاضي يا شيخ. الورقة دي هتفضح أسرار كتير، وإحنا مش هنخسر أرضنا عشان غجرية.»
الشيخ رد بهدوء:
«الأرض مش ملككم ولا ملكي. الأرض ملك اللي عنده الحق. وأنا هروح أسمع الحكم، حتى لو كان ضدي.»
حسين ضحك بسخرية:
«ضدك؟ إنت خلاص ضد نفسك يا شيخ. الناس كلها بتقول إنك اتجننت. وأنا هخلّص الموضوع دلوقتي.»
رفع عصاه، والرجالة وراه تقدموا. الشيخ رفع عصايته، وعوض ورجالته وقفوا جنبه. الجو اتوتر، والشمس بقت زي نار فوق راسهم.
عين تقدمت خطوة، وقالت بصوت عالي:
«كفاية! لو عايزين تقتلوا حد، اقتلوني أنا. الورقة معايا، والحق معايا. الشيخ ده بس بيحاول يعمل اللي صح.»
حسين بصلها بنظرة مليانة كره، وبعدين بص للشيخ:
«إنت هتدافع عنها لحد الموت؟»
الشيخ رد بدون تردد:
«أيوه. لحد الموت.»
في اللحظة دي، سمعوا صوت آخر: حوافر كتير تاني جاية من ناحية المدينة. كان مجموعة من رجالة المأمور، جايين يحموا الطريق بعد ما وصلت شكوى من قرية مجاورة عن التوتر.
حسين تراجع خطوة، الناس معاه ترددوا. المأمور نزل وقال:
«كفاية يا جماعة. الموضوع ده هيتقدم للقاضي، ومحدش هيعمل حاجة بالعافية. ارجعوا بيوتكم.»تابع روايات مايا خالد
حسين بص للشيخ نظرة أخيرة مليانة وعيد، وبعدين دار ورجع مع رجالته.
الطريق فتح تاني. الشيخ بص لعين، وعينيهم اتقابلوا في صمت طويل.
«أنت قلت لحد الموت.» همست.
«وقلتها من قلبي.» رد.
ركبوا الخيل تاني، والمدينة قربت. بس الشيخ عارف إن المعركة الحقيقية مش مع حسين ولا مع الناس، المعركة الحقيقية جواه: بين الشيخ اللي كان، والراجل اللي بقى.





