توأم زوجي ياسين وحور سهر محمد

ياسين فضل باصص للورقة دقايق كأن الزمن وقف. صدره بيعلى ويهبط بعنف. كل ذكرياته مع توأمه بتتعاد قدام عينيه، بس المرة دي ممزوجة بريحة الخيانة.
بص لحور، لقاها ساندة على حافة المكتب بالعافية، بتتنفس بصعوبة وكأن وقفتها دي استنزفت كل طاقتها. الرضيع في إيدها بدأ يعيط بصوت خفيف.
ياسين اتحرك من مكانه بسرعة متناقضة تماماً مع بروده من دقايق. قرب منها، ومد إيده الكبيرة، وبمنتهى الحنية اللي محدش تخيل إنها جواه، شال الطفل من بين إيديها. الطفل سكت أول ما حس بحضن ياسين، كأنه حس بريحة أبوه.
ياسين بص لحور وقال بصوت أجش، مختلف تماماً:
“أنتي ساكنة فين؟”
حور ردت بتعب:
“في بنسيون في الحسين.. بس صاحبه طردني النهاردة.”
ياسين ضغط على سنانه لحد ما ظهرت عروق فكه. مسك تليفونه وكلم “طارق” دراعه اليمين:
“طارق.. تلغي كل اجتماعاتي لمدة أسبوع. وتبعث حد يلم أي حاجة تخص المدام من البنسيون اللي في الحسين.”
حور برقت عينيها بصدمة: “مدام؟”
ياسين قفل السكة، وقرب منها خطوة لحد ما بقت المسافة بينهم معدومة، وقال بنبرة فيها أمر ومفيهاش مجال للنقاش:
“انتي مش هتموتي يا حور. هسفرك برة، وهتتعالجي، وهتعيشي عشان تربي ابن أخويا.”
بلعت ريقها بخوف: “بس عيلتك.. أمك وعمامك مستحيل يقبلوا بيا ولا بابن سيف.. سيف قالي إنهم بيكرهوني.”
ياسين ابتسم ابتسامة مرعبة، نظرة الجلاد رجعت لعينيه بس المرة دي عشان يحميها، مش عشان يأذيها.
“ومين جاب سيرة إنك أرملة سيف؟”
حور بصتله بعدم فهم ورعب: “قصدك إيه؟”
ياسين عدل ياقة قميصه، وبص للطفل اللي نايم على دراعه، وبعدين بص في عينيها مباشرة وقال بهدوء شق سكون المكتب:
“عشان تدخلي قصر الدمرداش وتعيشي في حمايتي من غير ما حد يقدر يمس شعرة منك أو يفكر يقتلك زي ما قتلوا أخويا…”
سكت ثانية وكمل:
“هتدخلي القصر النهاردة على إنك.. مراتي أنا! والولد ده.. ابني أنا.”
حور صرخت بهمس: “إنت بتقول إيــــه؟!”
ياسين ماداهاش فرصة تستوعب، فتح باب المكتب ونده بصوت هز الشركة كلها:
“يا طااااارق.. جهزلي العربية فوراً.. أنا هاخد مراتي وابني ونرجع على القصر!”
حصري للكاتبة #سهر_محمد
طول الطريق في عربية ياسين الدمرداش، الصمت كان مرعب. العربية ماشية بسرعة تشق الأسفلت، وحور ضامة الطفل لحضنها وبتبصله بخوف. قلبها كان بيدق زي الطبول، مش قادرة تستوعب الجنون اللي بيحصل. هي أرملة أخوه.. إزاي فجأة بقت مراته؟ وإزاي هتدخل بيت عيلة أقل ما يقال عنهم إنهم حيتان بياكلوا بعض؟
ياسين كان باصص قدامه بجمود، ملامحه زي الصخر مبتقولش أي حاجة. بس فجأة كسر الصمت ده وصوته الرخيم ملى العربية:
“اسمعيني كويس عشان مش هعيد كلامي مرتين. من اللحظة اللي رجلك تخطي فيها باب القصر، إنتي مبقتيش حور الضعيفة المريضة اللي بتستخبى في بنسيون. إنتي بقيتي حرم ياسين الدمرداش.”
بصلها بطرف عينه وكمل بصرامة:
“عيلة الدمرداش مابترحمش الضعيف. لو شافوا الخوف في عينيكي، هياكلوكي لحم ويرموكي عضم. طول ما إنتي في ضهري وتحت اسمي، محدش هيقدر يمس شعرة منك.. بس لو غلطتي بكلمة أو ضعفتي قدامهم، أنا مش هقدر أحميكي من لسانهم ولا من خططهم. فاهمة؟”
حور بلعت ريقها بصعوبة، وهزت راسها بضعف:
“فاهمة.. بس مامتك.. دولت هانم.. سيف كان دايما يقولي إنها مبترحمش وإنها لو عرفت بوجودي هتمحيني من على وش الأرض، فما بالك لما أدخل عليها كمراتك؟”
ياسين ضغط على دركسيون العربية لحد ما عقل صوابعه ابيضت، وقال ببرود قاسي:
“أمي بتحب القوة، ومفيش قوة في العيلة دي كلها أكبر مني. متخافيش من دولت هانم.. خافي من اللي قتل سيف، لأنه عايش وسطينا بياكل ويشرب معانا، ولما يشوف ابنه رجع القصر.. مش هيسكت.”
الكلمة خلت الدم يهرب من وش حور وشدت على ابنها أكتر.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة، اتفتحت فوراً أول ما الحراس شافوا عربية “الجلاد”. القصر كان أقرب لقلعة متحصنة، فخامة ترعب، وتماثيل وحراس في كل مكان.
ياسين نزل من العربية، ولف فتح الباب لحور. مدت إيدها المرتعشة، مسكها بقوة كأنه بيبث فيها من روحه، وسحبها توقف جنبه.
دخلوا من الباب الرئيسي للقصر. الصالة كانت واسعة جداً، وفي النص كان متجمع كبار العيلة. “دولت هانم” قاعدة على كرسيها الفخم زي الملكة، بتشرب قهوتها، وجنبها “عاصم الدمرداش” عم ياسين، اللي ماسك حسابات العيلة كلها، ومراته وبنته.
أول ما صوت خطوات ياسين رنت في المكان، الكل سكت وبصله. بس الصمت اتحول لذهول وصدمة لما شافوا البنت اللي ماسكة في إيده وشايلة طفل.
دولت هانم نزلت فنجان القهوة ببطء مرعب، وعينيها بتفحص حور من فوق لتحت باشمئزاز، وقالت بصوت حاد زي الشفرة:
“مين دي يا ياسين؟ واليتم اللي على إيدها ده جايبه من أي داهية؟ إنت بقيت بتلم شحاتين من الشارع وتدخلهم قصر الدمرداش؟”
حور اتنفضت من الكلمة ودموعها لمعت، بس ياسين ضغط على إيدها بقوة عشان يسكتها، ووقف قدام أمه بشموخ وقال بصوت هز جدران القصر:
“الزمي حدودك يا أمي.. اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مراتي، وحرم ياسين الدمرداش.. واللي على إيدها ده يبقى ابني، ووريث العيلة دي.”
الكلمة نزلت زي القنبلة.
عاصم الدمرداش قام وقف بعصبية ورمى الجرنال من إيده:
“إنت اتجننت يا ياسين؟! مراتك مين وابنك مين؟ إنت متجوزتش، والولد ده عمره شهور، إزاي ابنك؟ إنت بتستغفلنا؟”
ياسين بصله بنظرة خليته يبلع بقيت كلامه، وقال ببرود قاتل:
“أنا متجوزها في السر من أكتر من سنة، ومكنتش ناوي أعلن دلوقتي.. بس ظروف مراتي الصحية أجبرتني أجيبها هنا تعيش في بيتي وتحت عيني.. وأظن أنا كبير العيلة دي ومحدش له إنه يحاسبني.”
دولت هانم قامت وقفت، وقربت من حور بخطوات بطيئة، عينيها كانت بتطلع نار. بصت للطفل النايم، وفجأة ملامحها اتغيرت.. دقات قلبها زادت وهي بتبص لملامح الطفل اللي كان نسخة مصغرة من.. سيف!
دولت رفعت عينيها لياسين وقالت بصوت بيترعش من الغضب والشك:
“الولد ده مش ابنك يا ياسين… الولد ده…”
وقبل ما دولت هانم تكمل جملتها، حور رفعت عينيها صدفة وبصت لـ “عاصم” عم ياسين. عاصم كان بيبصلها بنظرة غريبة، نظرة فيها تهديد صريح.. بس مش ده اللي رعب حور.
اللي رعبها، وخلى الدم يهرب من عروقها وتتمنى الأرض تنشق وتبلعها.. إنها شافت الخاتم الفضة الضخم اللي في صباع عاصم. نفس الخاتم.. وبنفس النقشة الغريبة.
وفي نفس اللحظة، عاصم اتكلم وقال بصوته الأجش:
“أاهلا بيكي في قصر الدمرداش.. يا عروسة.”
حور شهقت بخفوت ورجعت لورا خطوة واستخبت في ضهر ياسين وهي بتترعش كأن كهربا مسكت في جسمها.
الصوت ده… هي عارفة الصوت ده كويس! ده نفس الصوت اللي كلم سيف في التليفون ليلة الحادثة وقاله: “نهايتك الليلة يا سيف، إنت واللي في بطن الجربوعة بتاعتك!”
ياسين حس برعشة حور القوية ورا ضهره، لف بصلها لقاها وشها أزرق وبتشاور بعينيها برعب على عاصم، وقبل ما تنطق حرف… الباب الرئيسي للقصر اتفتح بعنف، ودخل منه شخص خلى ياسين نفسه يتسمر مكانه من الصدمة، ودولت هانم تصرخ بأعلى صوتها!
الكل كان متسمر في مكانه. الشخص اللي دخل من باب القصر مكنش مجرد زائر عادي، دي كانت الصدمة اللي خلت الدم يهرب من وشوش الكل.
“كاميليا”.. خطيبة سيف الأولى! البنت اللي المفروض إنها ماتت معاه في نفس حادثة العربية من سنة، والكل حضر جنازتها.
كانت واقفة على الباب، لابسة أسود في أسود، ونص وشها اليمين متغطي بشال حرير بيخفي تحته آثار حروق الحادثة، بس عينيها كانت بتطق شرار وانتقام.
دولت هانم صرخت صرخة رعب ووقعت على الكرسي وهي بتحط إيدها على قلبها:
“عفريتة! إنتي طلعتي من قبرك إزاي؟!”
ياسين اللي عمره ما رمش له جفن قدام أكبر مصايب الدنيا، ملامحه اتجمدت وهو بيبصلها بذهول تام.
كاميليا دخلت بخطوات بطيئة، كعب جزمتها بيخبط على الرخام كأنه بيعد ثواني الانفجار، وبصت لعاصم الدمرداش اللي وشه جاب ألوان وكل نقطة دم فيه نشفت:
“ماتخافش أوي كده يا عاصم بيه.. أنا لسه منزلتش القبر عشان أطلع منه.. سيف بس هو اللي نزل، عشان كان أرجل من إنه يبيع لحمه ودمه.. سيف مات وهو بيحميني أنا والسر اللي عرفناه!”
حور كانت واقفة ورا ياسين، جسمها كله بيتنفض. الكلمات بتنزل عليها زي المطارق. المشهد كله كان أكبر من قدرة قلبها المريض على التحمل. بصت لعاصم، لقت إيده اللي فيها الخاتم الفضة المريب بتترعش، وبيمدها بالبطيء جوا الجاكيت بتاعه كأنه بيسحب سلا..ح.
رعب حور من عاصم، مع صدمة كاميليا، مع الإرهاق الجسدي لمرضها.. كل ده اتجمع في لحظة واحدة. النفس هرب من صدرها، والرؤية بدأت تسود.
“يا.. ياسين..”
همست بيها حور بضعف شديد قبل ما ركبها تخونها وتسقط على الأرض.
ياسين لف في جزء من الثانية، وقبل ما جسمها أو ابنه اللي بين إيديها يلمسوا الأرض، كان ياسين نزل على ركبته وحضنها بقوة.
حور فقدت الوعي تماماً، ووشها بقى أبيض زي التلج.
الجلاد اللي كان واقف من ثواني بيحاسب الكل، اتحول لشخص تاني خالص. عينيه وسعت برعب حقيقي لأول مرة، صرخ بصوت زلزل القصر كله:
“طااااارق! دكتور فوراً على جناحي.. لو اتأخر دقيقة هطربق القصر ده على دماغ الكل!”
شال حور بين دراعاته، وابن أخوه في إيده التانية، ومبصش لأي حد ولا لكاميليا ولا لأمه. طلع السلالم كأنه بيسابق الزمن. دخّلها جناحه الخاص، حطها على السرير الضخم برفق شديد، ونيم الطفل جنبها.
فضل رايح جاي في الأوضة زي الأسد المحبوس، بيبص لوشها الشاحب، ومش فاهم إيه الإحساس اللي بيعصره من جواه ده. دي أرملة أخوه.. بس في اللحظة دي، حس إن روحه هي اللي بتنسحب منه.
بعد نص ساعة، الدكتور كان كشف عليها وخرج لياسين اللي واقف برة الأوضة وعينيه بتطق شرار.
الدكتور بخوف: “ياسين بيه.. المدام اتعرضت لضغط عصبي جبار، ده غير إن جسمها ضعيف جداً ومناعتها شبه معدومة.. أنا إديتها مهدئ، بس هي محتاجة راحة تامة وعناية فائقة، أي صدمة تانية ممكن توقف قلبها.”
ياسين شاور للدكتور يمشي من غير ولا كلمة. دخل الأوضة وقفل الباب بالمفتاح.
قرب من السرير، لقى حور بدأت تفتح عينيها بتعب شديد. أول ما شافته، الدموع نزلت من عينيها، وحاولت تقوم بس مكنش فيها حيل.
ياسين قعد على حرف السرير، وحط إيده الكبيرة الدافيّة على جبينها وقال بصوت هادي جداً عكس العاصفة اللي براه:
“ماتخافيش.. إنتي في عرين الجلاد، مفيش مخلوق يقدر يتخطى الباب ده.”
حور مسكت في ياقة قميصه بإيديها المرتعشة، وبصت في عينيه برعب وقالت بصوت متقطع:
“عـ.. عاصم! عمك عاصم يا ياسين.. هو اللي قتل سيف!”
ياسين ملامحه اتجمدت: “بتقولي إيه؟”
حور كملت بدموع وقهر: “الخاتم.. الخاتم اللي في إيده اليمين.. والصوت الأجش ده.. أنا سمعته ليلة الحادثة، سيف كان فاتح الإسبيكر غصب عنه وقت العراك.. عمك قاله (نهايتك الليلة يا سيف، إنت واللي في بطن الجربوعة بتاعتك).. ياسين.. عمك كان بيحط إيده على سلا..حه تحت الجاكيت برة.. هو عايز يقتل ابني!”
الجملة دي كانت الشرارة اللي فجرت بركان الجلاد. ياسين قام وقف ببطء. عينيه اتحولت للون أسود مخيف، وعروق رقبته برزت بطريقة مرعبة. طلع مسد..سه الأوتوماتيكي من درج الكومودينو، وعمره وسحب الأجزاء بصوت رن في الأوضة.
بص لحور نظرة كلها وعيد للموت، وقال ببرود قاتل:
“عمر ما حد اتجرأ ومد إيده على حاجة تخص ياسين الدمرداش وعاش عشان يحكي عنها. نامي يا حور.. ولما تصحي، هتكوني سيدة القصر ده بلا منازع.. وعاصم هيكون مجرد ذكرى.”
ياسين ساب مسد..س تاني صغير جنبها على المخدة: “لو أي حد حاول يفتح الباب ده غيري.. اضربي في المليان.”
خرج ياسين من الأوضة، وقفل الباب وراه بالمفتاح. عينيه كانت بتدور على عاصم عشان يبدأ حمام الدم.
مشى في الممر الطويل بخطوات ثابتة ومرعبة، لكن فجأة.. وقبل ما يوصل لأول السلم..
صوت رصاصة مدوي شق سكون القصر!
رصاصة مخرجتش من تحت.. الرصاصة خرجت من جوا أوضة حور المقفولة!
وصوت صرخة حور شقت قلبه قبل ما تقطع الصمت!
صوت الرصاصة كأنه اخترق قلب “ياسين” قبل ما يرج صدى القصر كله!
الجلاد اللي مبيخافش من الموت، حس إن روحه بتنسحب منه. لف ورجع زي الإعصار، وبضربة واحدة بكتفه كسر باب الجناح الضخم اللي اتخلع من مفصلاته ووقع على الأرض بعنف.
ياسين دخل الأوضة وسلا..حه مرفوع ومستعد يقتل أي حد، بس المشهد اللي شافه خلاه يتسمر مكانه.
“حور” كانت قاعدة على الأرض في ركن الأوضة، ضامة الطفل لحضنها بإيد، والإيد التانية ماسكة المسد..س الصغير اللي سابهولها، وبيطلع منه دخان خفيف. عينيها كانت مفتوحة على آخرها من الرعب، وبتبص ناحية البلكونة.
على أرض البلكونة، كان في راجل ضخم لابس أسود، واقع على الأرض وبيأن من الوجع بعد ما الرصاصة استقرت في كتفه.. واحد من رجالة “عاصم” اللي حاول يتسلق المواسير ويدخل يخلص على حور وابن سيف في غياب ياسين!
ياسين في ثانية كان فوق الراجل ده، ضربه بكعب المسد..س على دماغه غيّبه عن الوعي تماماً. قفل باب البلكونة، ولف لحور اللي كانت بتترعش ودموعها نازلة زي الشلال.
نزل على ركبه قدامها، وسحب المسد..س من إيدها المرتعشة رماه بعيد، وخدها هي وابنها في حضنه بضمة كسرت كل حواجز الخوف.
“شـشـش.. اهدي.. أنا معاكي.. أنا هنا.”
صوته كان حنون بشكل ميليقش بالجلاد، كان بيمسح على شعرها وبيهديها. حور مسكت في قميصه وبكت بانهيار:
“كان.. كان هياخد ابني يا ياسين.. كان هيقتله!”
ياسين باس راسها بقوة وهمس بوعيد مرعب:
“عملتي اللي عليكي يا بطلة.. إنتي طلعتي تستاهلي تكوني مرات الجلاد بجد.. خليكي هنا، الحكاية دي هتنتهي الليلة.”
دخل “طارق” دراعه اليمين ومعاه حراس ياسين الموثوقين. ياسين شاورلهم على الراجل اللي في البلكونة:
“خدوا الكلب ده على المخزن، وعينكم على مراتي وابني.. لو نملة عدت من باب الأوضة دي، هقطع رقابكم كلكم!”
نزل ياسين بخطوات بطيئة، لكنها كانت بتهز السلالم. تحت في الصالة، كان “عاصم” بيحاول يسحب “دولت هانم” كرهينة بعد ما لقى “كاميليا” كشفت كل ورقه قدام العيلة، والشرطة اللي طارق طلبها كانت بدأت تحاوط القصر من برة.
عاصم صرخ بجنون وهو موجه سلا..حه لدولت هانم:
“محدش يقرب! أنا اللي بنيت العز ده كله، سيف الكلب كان عايز يفضحني ويكشف اختلاساتي.. كان لازم يموت هو والجربوعة بتاعتك! وإنت يا ياسين، إنت اللي هتموت الليلة!”
وجه عاصم سلا..حه ناحية ياسين اللي نازل من على السلم، وقبل ما يضغط على الزناد..
بـــاااام!
رصاصة من مسد..س ياسين اخترقت معصم عاصم في لمح البصر. السلا..ح وقع من إيده وهو بيصرخ من الألم.
ياسين نزل لحد عنده، وعينيه عبارة عن جمر أحمر. مسكه من ياقة قميصه ورفعه عن الأرض بغضب زلزل القصر:
“دي رصاصة الرحمة يا عاصم.. الموت بالنسبة لك راحة، بس أنا هعيشك تتمنى الموت كل دقيقة في سجنك.. خدوه!”
الشرطة دخلت وقبضت على عاصم. القصر هدي أخيراً، “كاميليا” خدت حقها وحق سيف اللي مات وهو بيحميها، و”دولت هانم” قعدت على كرسيها بتعيط بانهيار على ابنها اللي راح غدر، وبصت لياسين بندم وتوسل.
ياسين بصلها بهدوء وقال:
“سيف سابلك حتة منه.. حور وابنها هما اللي باقيين من ريحة أخويا.. القصر ده قصرهم، واللي هيزعلهم بكلمة، ميعرفنيش.”
بعد مرور ست شهور…
على شواطئ جزر المالديف، الشمس كانت بتعكس لونها الذهبي على البحر الهادي.
في شاليه فخم جداً على الماية، كانت “حور” واقفة في البلكونة، لابسة فستان أبيض رقيق طاير مع الهوا، وشعرها الأسود الطويل بيتحرك بنعومة. ملامحها الشاحبة اختفت تماماً، ووشها بقى منور ومورد ومليان حياة.
التشخيص بتاعها كان غلطة مقصودة من دكاترة عاصم عشان يدمروا نفسيتها وتموت بالبطيء.. مجرد ما ياسين خدها وسافر بيها لأكبر دكاترة في أوروبا، اكتشفوا إنها مجرد التهابات حادة وضعف عام، وبقت زي الفل.
حست بإيدين قوية ودافية بتحاوط خصرها من ورا، وريحة عطر ياسين المميزة ملت المكان.
سند دقنه على كتفها وباسها برقة، وهمس بصوته اللي بيدوب قلبها:
“سرحانة في إيه يا حوريتي؟”
حور ابتسمت وسندت راسها على صدره العريض وقالت بحب:
“سرحانة في عوض ربنا.. سرحانة في الجلاد اللي خطفني من وسط الموت، وبقى هو كل دنيتي وحياتي وأماني.”
ياسين لفها ليه، ومسك وشها بين إيديه بحنية متتوصفش، وبص في عينيها اللي بتسحره كل يوم أكتر:
“أنا اللي كنت ميت يا حور.. عايش في ضلمة وثلج لحد ما إنتي دخلتي مكتبي اليوم ده.. كنت فاكر إني اللي بحميكي، طلعتي إنتي اللي بتحييني من جديد.. إنتي وابننا ياسين الصغير.”
حور ضحكت بكسوف، ورفعت إيديها ولفتها حوالين رقبته:
“يعني مش ندمان إنك اتجوزتني؟”
ياسين قرب منها أكتر، وطبع بوسة طويلة مليانة عشق على جبينها، وقال بصوت مليان شغف:
“أنا ندمان على كل لحظة عشتها في عمري قبل ما أشوفك.. إنتي مش بس مرات ياسين الدمرداش.. إنتي نبض قلبه اللي مستحيل يقف.”
شالها بين إيديه فجأة، وهي ضحكت بصوت عالي ورنت ضحكتها في المكان المليان حب وأمان، ونسيت كل قسوة الأيام اللي فاتت، لأنها أخيراً لقت بيتها.. في حضن الجلاد.
تمت بحمد الله.
بقلم الكاتبه سهر محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *