ضيفة القاسم مايا خالد

مايا خالد
الوردة المسمومةج2
صحيت وأنا بنهج، قلبي بيدق بسرعة غريبة كأني كنت بهرب من حد في كابوس. فتحت عيني واحدة واحدة، كنت مستنية أشوف أوضتي العادية.. بس اللي شفته كان صدمة. حيطان متزخرفة بالدهب، وسرير واسع زيادة عن اللزوم، وريحة مكان غريبة.. ريحة عالم مش بتاعي.
قمت مفزوعة ووقفت قدام المراية.. واتجمدت.
اللي بصالي دي مش أنا!
شعر أشقر فاتح، عينين زرقا باردة، وملامح جميلة جمال يرتعش منه القلب.. ملامح قاسية.
الاسم ضرب في دماغي زي الطلقة: “إلين الغاندور”.
دي بطلة الرواية اللي كنت لسه قراياها “ضيفة القاسم” الوردة المسمومة بقلم مايا خالدهتلاقوها حصري أسألوني في تعليقات.. بس ماكنتش البطلة الطيبة، دي كانت “الشريرة” اللي الكل بيكرهها، واللي نهايتها كانت معروفة ومكتوبة في الصفحة الأخيرة: رقبتها هتتطير على إيد “القاسم”، رئيس العاصمة اللي مبيعرفش يعني إيه رحمة.بعد كام يوم، قررت أخرج من القصر عشان أفهم الدنيا ماشية إزاي. لبست لبس بسيط وحطيت شال على راسي عشان محدش يعرفني. بس العاصمة كانت زحمة ومتاهة، وفي لحظة تهت ودخلت في زقاق ضيق وضلمة.
من التوتر خبطت في حد.. جسم صلب زي الحيطة. الشال وقع من على راسي، وحسيت إن الدنيا وقفت. رفعت عيني ولقيت قدامي راجل طويل، ملامحه حادة زي السيف، وعينيه سودا فيها نظرة تخوف وتخطف في نفس الوقت.
مد إيده وساعدني أقوم، وقال بصوت واطي وتقيل: “خلي بالك..”.
شكرته بهزة راس سريعة وجريت، قلبي كان بيدق بعنف وكأني كنت مراقبة. مكنتش أعرف وقتها إن الشال وقع مني وفضل في إيده.. الشال اللي مطرز عليه بخيط فضي اسمي: “إلين”.رجعت القصر وأنا حاسة بضيق تنفس. أول ما قفلت باب أوضتي اكتشفت إن الشال ضاع.. الشال اللي عليه اسمي!
فتحت الرواية بسرعة أدور على وصف “القاسم”، وأول ما قريت ملامحه، قلبي وقع في رجلي.
هو.. هو نفس الراجل اللي في الزقاق! هو اللي شافه السواد اللي في عينيه هو نفسه اللي مكتوب إنه هيقتلني.
تاني يوم، لقيت ورقة محطوطة على تسريحة أوضتي من غير إمضا:
”الشال عندي.. والغلطات الصغيرة ثمنها غالي.”من اللحظة دي، فهمت إن الهروب مش حل، وإن “القاسم” بدأ يراقبني فعلاً.
لو فضلت “إلين” الشريرة المتغطرسة، نهايتي هتكون نفس نهاية الرواية.
قررت أغير اللعبة:
بدأت أغير طريقتي مع الخدم والحراس، بقيت هادية وكلامي قليل، والغرور اللي كان مالي “إلين” اختفى.
بقيت أراقب كل حاجة في القصر، مواعيد الدخول والخروج، ومين بيوصل أخبار لمين.
لو هو فاكر إنه بيلاعب القطة والفار، فـ أنا عارفة القصة دي هتخلص إزاي، ولازم أغير القفلة لمصلحتي.
القاسم وصل العاصمة، والشال اللي معاه بقى هو الخيط اللي رابطه بيا. المواجهة جاية جاية، بس المرة دي أنا مش “إلين” الضحية اللي في الرواية.. أنا واحدة تانية خالص.الجو في القصر بقى مشحون، وكل نظرة من الحراس كنت بحس إنها سهم موجه ليا. كان لازم أتحرك قبل ما هو اللي يتحرك.
مر يومين، وفي اليوم الثالث، والدي طلبني على الغدا. والد إلينور كان راجل مهيب، كلمته سيف، وفي الرواية كان بيحب بنته بس كرهه لأفعالها وشرها خلاه يتخلى عنها في الآخر قدام القاسم.
دخلت القاعة الكبيرة، كان قاعد والبرود مالي ملامحه.
إلين، جهزي نفسك. النهاردة فيه اجتماع مهم في القصر الرئاسي، ورئيس العاصمة القاسم طالب حضورنا.
اللقمة وقفت في زوري. القاسم؟ والاجتماع النهاردة؟ ده معناه إنه مش بس لقى الشال، ده قرر يسحبني لملعبه.
وصلنا القصر الرئاسي. المكان كان عبارة عن فخامة مرعبة، حراس في كل حتة، وعيون بتراقب الصغير قبل الكبير. دخلنا القاعة الرئيسية، وفجأة الصوت سكت.. الكل وسع طريق.
من بعيد شفته.. كان لابس اللبس الرسمي الأسود، هيبته كانت طاغية على المكان كله. “القاسم”.
عينيه جت في عيني، وميل راسه بابتسامة خفيفة متبانش غير للي مركز.. ابتسامة واحد لقى فريسته.
والدي قدم التحية، وأنا وقفت بكل ثبات، حاولت أفتكر كل دروس “البروتوكول” اللي قريتها في الرواية.
”أهلاً بيك يا سيادة القاسم،” قلتها بصوت ثابت وهادي، عكس العواصف اللي جوايا.
القاسم قرب خطوة، وصوته الرخيم اللي سمعته في الزقاق رجع يتردد في وداني:
”أهلاً يا آنسة إلين.. غريبة، العاصمة كانت زحمة اليومين اللي فاتوا، ومع ذلك خيل لي إني شوفت ملامحك في مكان ما.. بس كان ناقصها حاجة.”
قلبي دق بعنف، سكت لثانية وكمل وهو بيطلع حتة قماش من جيبه:
”كان ناقصها الشال ده.. وقع من ‘صاحبته’ في زقاق ضلم، ومكتوب عليه اسم غالي أوي.”
القاعة كلها سكتت، والدي بصلي باستغراب، والناس بدأت تهمس. لو اعترفت إني كنت في الزقاق لوحدي بالليل، سمعتي كآنسة أرستقراطية هتتدمر، ولو أنكرت، هبقى كدابة قدام الراجل اللي ماسك رقبة المدينة.
بصيت للشال، وبعدين بصيت في عينيه مباشرة.. مابينتش خوف، بالعكس، رسمت على وشي ابتسامة رقيقة:
”فعلاً يا سيادة القاسم، ده شالي. كنت بعته مع واحدة من الخدم للفقراء في المنطقة دي، بس الظاهر إنها كانت مهملة وضيعته.. وأنا كنت لسه هعاقبها.”
قربت منه خطوة، ومديت إيدي عشان آخد الشال، ولمست أطراف صوابعه “بالقصد”. حسيت بكهربا في المكان كله.
”شكراً إنك اهتميت بحاجة تخصني لدرجة إنك تحتفظ بيها وتجيبهالي بنفسك.”
عينه اتسعت لثانية.. مكنش متوقع الرد ده. في الرواية، إلين كانت بتخاف منه أو بتصرخ فيه بغرور، لكن الهدوء والثبات ده كان جديد عليه.
قبل ما يمشي، مال على ودني وهمس بحيث محدش يسمع غيري:مايا خالد
”تمثيلية كويسة.. بس الخدم بتوعك مش بيحطوا برفيوم غالي وزي بتاعك يا آنسة إلين. اللعبة لسه في أولها.”
سابني ومشي، وأنا وقفت مكاني بحاول أثبت رجلي. هو عرف إني كنت هناك، وعرف إني بكذب، بس الأهم.. إنه بدأ “يهتم”.
رجعت القصر وأنا عارفة إن الحرب النفسية بدأت. بالليل، لقيت ورقة تانية محطوطة جوه الشال اللي رجعته:
”الوردة المسمومة بتبان من ريحتها.. استعدي، لأن الزيارة الجاية هتكون في بيتك.”الرسالة كانت واضحة، القاسم مش بس بيراقب، ده قرر يدخل “عشي” ويواجهني في مكاني. الخوف كان هيشلني، بس افتكرت إن إلين اللي في الرواية ماتت عشان كانت “مكشوفة”، غبية في شرها، ومتهورة. أنا لازم أكون “اللغز” اللي هو مش عارف يحله.
مر يومين، وفي اليوم الثالث، القصر اتقلب. الخدم بيجروا في كل حتة، والدي الدوق لابس أفخم هدومه، والتوتر مالي الجو.
“القاسم وصل.”نزلت السلم ببطء، كنت لابسة فستان أسود بسيط بس راقي، ملامحي هادية جداً وكأني مش فارق معايا حاجة. دخلت الصالون الملكي، لقيته قاعد مع والدي، حاطط رجل على رجل بكل ثقة، وكأنه هو صاحب البيت مش ضيف.
أول ما عينه جت عليا، وقف. النظرة اللي في عينيه كانت غريبة، فحصني من فوق لتحت وكأنه بيقرأ كتاب.
”الآنسة إلين.. نورتي المكان،” قالها بصوته اللي بيعمل رعشة في الأعصاب.
والدي اتكلم بفخر: “إلين اتغيرت كتير يا قاسم، بقت بتهتم بشؤون القصر أكتر، والهدوء ده جديد عليها.”
القاسم ابتسم ابتسامة جانبية باردة: “فعلاً.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة دايماً بيبقى جذاب.”الديوان خلص، والدي اضطر يخرج يكلم قائد الحرس، وسابنا لوحدنا لثواني. القاسم قام ووقف قدام الشباك، ومن غير ما يلف بصلي وقال:
”خطة ‘البنت الرزينة’ لايقة عليكي.. بس مش ماشية مع الشخصية اللي أعرفها عن إلين الغاندور. إنتي بتخططي لإيه؟”
قربت منه لغاية ما بقيت وراه بالظبط، وقلت ببرود:
”بخطط إني أعيش.. ده طموح مشروع، ولا سيادتك عندك رأي تاني؟”
لف ليا فجأة، وبقينا قريبين جداً. لدرجة إني شفت انعكاس صورتي في سواد عينيه.
”اللي بيخاف على حياته مش بيمشي في زقاق ‘الموت’ بالليل.. ولا بيكذب في وش رئيس العاصمة.”
طلعت منديل صغير مطرز، ومسكت طرف إيده وحطيت المنديل فيها:
”واللي بيدور على الحقيقة، مش بيستنى رسالة من شال ضايع. لو عايز تعرف أنا مين، راقبني.. بس خلي بالك، اللي بيراقب الورد بياخد باله من الشوك في الآخر.”سابني وهو باصص للمنديل بذهول خفيف، كأنه مش مصدق إن فيه حد بيتحداه بالجرأة دي. بس قبل ما يخرج من باب القصر، حصلت حاجة مكنتش في الحسابات خالص.
واحد من الحرس دخل بيجري وهو بينهج: “يا سيادة القاسم! فيه هجوم على القافلة اللي جاية من حدود الغاندور، والناس بتقول إن الحرس بتوع الآنسة إلين هما اللي بدأوا بالضرب!”
عيني وسعت.. دي مؤامرة! في الرواية الأصلية، فيه حد كان بيوقع بين إلين والقاسم عشان يسرع بموتها.
القاسم لف وبصلي بنظرة مرعبة، نظرة القاتل اللي كنت خايفة منها من أول يوم.
”كنت لسه بقول إنك ذكية.. بس الظاهر إن غريزة الشر غلبتك يا إلين.”
قرب مني ومسك دراعي بقوة: “لو طلع ليكي يد في نقطة دم واحدة، الشال اللي رجعتهولك.. هلفه حولين رقبتك بإيدي دي.”كان لازم أتصرف، لو سكت دلوقتي، الرواية هتخلص هنا.
”لو كنت عايزة أقتلك أو أهجم على قوافلك، مكنتش استنيتك تدخل بيتي يا قاسم! حد بيوقع بينا، ولو قتلتني دلوقتي، الحقيقة هتموت معايا والمجرم الحقيقي هيفضل يضحك علينا إحنا الاتنين.”
ثواني صمت كانت أطول من سنين. القاسم كان بيتنفس بسرعة، وعينيه بتتحرك في وشي كأنه بيدور على كذبة.. بس ملقاش غير صدق مرعب.
سحب إيده فجأة وقال بصوت زي الفحيح:
”هتحرك دلوقتي للموقع.. وإنتي هتيجي معايا. لو طلعتي صادقة، هحميمي.. ولو كذبتي، هتدفني هناك.”الموقف كان حياة أو موت. القاسم مش بس شك فيّ، ده سحبني من إيدي وركبني الخيل وراه، وطار بينا لمكان الهجوم. كنت حاسة بضربات قلبه العنيفة في ضهري، وريحة البارود والدم بدأت تفوح في الجو كل ما بنقرب.
أول ما وصلنا، كان المنظر مرعب. قتلى في كل حتة، ورجالة لابسين لبس حرس قصرنا (قصر الغاندور) بيضربوا في حرس العاصمة.
القاسم نزل من على الخيل زي الصقر، وسحب سيفه، وبص لي نظرة أخيرة قبل ما يدخل وسط المعمعة:
”خليكي هنا.. لو حاولتي تهربي، الحرس بتوعي معاهم أمر يخلصوا عليكي.”وقفت وأنا بترعش، بس عيني كانت بتراقب الحرس اللي لابسين لبسنا. وفجأة، لمحت حاجة غريبة. واحد من “حرس الغاندور” كان بيضرب واحد من زمايله! ركزت أكتر.. الحرس دول مش بتوعنا، دول لابسين اللبس بتاعنا بس تحت الكمام كان فيه وشم “العقرب الأسود”.. ودي عصابة مأجورة كانت مذكورة في فصل متأخر في الرواية!
الخطر كان بيقرب من القاسم من ضهره، واحد من العصابة كان رافع خنجر مسموم وقرب يغرزه في رقبة القاسم وهو مشغول بيصد هجوم تاني.
من غير تفكير، صرخت بأعلى صوتي:
”قاسم!! وراك! الوشم.. دول مش حرسنا، دول العقرب!!”
القاسم لف في آخر ثانية، وطير راس الراجل بسيفه. بص لي بذهول، إزاي عرفت الوشم وإزاي عرفت اسم العصابة اللي لسه محدش سمع عنها؟المعركة خلصت بانتصار القاسم ورجالته، بس الجو كان لسه مشحون. القاسم قرب مني وهو غرقان دم، ومسكني من كتفي بقوة:
”عرفتي منين موضوع العصابة ده؟ وإزاي عرفتي مكان الوشم؟ إلين.. إنتي مخبية إيه؟”
بصيت في عينيه بمنتهى الثبات، وقلت له بصوت واطي:
”مش مهم عرفت منين، المهم إني أنقذت حياتك. لو كنت عايزة موتك، كنت سكت.”
سكت للحظة، وفجأة واحد من رجالته جاب “صندوق” كان موجود في القافلة اللي اتهاجمت. أول ما فتحوه، لقيت والدي (الدوق إلينور) واقف بعيد، ووشه أصفر. الصندوق كان فيه “ممنوعات” وأوراق مزورة بختم والدي!القاسم بص للأوراق وبعدين بص لي، والشرار بيطلع من عينيه:
”أنقذتي حياتي عشان تداري على جرايم أبوكي؟ الختم ده ختم الغاندور.. يعني العيلة دي لازم تتحي من على وش الأرض.”
وقعت في فخ أكبر. والدي في الرواية كان فعلاً بيتعامل مع عصابات من ورا إلين، وهي اللي كانت بتشيل الشيلة في الآخر.
”القاسم، اسمعني.. الختم ده مسروق. والدي ملوش علاقة، فيه حد جوه القصر بيخوننا وبيدير اللعبة دي.”
القاسم ضحك ضحكة باردة تخوف:
”إنتي فاكراني عبيط؟ إنتي محبوسة يا إلين.. بس المرة دي مش في أوضتك، المرة دي في سجن القلعة، لغاية ما نشوف حكاية الختم ده.”حبسني في زنزانة فخمة في قلعته، بس كانت في الآخر سجن. كنت قاعدة على السرير بفكر، لو مخرجتش ولقيت الخاين، والدي هيدخل المشنقة وأنا وراه.
بالليل، الباب اتفتح، ودخل القاسم. كان لابس لبس مريح وشعره نازل على عينيه، وفي إيده الشال بتاعي.
قعد قدامي وحط الشال على ركبي وقال ببرود:
”أنا راجعت سجلات العصابة.. مفيش اسم ليكي فيها. بالعكس، لقيت إن فيه أمر بقتلك إنتي كمان. ليه فيه حد عايز يخلص منك ومني في نفس الوقت؟”
قربت منه وقلت بذكاء:
”عشان إحنا الاتنين لو اتقابلنا، هنبقى قوة متموتش.. هما عايزين “الوحش” يقتل “الشريرة” والساحة تخلو ليهم. إيه رأيك نقلب الترابيزة عليهم؟”
القاسم سكت، وبدأ يمرر إيده على طرف الشال، وبص في عيني بنظرة غريبة، مش نظرة قتل، كانت نظرة “إعجاب” مكسوف يعترف بيه:
”عايزة تحالفي معايا يا بنت الغاندور؟”
”عايزة أعيش يا قاسم.. ومعاك هعيش أحسن.”
مد إيده ليا، والمرة دي مكانتش مساعدة عشان أقوم، كانت “عهد”:
”لو خنتيني يا إلين، مش هقتلك بس.. أنا هخليكي تتمني الموت ومتحلميش بيه.”
القاسم شدني من إيدي وخرجني من الزنزانة، ومشينا في ممرات القلعة الضلمة لحد ما وصلنا لمكتبه السري. قفل الباب وبص لي بجدية:
”دلوقتي إحنا في مركب واحدة، بس خليكي فاهمة.. أنا لسه مش واثق فيكي بنسبة مية في المية.”
ابتسمت ببرود وقلت له:
”الثقة بتتبني يا سيادة القاسم، وأنا هثبت لك إن ‘إلين’ اللي الكل عارفها كانت مجرد قشرة.”
بدأنا نراجع الورق اللي كان في الصندوق، ولاحظت حاجة غريبة.. التاريخ اللي مكتوب على الصفقات المشبوهة كان دايماً بيوافق يوم “اجتماع الصيد” اللي بيعمله والدي كل شهر. وفي اليوم ده، والدي بيسلم مفاتيح مكتبه لشخص واحد بس عشان يدير أمور القصر في غيابه.
”القاسم.. مين اللي كان بيمثل العاصمة في اجتماعات الصيد السنتين اللي فاتوا؟”
القاسم فكر لثانية وعينيه اسودت أكتر:
”المستشار ‘باهر’.. هو اللي كان حلقة الوصل بيني وبين والدك.”
”باهر هو الخاين يا قاسم. هو اللي سرق الختم، وهو اللي كان بيبعت الرسايل للعصابة باسمي وباسم والدي.”
وفعلاً، الخطة بدأت. القاسم أعلن رسمياً إن “إلين الغاندور” محبوسة وهتتعدم الصبح بتهمة الخيانة، وده كان طُعم عشان الخاين يطمن ويبدأ يتحرك.ماياخالد
بالليل، وأنا قاعدة في أوضتي (اللي بقت سجني)، سمعت صوت خربشة على الباب. الباب اتفتح ودخل “باهر” المستشار. كان على وشه ابتسامة صفراء مرعبة، وماسك في إيده خنجر.
”يا خسارة يا آنسة إلين.. كنتي جميلة أوي، بس ذكاءك المفاجئ ده هو اللي موتك. القاسم هيفتكر إنك انتحرتي من الخوف قبل الإعدام.”
قرب مني وهو رافع الخنجر، وأنا كنت واقفة ثابتة، متهزتش. وقبل ما يلمسني، الظل اللي ورا الستارة اتحرك. في لمح البصر، كان القاسم ماسك إيد باهر وكسرها بصوت خلى جسمي يقشعر.
باهر وقع على الأرض بيصرخ، والقاسم داس على صدره ببروده المعتاد:
”كنت فاكر إنك أذكى من كده يا باهر.. بس غباءك خلاك تصدق إن ‘إلين’ ممكن تقع بالسهولة دي.”
القاسم بص لي، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة تقدير حقيقية. قرب مني وهو بيمسح دمه اللي جه على وشي بمنديله:
”طلعتي صح.. وطلعتي أغلى بكتير من مجرد ‘شريرة’ في رواية الناس.”
في اللحظة دي، حسيت إن القدر اتغير فعلاً. الرواية اللي كانت نهايتها موتي، بدأت تتكتب من جديد بدم الخاين. القاسم قرب مني وهو ماسك الأوراق اللي بتدين المستشار باهر، وبص لي بتركيز غريب كأنه بيحاول يحفظ ملامحي لأول مرة.
”إنتي كسبتي يا إلين. مش بس كشفتي الخاين، إنتي غيرتي الصورة اللي كانت مرسومة ليكي في خيالي.”
مد إيده ورجع لي الشال المطرز، بس المرة دي لفه هو حولين كتافي برقة مكنتش أتخيل إنها موجودة في راجل ببروده.
”دلوقتي تقدري ترجعي لبيتك وانتي راسك مرفوعة.. الغاندور مابقاش اسم وراه دم، بقى اسم وراه ذكاء وشجاعة.”
بصيت له وقلت بصوت فيه نبرة وداع مكنتش فاهماها:
”والقاسم؟ هيفضل زي ما هو؟”
ابتسم ابتسامة حقيقية، لأول مرة أشوفها، وقرب همس في ودني:
”القاسم اتعلم إن مش كل اللي بنسمعه حقيقة، وإن فيه ‘شريرات’ يستاهلوا إننا نحارب عشانهم.”
في اللحظة دي، حسيت إن فيه نور أبيض قوي بدأ يملأ المكان. صوت القاسم بدأ يبعد، وكأن القاعة بتختفي من تحت رجلي. حاولت أتمسك بالجاكيت بتاعه، صرخت باسمه، بس صوتي كان بيتردد في فراغ ملوش آخر.
فتحت عيني ببطء، لقيت سقف أوضتي العادي، والمروحة بتلف بهدوء. قعدت على السرير وأنا جسمي كله عرقان وقلبي بيدق بجنون. بصيت حولي.. مفيش قصر، مفيش حراس، ومفيش قاسم.
”كان حلم؟ كل ده كان حلم؟”
قمت من السرير رحت للمطبخ عشان أشرب مية وأنا بحاول أستوعب إن كل اللي عشته كان مجرد خيال من كتر قرايتي للرواية. بس وأنا ماشية، رجلي خبطت في حاجة على الأرض.
نزلت أبص.. كان “الشال” بتاعي. نفس اللون الغامق، ونفس التطريز الفضي “إلين”.
مسكته بإيد بترتعش، ولقيت فيه ريحة غريبة.. ريحة بارود على خشب صندل.. ريحة القاسم.
فتحت الشال ووقعت منه ورقة صغيرة، مكتوب فيها بخط حاد وواضح:
“قلت لك الهروب مش اختيار.. أنا جاي في الطريق.”
بصيت للشباك، ولقيت عربية سوداء فخمة واقفة قدام باب بيتي، والزجاج بتاعها نزل ببطء.. وظهرت نفس العينين السوداء اللي خلت قلبي يقف في العالم التاني.
تمت. مايا خالد





