كان بيسبح في البحيرة وفجأة أخدت ملابسه وجرت و

شيطان العاصمة بقلم مايا خالد
كان يسبح في مياه البحيرة الباردة، جسده المثقل بالندوب والوشوم يقطع السطح بهدوء بينما يراقب تلاشي ضوء النهار. هنا، بعيداً عن صخب الرصاص والصفقات المشبوهة، كان يظن أنه استعاد سيطرته، لكن الغابة كانت تخفي عيناً تراقبه بدقة.
​على الضفة، ظهرت هي. “إلينا”، ابنة العدو اللدود والوحيدة التي تجرأت على الوقوف في وجهه. لم تكن تحمل سلا..حاً، بل كانت تحمل ابتسامة نصر باردة. وبحركة سريعة ومستفزة، جمعت قميصه الأسود وسلا..حه الشخصي الملقى على الصخرة.
​صاح آرثر من وسط المياه، وصوته الجهوري يتردد في أرجاء المكان بنبرة تقشعر لها الأبدان:
“إلينا، ضعي الملابس مكانها وإلا أقسم أنني سأجعل هذا الليل آخر ما ترينه.”
​توقفت، ونظرت إليه بعينين تشعان بتحدٍ جامح. رفعت قميصه إلى أنفها، واستنشقت رائحة التبغ والعطر الثمين العالقة به قبل أن تهتف:
“اليوم يا آرثر، أنت لست الزعيم الذي يرتعد له الجميع.. اليوم أنت مجرد رجل مجرد من سلطته وقماشه. سأتركك للبرد وللغابة، ولترى كيف يكون الشعور حين تُسلب منك كل أدوات قوتك.”
​استدارت وركضت بخفة نحو سيارتها المخبأة بين الأشجار، تاركة إياه خلفه في مواجهة برودة المياه وسكون الليل. ماياخالد
​بعد ساعة، وفي قصر آرثر المحصن، تسللت إلينا وهي تظن أنها حققت المستحيل بإذلال “شيطان العاصمة”. دخلت مكتبه المظلم لتضع الملابس كرسالة تحدٍ نهائية، لكن الأضواء ظلت مطفأة، والصمت كان ثقيلاً بشكل مريب.
​فجأة، شعرت ببرودة فوهة مسد..س تلامس عنقها، ويد قوية كالفولاذ تلتف حول خصرها وتجذبها نحو صدر صلب.
​همس آرثر في أذنها، وصوته كان هادئاً بشكل مرعب:
“هل ظننتِ حقاً أن قطعة قماش هي ما تجعلني آرثر؟ أنا أملك هذه الأرض، وأملك كل الطرق المؤدية إلى هنا.. والآن، أنا أملككِ أنتِ.”
​ارتجفت إلينا، ليس من الرعب فحسب، بل من جاذبية الخطر التي يشعها. التفتت لتقابله، كان يرتدي رداءً مخملياً طويلاً، وشعره لا يزال مبللاً، وعيناه تلمعان ببريق لم تره من قبل.
​قالت بتحدٍ مهزوز: “لقد رأيت عجزك في تلك البحيرة.”
​اقترب من وجهها حتى تلاشت المسافات، وقال وهو يشدد قبضته على خصرها:
“لم يكن عجزاً، بل كان طعماً. لقد تركتكِ تأخذين ملابسي لأرى إلى أي مدى ستصل شجاعتكِ.. والآن، سأسترد ثمن تلك الجرأة بطريقتي الخاصة.”
​في تلك اللحظة، أدركت إلينا أن الحرب بينهما لم تعد صراعاً على الأراضي، بل أصبحت صراعاً على من يكسر كبرياء الآخر أولاً.أطبقت الصمت على الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة. دفعها آرثر بخفة، لكن بحزم، لترتطم بظهرها على سطح مكتبه الخشبي العريض. لم يترك لها مساحة للتنفس؛ حاصرها بوضعية جسده، واضعاً يديه على المكتب من خلفها، لتبدو وكأنها سجينته الشخصية وسط هذا الظلام الدامس.
​”أنتِ تلعبين بالنار يا إلينا،” قالها بصوت منخفض، مشحوناً برغبة الانتقام والسيطرة، “وفي عالمي، من يلعب بالنار لا يحترق وحده.. بل يُجبر على العيش في رمادها.ماياخالد
​رفعت إلينا ذقنها، محاولة الحفاظ على بقايا كبريائها رغم تسارع نبضات قلبها التي كادت تخرج من صدرها. “أردتُ أن أثبت لك أنك لست إلهاً لا يُقهر. أنك رجل من لحم ودم، يمكن سرقته.. ويمكن إحراجه.”
​ضحك آرثر ضحكة مكتومة، كانت أشبه بزمجرة ذئب. “إحراجي؟ لقد جعلتِ الأمر شخصياً الآن. لم يعد الأمر يتعلق بوالدكِ أو بالديون القديمة.” مد يده ببطء، وأزاح خصلة من شعرها خلف أذنها، وملامس أصابعه الباردة جعلت قشعريرة تسري في جسدها. “لقد دخلتِ منطقة محظورة، والثمن لن يكون المال.”
​سحبت إلينا نفساً عميقاً وقالت بنبرة متحدية: “وما هو الثمن؟ هل ستقتلني؟”
​اقترب أكثر، حتى لامست شفتاه طرف أذنها، وهمس: “الموت رحمة لا تليق بجمال خطيئتكِ. الثمن هو أنكِ منذ هذه اللحظة، لن تتحركي خطوة واحدة في هذه المدينة دون إذني. لقد سرقتِ ستري في البحيرة، والآن سأسلبكِ حريتكِ.”
​فجأة، استل آرثر قيداً معدنياً صغيراً من درج المكتب، وبحركة خاطفة لم تتوقعها، قيد معصمها الأيمن بيده اليسرى.
​”ماذا تفعل؟!” صرخت وهي تحاول سحب يدها.
​”أعيد الأمور إلى نصابها،” أجاب وهو ينظر في عينيها ببرود قسري. “سوف تبقين هنا، في هذا القصر، حتى أقرر أنا أنكِ تعلمتِ الدرس. ستكونين عدوتي العزيزة.. وسجينة كبريائي.”
​نظرت إلينا إلى القيد، ثم إليه، وأدركت أن اللعبة التي بدأتها في البحيرة كنوع من المزاح الثقيل، تحولت الآن إلى قفص من الذهب والحديد. كانت تعلم أن خلف هذا الغضب، هناك شرارة أخرى تشتعل، شرارة لا تملك هي ولا هو القدرة على إطفائها.
​قالت بهمس وهي تشد القيد نحوه: “ربما قيدت يدي يا آرثر.. لكنك لا تدرك أنك الآن أصبحت مقيداً بي أيضاً.”
​ابتسم آرثر ابتسامة غامضة، ثم سحبها خلفه وهو يتجه نحو الشرفة المطلة على أراضيه الشاسعة، وكأنه يعلن للعالم أن الصيد الثمين قد وقع في الفخ أخيراً.سحبها آرثر خلفه بجفاء، وصوت احتكاك القيد المعدني يقطع سكون الممر الرخامي الطويل. كانت خطواته واسعة وواثقة، بينما كانت هي تكافح لتمشي بمحاذاته، رافضة أن تظهر بمظهر الضحية التي تُجر إلى حتفها.
​توقف فجأة أمام باب خشبي ضخم مطعم بالبرونز، فتحه ليدخلا إلى جناح غريب في تصميمه؛ كان يجمع بين الفخامة الملكية وصرامة الثكنات العسكرية. لم تكن غرفة نوم عادية، بل كانت “حصناً” داخل “قلعة”.
​أفلت القيد من يده، لكنه تركه يتدلى من معصمها، وقال وهو يشير إلى مائدة صغيرة وُضعت عليها زجاجة نبيذ عتيقة وكأسان:
“اشربي. ستحتاجين لشيء يهدئ روعكِ قبل أن نتحدث عن شروط إقامتكِ هنا.”
​نظرت إلينا إلى القيد الذي يزين معصمها كأنه سوار من العار، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصوت يقطر سما:مايا خالد
“شروط؟ هل تظن أن عائلتي ستصمت؟ ستحرق المدينة بحثاً عني.”
​اقترب آرثر منها بخطوات بطيئة، يفك أزرار رداءه العلوي ببرود، كاشفاً عن جزء من صدره الذي طُبعت عليه ندبة قديمة لرصاصة. توقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها شعرت بحرارة جسده التي بدأت تجفف بقايا ماء البحيرة عن ثيابه.
​”عائلتكِ باعتكِ منذ اللحظة التي تركتكِ فيها تأتين إلى بحيرتي وحيدة،” قالها وهو ينحني لمستواها، “هم يظنون أنكِ قتلتِني، وينتظرون الآن ردة فعلي ليقبضوا ثمن موتكِ ديةً سياسية. لكنني خيبت آمالهم.. أبقيتُكِ حية.”
​مدت يدها المقيدة وصفعته بكل قوتها. رنّ صدى الصفعة في الغرفة، لكن آرثر لم يرمش له جفن. لم يتحرك غضباً، بل قبض على فكها بأصابعه القوية وأجبرها على النظر إليه.
​”هذه الصفعة.. كانت ثمن قميصي الذي سرقتِه،” همس وصوته يزداد خشونة، “الآن، ماذا ستدفعين مقابل حياتكِ؟”
​اشتعلت عيناها بالدموع، لكنها كانت دموع غضب لا انكسار. “لن تأخذ مني شيئاً يا آرثر. يمكنك سجني، تقييدي، أو حتى قتلي.. لكنك لن تملكني أبداً.”
​في تلك اللحظة، حدث شيء غير متوقع. انحنى آرثر وقبل موضع القيد على معصمها، قبلة باردة ومستفزة، ثم نظر إليها بابتسامة شيطانية:
“لا أريد امتلاك قلبكِ يا إلينا.. أريد كسر كبريائكِ قطعة قطعة، حتى تتوسلي إليّ لأسمح لكِ بالرحيل.. وعندها، سأجبركِ على البقاء.”
​أشار بيده إلى زاوية الغرفة حيث كان هناك باب مخفي، ثم قال:
“خلف هذا الباب توجد ملابسكِ التي سرقتِها.. ارتديها. أريدكِ أن ترتدي “نصركِ” الزائف بينما تتعشرين معي الليلة. سأنتظركِ في الأسفل بعد عشر دقائق.. وإن تأخرتِ، سآتي لأحملكِ بنفسي.”
​خرج وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياها في تلك الغرفة الواسعة، مع القيد الذي يذكرها في كل حركه أنها الآن.. ملك لعدوها اللدود.نزلت إلينا الدرج الرخامي وهي ترتدي فستاناً أسوداً بسيطاً كانت قد خبأته في حقيبتها، لكن القيد المعدني لا يزال يطوق معصمها، يلمع تحت أضواء الثريات الضخمة كعلامة ملكية مشوهة. كان آرثر ينتظرها عند نهاية الدرج، ببدلة رسمية كاملة، يبدو وكأنه لم يكن منذ ساعات يسبح عارياً في بحيرة مهجورة.
​سحب لها الكرسي في قاعة الطعام الشاسعة التي لم يضئها سوى شموع طويلة، مما جعل الظلال تتراقص على الجدران مثل أشباح الماضي.
​جلس مقابلها، وبدأ يقطع قطعة من اللحم ببرود وهدوء مرعب. صمتُ المكان كان أثقل من أن يُحتمل.ماياخالد
​”كُلي،” قالها دون أن يرفع عينيه عنها، “التمرد يحتاج إلى طاقة، وأنتِ أمامكِ ليلة طويلة.”
​لم تلمس إلينا الطعام، بل سألت بنبرة حادة: “لماذا لم تقتلني في البحيرة؟ كان بإمكانك إنهاء الحرب هناك.”
​توقف آرثر عن الأكل، وضع السكين ببطء، ثم رفع عينيه السوداوين ليلتقي بنظراتها. “القتل سهل يا إلينا. القتل هو خيار الضعفاء الذين لا يستطيعون السيطرة على خصومهم وهم أحياء. أنا أريد أن أراكِ كل يوم، تتنفسين في قصري، تدركين في كل لحظة أن حياتكِ مرهونة بإشارة من إبهامي.”
​مال بجسده نحوها عبر الطاولة، حتى عكست عيناه ضوء الشموع، وقال بصوت خفيض:
“أردتِ أن تري عريي وتكسري هيبتي.. والآن، سأجعلكِ تترقبين في كل ليلة متى سأسترد كرامتي التي عبثتِ بها.”
​فجأة، رنّ جرس القصر الخارجي، ودخل أحد رجاله مسرعاً، وهمس في أذن آرثر بشيء جعل ملامحه تتصلب. نظر آرثر إلى إلينا بابتسامة غامضة، ثم وقف وتوجه نحوها.
​انحنى خلفها، ولف يده حول كتفها وهو يهمس:
“يبدو أن والدكِ أرسل رجاله.. ليس لإنقاذكِ، بل ليتأكدوا أنني قتلتكِ ليبدأوا هجومهم. ما رأيكِ أن نخرج للشرفة ونريهم أنكِ أصبحتِ الآن.. تحت حمايتي الخاصة؟”
​شحب وجه إلينا، وأدركت أن اللعبة أكبر مما تصورت. آرثر لم يكن يسجنها فقط، بل كان يستخدمها كدرع حي وكرهينة قلب الموازين في حرب المافيا.
​أمسك يدها المقيدة ورفعها أمام وجهها: “الليلة، سيعرف الجميع أن إلينا لم تعد ابنة العدو.. بل أصبحت ملكية خاصة لآرثر.”سحبها آرثر من يدها المقيدة بقوة لم تترك لها مجالاً للاعتراض، وقادها نحو الشرفة الواسعة المطلة على البوابة الرئيسية للقصر. تحت ضوء القمر الشاحب، كانت ثلاث سيارات سوداء دفع رباعي تقف بوضع الاستعداد، ورجال مدججون بالسلا..ح يصوبون أنظارهم نحو القصر.
​وقف آرثر في المنتصف، وأجبر إلينا على الوقوف أمامه مباشرة، بحيث يحيط خصرها بذراعه القوية ويضع يده الأخرى فوق يدها المقيدة، ليرى الجميع القيد المعدني وهو يلمع تحت الأضواء الكاشفة.
​صاح آرثر بصوت جهوري هزّ سكون الغابة المحيطة:
“أبلغوا سيدكم أن ابنته ليست ميتة.. لكنها لم تعد ملكاً له. هي الآن ضيفتي الدائمة، وأي رصاصة تُطلق نحو هذا القصر، ستخترق قلبها أولاً!”
​ساد صمت مميت بين الرجال في الأسفل. رأت إلينا “ماركو”، اليد اليمنى لوالدها، وهو يخرج من السيارة، كانت نظراته باردة ولا تحمل أي ذرة من الرغبة في إنقاذها؛ كان يبحث فقط عن ثغرة لبدء المذبحة.
​همست إلينا بصوت مخنوق وهي تشعر بأنفاس آرثر الحارة خلف أذنها:
“إنهم لن يتوقفوا.. والدي يفضل رؤيتي ج*ثة على أن أكون رهينة عندك.”
​شدد آرثر قبضته على خصرها، وقرب رأسه من عنقها أمام مرأى الجميع، في حركة تحمل من التملك أكثر مما تحمل من التهديد، وقال بهمس لم يسمعه سواها:
“إذن فليحاولوا.. سأحرق المدينة بمن فيها لأبقي سجانتي الصغيرة في قفصي. أنتِ الآن لستِ ابنة عدوي.. أنتِ الوحيدة التي رأتني في أضعف حالاتي، وهذا يجعل حياتكِ ملكاً لي وحدي.”
​أعطى آرثر إشارة لرجاله المنتشرين على الأسطح، فظهرت عشرات من نقاط الليزر الحمراء على صدور رجال والدها. تراجع “ماركو” ببطء نحو سيارته، مدركاً أن آرثر قد قلب الطاولة تماماً.
​عندما اختفت السيارات في عتمة الليل، لم يفلتها آرثر. بل أدارها لتقابله، كانت عيناه تشتعلان بمزيج من الغضب والرغبة المكتومة.
​”الآن يا إلينا،” قال وهو يرفع ذقنها بيده، “رحل الجميع، وبقينا أنا وأنتِ.. والقيد. هل لا تزالين تظنين أن سرقة ملابسي كانت فكرة جيدة؟”
​لم تجبه، لكن نظراتها كانت تتأرجح بين الكراهية وشيء آخر لم تستطع تسميته. انحنى آرثر فجأة وحملها بين ذراعيه رغم مقاومتها الضعيفة، واتجه بها نحو الداخل وهو يضيف ببرود:
“الليلة، سأعلمكِ أن العري الذي حاولتِ فضحي به، هو السلا..ح الذي سأستخدمه لكسر تمردكِ.”ركل آرثر باب جناحه الخاص ليغلق خلفهما بصدى مدوٍّ، ثم وضعها على قدميها لكنه لم يترك خصرها. كان التوتر في الغرفة قد وصل إلى مرحلة الغليان؛ لم يعد الأمر مجرد صراع مافيا، بل أصبح صراع إرادات محبوسة في مساحة ضيقة.ماياخالد
​نظرت إلينا إلى القيد الذي يربط معصمها، ثم رفعت عينيها إليه، وبدلاً من الصراخ أو المقاومة، سكنت تماماً. مالت برأسها قليلاً وقالت بنبرة خافتة، مغوية وخطيرة في آن واحد:
“أنت مهووس بالسيطرة يا آرثر.. لكنك تنسى أن السجان يقضي وقتاً خلف القضبان بقدر ما يقضيه السجين. أنت الآن سجين هوسك بي.”
​اقتربت منه خطوة، لدرجة أن القيد المعدني ارتطم بصدره الصلب. رفعت يدها المقيدة ومررت أصابعها على طول فكه الحاد، ملامسةً منبت لحيته الخفيفة.
“هل ستجعلني أنام بهذا القيد؟ أم أنك تخاف مما قد أفعله بيدين حرتين بينما أنت نائم؟”
​تصلبت ملامح آرثر، وصار صوته أكثر عمقاً وخشونة: “أنا لا أخاف من امرأة سرقت قميصاً، أنا أحذر من قطة تظن أن مخالبها يمكن أن تصل إلى حنجرتي.”
​ضحكت إلينا بهدوء، واقتربت أكثر حتى شعرت بنبضات قلبه المتسارعة التي خانت بروده الظاهري. “إذن أثبت ذلك.. فك هذا القيد، وواجهني كإنسان، لا كزعيم عصابة يختبئ خلف الحديد.”
​نظر آرثر إلى عينيها طويلاً، كان الصراع داخله واضحاً بين رغبته في إخضاعها وقوة انجذابه لتحديها. ببطء شديد، أخرج مفتاحاً صغيراً من جيبه. وضعه في القفل، ودارت التروس بصوت خفيف.. “تيك”.
​سقط القيد على السجادة دون صوت.
​لم تتراجع إلينا، بل استغلت تلك اللحظة من الحرية المفاجئة. وضعت يديها حول عنقه، وجذبته نحوها بقوة، لتهس في أذنه: “الآن.. بما أننا بلا قيود وبلا ملابس مسروقة.. من منا سيكسر الآخر أولاً؟”
​لم ينتظر آرثر رداً. طوق وجهها بيديه الكبيرتين وقبلها بقسوة وجنون، قبلة كانت تحمل كل غضب البحيرة، وكل صراعات المافيا، وكل الرغبة المكبوتة لسنوات بين عائلتين لم تعرفا سوى الدم.
​في تلك اللحظة، تحول الجناح إلى ساحة معركة من نوع آخر؛ حيث لا توجد رصاصات، بل أنفاس محترقة وكبرياء يتحطم مع كل لمسة. كانت إلينا تعلم أنها ربما لن تخرج من هذه الغرفة كما دخلتها، لكنها كانت مستعدة لحرق العالم معه.. أو به.
​بينما كان آرثر غارقاً في تلك اللحظة، والجنون يسيطر على حواسه، كانت إلينا تعمل بعقل بارد كالفولاذ. لم تكن قبلاتها إلا ستاراً دخانياً لعملية اغتيال أو هروب وشيكة. كانت تدرك أن جسد آرثر، رغم قوته، يمتلك نقاط ضعف لا تظهر إلا في قمة الاندفاع.
​بينما كانت يداها تعبثان بشعره، انزلقت يدها الأخرى ببطء شديد نحو كومودينو السرير، حيث رأت بريق المسد..س الفضي مخبأً تحت سترة قصيرة. كانت أنفاسها منتظمة بشكل مثير للريبة، وقلبها يدق طبول الحرب.
​تحسست أصابعها المقبض البارد. شعرت بوزن السلا..ح، وبدأت تسحبه ملمتراً تلو الآخر.
​في تلك اللحظة، توقف آرثر فجأة.
​لم يبتعد، بل دفن وجهه في عنقها واستنشق عطرها بعمق، ثم قال بهمس أجش جعل الدماء تجمد في عروقها:
“المسد..س محشو برصاص فارغ يا إلينا.. هل ظننتِ حقاً أنني سأترك سلا..حاً حقيقياً بجانب امرأة سرقت ثيابي قبل ساعات؟”
​تجمدت يدها على المقبض. رفعت عينيها لتقابله، لتجد نظرة من السخرية الممزوجة بالإعجاب القاتل في عينيه. سحب المسد..س من تحت يدها بلمحة بصر ورماه بعيداً على الأرض، ثم حاصر معصميها بيد واحدة فوق رأسها، وضغط بجسده عليها ليثبتها تماماً.
​”أنتِ مذهلة،” قالها وهو يتنفس بصعوبة، “حتى وأنتِ في حضني، تفكرين في كيفية قتلي. هذا ما يجعلكِ العدو الوحيد الذي يستحق أن أحتفظ به.”
​ضحكت إلينا بمرارة، وقالت وهي تحاول التحرر من قبضته: “لأنني أعرف أنك لو كنت مكاني، لفعلت الشيء نفسه. نحن متشابهان يا آرثر، وهذا ما يجعل بقاءنا في غرفة واحدة فكرة انتحارية.”
​اقترب من شفتيها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صوته يحمل وعداً صادقاً ومظلماً:
“إذن لنمت انتحاراً الليلة. سأعطيكِ المفتاح، وسأعطيكِ السلا..ح، وسأعطيكِ ظهري.. وسنرى إن كنتِ تملكين الشجاعة لتنهي ما بدأناه، أو إن كنتِ ستستسلمين لهذا الحريق الذي يلتهمنا نحن الاثنين.”
​أرخى قبضته عن يديها، وترك لها حرية الحركة تماماً، ووقف أمامها بصدير عارٍ، متحدياً إياها أن تختار: الهرب، القتل، أو الاستسلام لهذا العشق الأسود الذي بدأ من بحيرة وانتهى بقفص لا قضبان له.نظرت إلينا إلى المسد..س الملقى على الأرض، ثم نظرت إلى صدره العاري المليء بالندوب التي تحكي تاريخاً من الحروب التي خاضها وانتصر فيها. شعرت بضعف في ركبتيها، لكنه لم يكن ضعف الخوف، بل كان ثقل الانجذاب لرجولته الطاغية وقوته التي لا تُكسر.
​لم تمد يدها نحو السل..اح. وبدلاً من ذلك، نهضت ببطء حتى أصبحت في مواجهته مباشرة، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس متمردة. رفعت يدها، وبدلاً من صفعه أو خنقه، وضعت كفها على موضع قلبه، وشعرت بنبضاته القوية التي كانت تقرع كطبول الحرب.
​”الرصاص الفارغ لا يقتل يا آرثر،” همست بصوت مبحوح وهي تقترب أكثر، “لكن ما تفعله بي الآن.. هو قتل بطيء من نوع آخر.”
​ابتسم آرثر ابتسامة جانبية مظلمة، ولف ذراعه حول خصرها ليرفعها إليه، محطماً كل المسافات المتبقية. “إذن اختاري موتكِ يا ابنة أعدائي. هل تريدينه غرقاً في مياحي، أم حرقاً في نيراني؟”
​لم تمنحه إجابة بالكلمات. جذبت رأسه إليها بعنف وتلاقت شفاههما في قبلة كانت بمثابة توقيع على معاهدة استسلام متبادل. لم تعد هناك عائلات، ولا ثأر، ولا ملابس مسروقة.. كان هناك فقط “آرثر وإلينا” في مواجهة العالم الذي سيحترق غداً حين يعلم بتحالفهما المحرم.
​في تلك الليلة، وفي ذلك الجناح المظلم، سقطت آخر حصون الكبرياء. كانت إلينا تدرك أنها لم تعد سجينة القيد المعدني، بل أصبحت سجينة الرجل الذي استطاع أن يرى روحها العارية خلف قناع القوة. أما آرثر، فقد أدرك أن المرأة التي سرقت ملابسه، قد سرقت معها شيئاً لم يكن يظن أنه يملكه: قلبه المظلم.تسلل خيط رفيع من ضوء الفجر عبر ستائر الشرفة الثقيلة، ليرسم خطاً ذهبياً على جسديهما المنهكين. استيقظت إلينا لتجد نفسها محاصرة بين ذراعي آرثر القويتين، وكان القيد المعدني ملقىً على الأرض بجانب المسد..س الفضي، وكأنهما مخلفات حرب انتهت بهدنة هشة.
​نظرت إلى وجهه وهو نائم؛ كان يبدو أقل قسوة، لكن يديه اللتين كانتا تحتضنان خصرها حتى في نومه، تخبرانها أنه لن يتركها ترحل أبداً.
​تحرك آرثر ببطء، وفتح عينيه السوداوين اللتين استعادتا حدتهما فور رؤيتها. لم يقل “صباح الخير”، بل شدد قبضته عليها وهمس بصوت مثقل بالنوم والرجولة:
“هل كنتِ تفكرين في الهرب مجدداً بينما أنا نائم؟”
​أمالت رأسها على صدره وقالت بهدوء غير معهود: “إلى أين سأهرب؟ العالم في الخارج يريد دمي، وأنت الوحيد الذي يريد امتلاكه. الخيارات ضيقة يا آرثر.”
​فجأة، قطع سكون الغرفة صوت طرقات عنيفة على الباب، وصوت “ليون”، ذراع آرثر الأيمن، يصيح بقلق:
“سيدي! والدها.. إنه ليس عند البوابة. لقد فجر مستودعاتنا الشمالية، والآن هو يتجه إلى هنا بمدرعات. إنه لا يريد استعادتها.. إنه يريد محو القصر بمن فيه!”
​قفز آرثر من السرير بسرعة الفهد، وارتدى رداءه الأسود وهو يتناول سلا..حه الحقيقي هذه المرة من درج سري. نظر إلى إلينا التي كانت تجلس والذعر يلوح في عينيها.
​اقترب منها، وأمسك وجهها بكفيه بقوة، وقال وعيناه تشتعلان ببريق المافيا المرعب:
“لقد اختار والدكِ الحرب الشاملة. ظن أنني سأقتلكِ، وحين علم أنكِ معي، قرر أن يضحي بكِ ليقضي عليّ.”
​ارتدت إلينا ملابسها بسرعة وهي ترتجف: “ماذا ستفعل؟ماياخالد
​سحبها خلفه وهو يفتح خزانة الأسلحة المخبأة خلف الجدار، وأعطاها مسد..ساً حقيقياً هذه المرة:
“سأعطيكِ خيارين؛ إما أن تختبئي في القبو وتنتظري من سينتصر لتكوني جاريته، أو تقفي بجانبي في الشرفة، ونريهم أن “العدوة” التي أخذت ملابسي في البحيرة.. هي الآن ملكة المافيا التي ستحكم هذه المدينة معي.”
​نظرت إلينا إلى السلا..ح في يدها، ثم إلى الرجل الذي كسر كبرياءها في ليلة واحدة. مسحت دمعة هاربة من عينها، وعمرت السلا..ح بصوت ميكانيكي حاد.
​”أنا لا أختبئ في الأقبية يا آرثر،” قالت بنبرة تقطر تحدياً، “لقد سرقتُ ثيابك بالأمس.. واليوم سأسرق معك أرواح من يظنون أننا ضعفاء.”
​ابتسم آرثر ابتسامة لم ترها من قبل، ابتسامة فخر مظلم، وفتح باب الجناح لينطلقا معاً نحو ساحة القصر، حيث كان الرصاص قد بدأ يعزف لحن الموت الأول، معلناً بداية عهد جديد لثنائي لا يعرف الرحمة.
​انفجرت البوابة الخارجية للقصر بدويّ هائل، وتصاعد دخان أسود كثيف غطى السماء الفجرية. تقدمت المدرعات التابعة لوالد إلينا، “الدون فكتور”، وكأنها وحوش معدنية تلتهم الطريق الرخامي.
​وقف آرثر وإلينا على الشرفة العلوية، الريح تعبث بشعرهما، والرصاص يتطاير حولهما كالمطر. كان آرثر يطلق النار ببرود أعصاب قاتل، بينما كانت إلينا تقف بجانبه، تستخدم السلا..ح الذي أعطاها إياه بدقة أذهلته؛ لم تكن مجرد ابنة زعيم مدللة، بل كانت ذئبة تربت في عرين الأسود.
​”انظري!” صاح آرثر وهو يشير نحو السيارة المركزية، “والدكِ لا يريدكِ يا إلينا، إنه يوجه المدافع نحو الجناح الذي كنا فيه!”
​وبالفعل، قذيفة مدفعية اصطدمت بالجدار الجانبي للغرفة التي شهقت أنفاسهما قبل ساعات، لتحولها إلى حطام. أدركت إلينا في تلك اللحظة أن كل روابط الدم قد انقطعت؛ والدها قرر قتلها ليمسح “عار” وقوعها في يد عدوه.
​صاحت إلينا وسط ضجيج الانفجارات: “آرثر! إذا سقطت البوابة الداخلية، فسننتهي! اتبعني، هناك ممر سري تحت النافورة، يمكننا الالتفاف خلفهم!”
​نظر إليها آرثر للحظة، كان يعلم أن الوثوق بها في وسط هذه المعركة قد يكون انتحاراً، لكنه رأى في عينيها غضباً يفوق غضبه. أومأ برأسه، وقفزا معاً من الشرفة نحو الحديقة الخلفية، يتحركان كخيالين أسودين وسط النيران.
​عند النافورة المحطمة، فتحت إلينا آلية سرية، ودخلا في نفق مظلم يفوح برائحة الأرض والبارود. كان النفق ضيقاً، مما أجبرهما على الالتصاق ببعضهما البعض.
​”لماذا تساعدينني؟” همس آرثر وهو يحشو مخزن سلا..حه، “كان بإمكانكِ تسليم نفسكِ لهم.”
​توقفت إلينا ونظرت إليه، ووجهها ملطخ ببارود الرصاص: “لقد قلتَها بنفسك.. هم أرادوا قتلي. أنت الوحيد الذي جعلني أشعر أنني حية، حتى وأنا مقيدة. اليوم، سنحرقهم جميعاً.”
​خرجا من نهاية النفق ليكونوا خلف خطوط الهجوم تماماً. كان “الدون فكتور” يقف خارج سيارته، يصرخ بأوامر القتل. تسلل آرثر كظله، وبينما كان رجال فكتور يوجهون نيرانهم نحو القصر الفارغ، كان آرثر يضع فوهة مسد..سه على رأس الدون من الخلف.
​تجمد الجميع. ساد صمت مفاجئ لم يقطعه إلا صوت خطوات إلينا وهي تخرج من الظلام، تقف بجانب آرثر، وتصوب سلا..حها نحو “ماركو”، اليد اليمنى لوالدها.
​”ابنتي..؟” تمتم فكتور بذهول ورعب، “كيف ما زلتِ على قيد الحياة؟”
​ردت إلينا بصوت بارد كالثلج: “لقد متُّ في البحيرة يا أبي، حين تركتني وحيدة. والآن، أنا هنا لأشهد ولادة عهد جديد.”
​نظر آرثر إلى فكتور، ثم إلى إلينا، وقال بنبرة آمرة: “القرار لكِ يا ملكتي. هل ننهي الأمر هنا، أم نتركهم يرحلون ليعيشوا في ذل الهزيمة؟”
​نظرت إلينا إلى والدها، ثم إلى آرثر، وابتسمت ابتسامة مظلمة وهي تضع يدها على يد آرثر التي تمسك الزناد.لم تتردد إلينا، بل وضعت كفها فوق يد آرثر، وضغطت معه على الزناد في آن واحد. انطلقت الرصاصة لتنهي عهد “الدون فكتور” وإلى الأبد، وسقط جسده وسط ذهول رجاله الذين ألقوا أسلحتهم فوراً؛ فلا أحد يجرؤ على مواجهة “الشيطان” وابنة الزعيم التي اختارت أن تكون شريكته في الجحيم.
​ساد صمت جنائزي، قطعه صوت آرثر وهو يلتفت نحو “ماركو” وبقية الحرس:
“من يريد اللحاق به فليتقدم.. ومن يريد العيش، فليركع لملكته الجديدة.”
​واحد تلو الآخر، جثا رجال المافيا الأقوياء على ركبهم في تراب الساحة الملطخ بالدماء، ليس خوفاً من آرثر وحده، بل احتراماً لتلك المرأة التي وقفت وسط النيران ولم تنكسر.
​اقترب آرثر من إلينا، وبلمسة رقيقة غير متوقعة، مسح بيده أثر البارود عن وجنتها. ثم انحنى أمام الجميع، وأمسك يدها التي كان يطوقها القيد منذ ساعات، وقبّلها بعمق.
​”لقد سرقتِ ملابسي في البحيرة،” همس لها والابتسامة المظلمة تعود لشفتيه، “ثم سرقتِ قلبي في القصر.. والآن، سرقتِ عرش هذه المدينة.”
​نظرت إلينا إلى الدمار من حولها، ثم إلى الرجل الذي أصبح قدرها، وقالت بنبرة واثقة:
“أنا لم أسرق شيئاً يا آرثر.. أنا فقط استعدتُ ما يخصني. وأنت.. أنت أغلى ممتلكاتي الآن.”
​عادوا إلى القصر معاً، بينما كانت الشمس ترتفع لتكشف عن فجر جديد. لم يعد هناك عدو، ولم يعد هناك قيد؛ بل تحالف أسود وُلد من رحم الخيانة والشهوة، تحالف سيجعل العالم يرتعد كلما ذُكر اسماهما.
​بينما كانا يصعدان الدرج المحطم، توقف آرثر وسحبها إليه هامساً:
“أتعلمين.. لا أزال أفكر في تلك البحيرة. ربما علينا العودة إليها يوماً ما، لكن هذه المرة.. سأكون أنا من يسرق ملابسكِ.”
​ضحكت إلينا، وكانت ضحكة تحمل انتصار امرأة لم تعد تخشى الظلام، لأنها أصبحت هي والظلام شيئاً واحداً.
​النهاية.مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *