أقسى من خيانة صابرين محمد

كنت أظن أن أقسى ما يمكن أن تفعله امرأة هو أن تخطف زوجًا من زوجته.
لكنني اكتشفت بعد عام كامل أن هناك ما هو أقسى من الخيانة نفسها
أن تستيقظ كل صباح وتفتح باب شقتك ، فتجد المرأة التي أخذت مكانك تعيش خلف الحائط الملاصق لغرفتك ، تسمع ضحكتها كل يوم ، بينما الحائط نفسه ما زال يحتفظ بصدى ضحكاتك أنتِ منذ ثلاثين عامًا.
في البداية كنت أظن أن القدر يبالغ في قسوته ثم فهمت أن القدر لم يكن يفعل شيئًا الذي بالغ في القسوة كان الإنسان.
اسمي نادية.
حين تزوجت حسين كنت في الثانية والعشرين من عمري وكان هو كل ما أعرفه عن المستقبل.
كبرنا معًا كما تكبر الأشجار في مكان واحد.
شهدت شقتنا أول خلاف بيننا وأول مصالحة وأول طفل حملته بين ذراعي وأول مرة ضحكنا حتى بكينا وثلاثين رمضان جلسنا فيهما إلى المائدة نفسها وثلاثين عيدًا دخل عليَّ وهو يحمل الهدايا قبل أن يخلع حذاءه.
كنت أعرف صوت خطواته على السلم قبل أن يصل إلى باب الشقة.
وأعرف من طريقة إغلاقه للمفتاح إن كان متعبًا أو سعيدًا أو يحمل لي خبرًا جديدًا.
حتى رائحة قهوته كانت جزءًا من صباحاتي ولذلك لم يخطر ببالي يومًا أن الرجل الذي حفظت تفاصيله كلها سيأتي يوم ويصبح غريبًا عني.
في مساء هادئ ، جلس أمامي وقال جملة واحدة.أريد أن أتزوج.
ابتسمت يومها.ظننت أنه يمزح.لكنه لم يبتسم.رفع رأسه وقال بهدوء قت*لني أكثر من أي صراخ
أحب امرأة أخرى أصغر مني بعشرين عامًا.
في تلك اللحظة لم أشعر أن قلبي انكسر.بل شعرت أن ثلاثين سنة كاملة سقطت فوق رأسي دفعة واحدة.سألته سؤالًا واحدًا فقط .منذ متى؟
أطرق رأسه طويلًا ، ثم قال منذ أشهر.
لم أسأله كيف ولا لماذا ولا كيف استطاع أن يخفي الأمر كل تلك المدة.لأنني كنت أعرف أن بعض الإجابات لا تشفي ، بل تفتح جروحًا جديدة.
تم الطلاق بهدوء غريب.لا صراخ ولا فضائح ولا محاكم.
خرج من البيت حاملًا حقيبة ملابسه ، بينما بقيت أنا أحمل ثلاثين سنة من الذكريات لا أعرف أين أضعها.
وفي الليلة الأولى بعد رحيله استيقظت قبل الفجر كعادتي.دخلت المطبخ وضعت الماء على النار.
وأعددت فنجاني قهوة.كما كنت أفعل كل صباح وحين أمسكت الفنجان الثاني تذكرت أنه لم يعد هنا.
جلست على الأرض أبكي وأنا أضم الفنجان إلى صدري ، كأنني أتمسك بآخر شيء بقي منه.
مرت الأيام بطيئة.تعلمت أن أتناول الطعام وحدي وأن أشاهد التلفاز دون أن أسمع تعليقاته وأن أنام في سرير صار نصفه باردًا كل ليلة.
وكان أولادي يزورونني باستمرار.يحاولون أن يخففوا عني.
ويقولون .يا أمي الحياة لا تقف عند أحد.
فأبتسم لهم.ثم أبكي بعد رحيلهم.بعد ستة أشهر تقريبًا بدأ الجرح يهدأ قليلًا.لم يعد اسمه يجعلني أبكي ولم أعد ألتفت كلما سمعت خطوات تشبه خطواته.
وقلت لنفسي .الحمد لله
أخيرًا بدأت أتعافى.لكن الإنسان لا يعرف أحيانًا أن القدر يترك الضربة الأقسى إلى النهاية.في عصر يوم خميس ، كنت أجلس في الشرفة أشرب الشاي.رن هاتفي.
كانت جارتي أم سامي.لكن صوتها لم يكن طبيعيًا.
قالت بعد تردد نادية لا تنزلي الآن.
ابتسمت وأنا أقول ولماذا؟
سكتت لحظة ثم قالت بصوت خافت لأن الشقة المجاورة بيعت.
لم أفهم سبب ارتباكها.
قلت ببساطة وما المشكلة؟
ابتلعت ريقها ، ثم همست الذي اشتراها حسين.
شعرت أن الهاتف أصبح أثقل من يدي.قلت بسرعة أي حسين؟
قالت زوجك السابق جاء مع زوجته الجديدة.
لم أصدق.ضحكت رغم خوفي.قلت أنتِ تمزحين.
ردت بحزن انظري من الشرفة.
اقتربت من النافذة ببطء.كانت شاحنة نقل كبيرة تقف أمام العمارة.
العمال ينقلون الأثاث وهي كانت تقف في الأسفل ، تشير لهم أين يضعون كل قطعة وتضحك بصوت يصل حتى الطابق الرابع.
وبعد لحظات نزل حسين من السيارة.أمسك أحد الصناديق ورفع رأسه نحو الشرفة.لثانية واحدة فقط التقت أعيننا.ثم أشاح بوجهه سريعًا ودخل العمارة.عندها فقط
أدركت أن الكابوس لم يبدأ بعد.بل بدأ للتو.منذ ذلك اليوم لم يعد الطلاق ورقة في درج المحكمة.صار يسكن خلف الحائط الملاصق لغرفتي.كل صباح أخرج ، فأصادفهما.كل مساء أعود ، فأسمع صوت الباب الذي كان يومًا باب بيتي.
وأحيانًا كانت ضحكتها تعبر الجدار بسهولة ، بينما أعجز أنا عن منع دموعي من العبور إلى عيني.
مرت الأيام بعد انتقالهما كأنها عقوبة كتب علي أن أعيشها وأنا بكامل وعيي.
لم أعد أحتاج إلى أن أراهما حتى أتألم كان يكفيني أن أسمع باب شقتهما يُفتح ، فأعرف أنه عاد من عمله ، أو أسمع ضحكتها تتسلل من خلف الجدار ، فأشعر أن ثلاثين عامًا كاملة تُسحب من صدري مرةً أخرى وكأن البيت الذي شهد أجمل أيامي صار يُجبرني كل يوم على حضور جنازة تلك الأيام من جديد.
كنت أخرج لأشتري الخبز فأجدهما أمامي وأهبط لألقي القمامة فأراه يحمل عنها الأكياس بالطريقة نفسها التي كان يحمل بها أكياسي طوال ثلاثين عامًا وأعود من السوق فأسمع صوتها تناديه بالاسم نفسه الذي كنت أناديه به.حتى المصادفات أصبحت تتآمر عليَّ.
وفي إحدى المرات ، عدت من السوق أحمل أكياسًا ثقيلة وكانت أصابعي تكاد تعجز عن حملها.دخلت العمارة وفي اللحظة نفسها انفتح باب المصعد.
كان حسين واقفًا في الداخل.نظر إلى الأكياس ، ثم إليَّ وللمرة الأولى منذ طلاقنا ، رأيت في عينيه ارتباكًا أعرفه جيدًا.
ارتباك الرجل الذي نسي نفسه للحظة.خرج خطوة إلى الأمام ومد يده نحوي قائلًا بعفوية أعطني هذه إنها ثقيلة عليك.
كانت حركة صغيرة لكنها لم تكن جديدة عليَّ.ثلاثون عامًا كاملة ، لم يكن يسمح لي أن أحمل شيئًا ثقيلًا وهو موجود.
حتى أكياس الخبز كان ينتزعها من يدي وهو يبتسم ويقول إن يدي خُلقت لتدلل ، لا لتتعب.
وللحظة كدت أترك الأكياس فعلًا. ليس لأنني احتجت مساعدته بل لأن جسدي اعتاد تلك الحركة أكثر مما اعتاد التفكير فيها.
لكن قبل أن تلامس أصابعه الكيس خرج صوتها من داخل المصعد.
صوت ناعم ، لكنه حمل من القسوة ما لم تحمله كل كلمات الطلاق. حسين ستظل واقفًا طويلًا؟
تجمد في مكانه.نظر إلى يده ثم إليَّ ثم سحبها بسرعة ، كأنها لامست نارًا.خفض رأسه وعاد إلى داخل المصعد دون أن يقول كلمة وأُغلق الباب بيننا.
وقفت وحدي.الأكياس ما زالت في يدي
لكنني أقسم أن الألم لم يكن في أصابعي.كان في تلك الحركة التي ماتت قبل أن تكتمل.حينها فقط أدركت أن بعض العادات لا تموت يوم الطلاق
بل تموت في لحظة يراها الجميع عادية ، بينما يشعر صاحبها أن عمرًا كاملًا انتهى فيها.
صعدت إلى شقتي.أغلقت الباب خلفي وأسندت ظهري إليه حتى جلست على الأرض.
لم أبكِ يوم أخبرني أنه يحب غيري ولم أبكِ يوم وقّعنا أوراق الطلاق
لكنني بكيت يوم مد يده نحوي ، ثم تراجع.لأنني فهمت أخيرًا أنني لم أعد المرأة التي يتحرك قلبه نحوها دون تفكير بل أصبحت امرأةً يحاسب نفسه قبل أن يقترب منها خطوة واحدة.
ومر أسبوع آخر حتى جاء اليوم الذي تمنيت لو أنه لم يأتِ أبدًا.
كنت عائدة من زيارة ابنتي وفي اللحظة التي دخلت فيها المصعد ، اندفع حسين وزوجته الجديدة قبل أن يُغلق الباب بثوانٍ.
أصبحنا نحن الثلاثة داخل مساحة لا تتجاوز مترين ولأول مرة منذ الطلاق لم يعد بيننا جدار.كان الصمت خانقًا.هي كانت تنظر إلى هاتفها وتحاول أن تتظاهر بأنني غير موجودة وهو يثبت عينيه على أرقام الطوابق ، كأنها أهم شيء في الدنيا.
أما أنا فكنت أعد الثواني فقط.لكن المصعد توقف فجأة.
انطفأت الإضاءة لحظة ثم عادت.
وضغط حسين على الأزرار واحدًا تلو الآخر.دون جدوى.
قال بهدوء يبدو أن المصعد تعطل.
أن الدقائق القليلة التي سنقضيها داخل ذلك الصندوق الحديدي ، ستكشف لي حقيقةً لم أتخيلها يومًا ، حقيقةً جعلتني ، لأول مرة منذ عام كامل ، أنظر إلى تلك المرأة بعينٍ لم أعرفها من قبل عينٍ لا تحمل كراهية ولا غيرة ولا رغبة في الانتقام بل شيئًا يشبه الشفقة.
في البداية ، حاول كل واحدٍ منا أن يتظاهر بأن الآخر غير موجود وكأن الوقوف في مساحةٍ ضيقة لا تتجاوز بضعة أمتار يمكن أن يمحو ثلاثين عامًا من الذكريات ، أو سنةً كاملة من الوجع ، لكن الصمت كان أثقل من أن يُحتمل والهواء داخل المصعد بدأ يضيق شيئًا فشيئًا ، حتى رأيتها ترفع يدها إلى عنقها وهي تتنفس بسرعة ، ثم قالت بصوتٍ مرتجف لم أسمعه منها من قبل
ــ أنا أنا لا أستطيع البقاء في الأماكن المغلقة.
اقترب منها حسين بسرعة وأخذ يحاول تهدئتها وهو يردد بصوتٍ خافت أن الأمر لن يطول وأن عمال الصيانة سيصلون بعد دقائق ، لكنها لم تكن تسمعه ، كانت ترتجف بعنف وملامحها الشاحبة تقول إن الخوف الذي تعيشه الآن أكبر من مجرد عطل في مصعد.
وفجأة أمسكت بذراعه بقوة وقالت بعصبية خرجت معها كل الكلمات التي كانت تخفيها منذ انتقلت إلى العمارة
ــ قلت لك منذ البداية لا أريد هذه الشقة قلت لك نشتري بيتًا في أي مكان آخر لماذا أصررت أن نسكن هنا؟
خفض حسين رأسه وقال بصوتٍ متعب
ــ لأن الشقة كانت مناسبة.
ضحكت ضحكةً قصيرة ، لكنها كانت مليئة بالمرارة.
ثم قالت مناسبة وهل تسمي أن أعيش كل يوم أمام زوجتك السابقة أمرًا مناسبًا؟! كلما خرجت من باب الشقة رأيتها وكلما دخلت العمارة شعرت أنني أنا الغريبة وهي صاحبة المكان حتى الجيران ما زالوا ينادونها باسمها وكأنني غير موجودة.
ساد الصمت أما حسين فلم يجب ولأول مرة منذ طلاقنا رأيته عاجزًا عن الدفاع عن قرارٍ اتخذه بنفسه.
ثم همست هي بصوتٍ خافت ، كأنها تتحدث مع نفسها
ــ أنا تعبت والله تعبت.
كانت تلك أول مرة أفهم فيها أن الإنسان قد يحصل على الشيء الذي تمناه ، ثم يكتشف أنه لا يستطيع أن يعيش معه.
كنت أظن أن الوحيدة التي تدفع ثمن ما حدث هي أنا
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
فالبيت الذي بُني فوق دموع امرأة ، لم يعرف السكينة حتى لمن دخله.
وبعد دقائق ، عاد المصعد إلى الحركة وانفتح الباب أخيرًا.
خرجت أولًا ولم ألتفت خلفي ولم أشعر بالحاجة إلى ذلك.
ومنذ ذلك اليوم بدأت ألتفت إلى حياتي أنا بدلًا من حياتهما.
نزعت الستائر التي كنت أكرهها لأنها تذكرني بسنوات مضت واشتريت أخرى بلونٍ كنت أحبه ولم أجرؤ يومًا على اختياره لأنه لم يكن يعجبه ودهنت جدران الشقة ووضعت في الشرفة أصصًا من الياسمين والريحان وعدت أقرأ الكتب التي كنت أؤجلها دائمًا وأزور صديقاتي اللواتي ابتعدت عنهن سنوات طويلة وأنا منشغلة بزوجٍ وأبناءٍ وبيت.
ولأول مرة منذ زمن بعيد اشتريت لنفسي هدية دون أن أفكر إن كانت ضرورية أم لا.
كنت أتعلم ، ببطء ، كيف أعيش مع نادية التي نسيتها ثلاثين عامًا وأنا أعيش من أجل الجميع.
ومرت الشهور وصارت الأصوات القادمة من الشقة المجاورة تختلف.لم تعد ضحكات.بل أصبحت أبوابًا تُغلق بعنف ونقاشاتٍ ترتفع ثم تختفي وصمتًا طويلًا يخيف أكثر من الصراخ.
وفي ليلةٍ شتوية ، أيقظني صوت بكاء.فتحت نافذة الشرفة بهدوء.
فرأيتها تخرج من العمارة مسرعة ، تمسح دموعها وتركض إلى آخر الشارع دون أن تلتفت خلفها.
أما حسين فخرج بعد دقائق.
وقف في الشرفة المقابلة لشرفتي. في المكان نفسه الذي كان يقف فيه قديمًا ينتظر عودتي من زيارة أمي.
ظل واقفًا طويلًا لكن هذه المرة لم يكن أحد ينتظره.
راقبته لحظات.ثم أغلقت النافذة بهدوء. لم أشعر بالفرح ولم أشعر بالشماتة.
كل ما شعرت به أن الله لا يترك الموازين مختلة إلى الأبد.
فمن يكسر قلبًا صادقًا ، قد يربح معركةً قصيرة ، لكنه يخسر السلام الذي كان يظنه مضمونًا.
وبعد أسابيع ، التقيت حسين عند مدخل العمارة.
كان يبدو أكبر من عمره بسنوات.اقترب مني بتردد وقال كيف حالك يا نادية؟
أجبته بهدوء بخير والحمد لله.
تأمل وجهي طويلًا ، ثم قال تغيرتِ.
ابتسمت وقلت نعم لأنني توقفت أخيرًا عن انتظار من اختار الرحيل.
ظل صامتًا لحظات ، ثم قال بصوتٍ مكسور سامحيني.
ابتسمت مرةً أخرى.لكنها لم تكن ابتسامة امرأة انتصرت بل ابتسامة امرأة شُفيت وقلت سامحتك منذ زمن.
رفع رأسه بسرعة وكأن الأمل عاد إليه.فسارعت أقول سامحتك لأنني أردت أن أحرر قلبي من الكراهية لا لأنني أنتظر عودتك.
تركته واقفًا مكانه وصعدت درجات السلم ببطء.
ولما فتحت باب شقتي استقبلتني رائحة الياسمين الذي زرعته بيدي ودخلت نسمة هادئة من الشرفة ، فابتسمت دون أن أشعر.
وفي تلك اللحظة فقط أدركت أن البيت الحقيقي لا يسكنه الرجل الذي يبقى ولا الذكريات التي تؤلم ولا الجدران التي شهدت العمر كله . البيت الحقيقي هو المكان الذي تعود إليه فتتنفس براحة بعد طول تعب
وأنا بعد ثلاثين عامًا من الزواج وعامٍ كاملٍ من الانكسار لم أعد إلى حسين ولا إلى الماضي بل عدت أخيرًا إلى نفسي وكانت تلك العودة أجمل انتصارٍ منحني الله إياه بعد أطول هزيمة ظننت يومًا أنها لن تنتهي.
الكاتبة #صابرين_محمد
تمت
إذا وصلت إلى النهاية اترك بصمتك وشاركها مع من تحب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *