استقلت من شغلي بعد ما بقيت المربية ببلاش لابن أخت جوزي المصاپ بالشلل الدماغي... وكل العيلة قالت إني أنانية، لحد ما اكتشفت السر الحقيقي اللي كان مخليهم مصرّين يسيبوه معايا أنا وبس! الجزء الأول اسمي فيروز. عندي تسعة وتلاتين سنة. ولمدة تقرب من سنة، كنت مقتنعة إن اللي بعمله واجب، وإن مساعدة العيلة حاجة ربنا هيجازيني عليها. لكن الحقيقة كانت مختلفة. أنا ماكنتش بساعدهم... أنا كنت بالنسبة لهم الحل الأرخص والأسهل. لما اتجوزت أحمد، كان دايمًا يحكيلي بفخر عن ابن أخته آدم. آدم عنده تسع سنين. ومن يوم ما اتولد وهو بيعاني من الشلل الدماغي. بيتحرك على كرسي متحرك، وبيحتاج جلسات علاج طبيعي باستمرار، وكمان محتاج مساعدة في معظم تفاصيل يومه. لكن رغم كل ده، كان طفل ذكي جدًا. بيعشق الفضاء. وكان ممكن يقعد بالساعات يكلمني عن الكواكب والنجوم، ويشرحلي معلومات عمري ما كنت أعرفها. وعمره ما كان هو المشكلة. المشكلة كانت دايمًا في الكبار. كل حاجة بدأت يوم ما أخت جوزي سمر أعلنت إنها اشتغلت في شركة كبيرة بدوام كامل. العيلة كلها فرحت بيها. وأنا كمان فرحت. افتكرت إنهم هيقسموا المسؤولية بينهم أو هيجيبوا ممرضة متخصصة تساعد آدم. لكن اللي حصل كان غير كده تمامًا. في يوم العصر، سمر وحماتي جم عندي البيت. حماتي كانت شايلة علبة جاتوه. وأحمد كان قاعد ساكت بشكل غريب. وده كان أول إنذار. ابتسمت سمر وقالت بصي يا فيروز... بما إن شغلك من البيت، فإحنا فكرنا إن آدم يقعد عندك كام أسبوع لحد ما ننظم نفسنا. سألتها كام أسبوع؟ قالت بسرعة مؤقت... والله مؤقت. وافقت. لأني كنت فاكرة إنها فترة بسيطة وهتخلص. في البداية، كانوا بيجيبوا آدم الصبح ويرجعوا ياخدوه العصر. بعدها بأيام، بقوا يجيبوه الساعة سبعة الصبح. وما يرجعش بيته غير الساعة تمنية أو تسعة بالليل. من غير حتى ما حد يسألني إذا كنت موافقة. وكأن الموضوع بقى حق مكتسب. العناية بآدم ماكنتش سهلة. كنت بساعده ياكل. وأغير وضعية جسمه كل شوية. وأعمل معاه التمارين اللي أوصى بيها الدكتور. وأقعد أهديه لما يحس بالإحباط أو يتعب. وفي نفس الوقت، كنت بحاول ألحق شغلي كجرافيك ديزاينر من البيت. أرد على العملاء. أخلص التصميمات. وأطبخ وأنضف وأغسل. بينما سمر كانت بتنزل صور من اجتماعات الشغل، والكورسات، والفطار مع زمايلها. أما حماتي، فكانت كل ما تقابل حد تقول بفخر الحمد لله إن فيروز فاضية. الكلمة دي كانت بتوجعني. لأن الحقيقة إني ماكنتش فاضية أبدًا. أنا كنت بغرق. في يوم، قلت لأحمد جالي شغل في شركة تصميم... وقررت أوافق. بصلي وقال أول سؤال طيب... وآدم؟ ولا سأل إذا كنت مبسوطة. ولا باركلي. كل اللي شاغله مين هيقعد مع آدم. قلتله بهدوء آدم عنده أم، وعنده أب، وعنده جدته، وعنده باقي العيلة... مش أنا بس. رد وقال بس إنتِ أهدى واحدة. ابتسمت بمرارة. وقلت لا... أنا بس أكتر واحدة ماكنتش بعرف أقول لأ. بعد أسبوعين بدأت شغلي الجديد. وأول ما عرفوا، الدنيا اتقلبت. حماتي قالت إني أنانية. وسمر فضلت ټعيط وتقول إني هضيع مستقبلها. وفي عزومة عائلية، واحد من قرايب أحمد قال العيلة لازم تضحي لبعض. بصيتله وسألته حضرتك قعدت مع آدم كام يوم السنة دي؟ سكت. وماردش. أول يوم في شغلي، محدش جاب آدم. افتكرت إنهم أخيرًا لقوا حل. لكن أول ما خرجت من الشركة، لقيت موبايلي مليان مكالمات. أحمد كان بيزعق. بسببك سمر اضطرت تغيب من الشغل! قلت بهدوء وأبوه؟ كان عنده اجتماع. وحماتك؟ كانت عند الدكتور. وإنت؟ سكت. وبعدين قال أنا كمان بشتغل. ابتسمت وقلت وأنا كمان. الغريب إن بعد أسابيع قليلة، كل واحد في العيلة عرف يشارك. أبو آدم بقى يقلل اجتماعاته. والجدة غيرت مواعيدها. وخاله بقى يوصله جلسات العلاج. وبنت عمه بقت تقعد معاه يومين كل أسبوع. ساعتها عرفت الحقيقة. الحلول كانت موجودة من البداية. بس كان أسهل لهم يحطوا كل الحمل على كتفي. افتكرت إن الموضوع انتهى. لكن في مساء هادئ، موبايلي رن. كان آدم. قال بصوت مرتبك طنط فيروز... أنا لقيت ملف عليه اسمك. اتوترت وسألته فين؟ قال في درج المكتب... وماما قالتلي ماقربلوش. طلبت منه مايلمسش أي حاجة. وبالليل رحت بيت سمر بحجة إني هرجعلها كام كتاب. وأول ما دخلت، آدم بصلي وأشار بعينه ناحية المكتب. استغليت إن سمر دخلت المطبخ. وفتحت الدرج. ولقيت ملف أزرق. مكتوب عليه اسمي. فتحته بسرعة. لكن اللي شوفته خلّى الډم يتجمد في عروقي. كان طلب رسمي بيخليني الوصية القانونية البديلة على آدم لو حصل أي حاجة لوالديه. المصېبة ما كانتش في الورق. المصېبة إن آخر صفحة كان عليها توقيع باسمي. توقيع مزور. أنا عمري ما مضيت على الورق ده. وفي اللحظة دي سمعت صوت سمر ورايا. قالت بهدوء غريب عرفتي الحقيقة. لفيت أبصلها. ماكانش باين عليها الخۏف. كان باين عليها الاستسلام. قالت وهي دموعها بتنزل والله ما كنا عايزين نوصّلها لكده... بس جوزي مريض بمرض خطېر، ولسه محدش يعرف. ولو حصله حاجة، آدم هيتحمل ديون بالملايين، ومفيش غير حل واحد... حد يبقى مسؤول عنه قانونيًا قبل آخر الشهر. اتسمرت مكاني. لكن كان في سؤال واحد بيلف في دماغي... لو هما زوّروا إمضتي مرة... إيه اللي يمنعهم يكونوا مخبيين عني مصايب أكبر بكتير؟ يتبع في الجزء الثاني... الجزء الثاني بصيت لسمر.. وعيني كانت متمسمرة على الورقة المزور عليها إمضتي. الورقة دي مش مجرد توقيع مسروق، دي وثيقة كانت ممكن ترميني في شقاوة عمر ومشاكل قضائية ملهاش أول من آخر. دموع سمر اللي كانت نازلة ما هزتنيش، بالعكس.. برودي زاد، وحسيت بڼار باردة بتسري في جسمي. سألتها بصوت واطي بس حاد ديون إيه بالملايين دي يا سمر؟ وإيه علاقة آدم بكل ده؟ سمر قعدت على كرسي المكتب وهي ماسكة راسها بإيديها الاثنين، وقالت بصوت مكسور جوزي.. طارق.. من سنة تقريبا دخل في مشاريع عقارية كبيرة مع ناس شكلهم مش مظبوط. أخد قروض بضمان أملاكنا وبضمان شهادات آدم البنكية اللي ورثها عن جده.. ودلوقتي المشروع خسر، وعليهم مطالبات قضائية بالملايين، وفلوس الناس دي مفيهاش هزار.. دول ممكن ياخدوا بيتنا ويمشوا في إجراءات تحصيل حتى على أموال القُصَّر لو ملقوش حد يتحمل المسؤولية القانونية أو يشيل الشيلة. قلت وأنا حاسة إن الهوا بيقل حواليا وعشان كده كنتوا عايزين ترموني أنا في الواجهة؟ تخلوني الوصية القانونية، عشان لما الطوفان ييجي، الديون والمسؤولية والپهدلة تلبس فيروز الهبلة اللي ما بتعرف تقول لا؟ ردت بصوت كله رجا والله ما كنا هنسيبك ټتأذي.. كنا هنعمل محامين.. بس المهم في الوقت الحالي إن حد تاني غيرنا يكون هو الوصي عشان المحاكم والشرطة والناس دي تبعد عننا شوية لحد ما نسلك نفسنا! ضحكت بمرارة لدرجة إن آدم اللي كان واقف بعيد بكرسيه خاف من صوت ضحكتي وجه بص لي بعيون مليانة حيرة وخوف. قربت من آدم، وطوطت على ركبتي قدامه، ومسحت على شعره بحنان. آدم بصلي وقال بصوت مهزوز طنط فيروز.. هو أنا عملت حاجة غلط؟ أنا آسف إني فتحت الدرج.. بس لقيت اسمك فافتكرت إن في حاجة تخصك. حضنته وبوسته في راسه، وقلت إنت مَعملتش أي حاجة غلط يا آدم.. إنت أذكى وأطهر واحد في العيلة دي كلها. قمت وقفت قدام سمر، وسحبت الورقة من ايديها قطعتها شرايط قدام عينيها، ورزعتها على المكتب وقلت الورقة دي باطلة، ولو فكرتوا تعملوا حركة تانية من ورايا، أنا مش هكتفي بقطع الورق.. أنا هبلغ البوليس بتزوير إمضاء، ومش هيهمني عيلة ولا خوّة ولا أصل. سبتهم وخرجت من الشقة وأنا أعصابي تالفة. رجعت بيتي، قفلت الباب، وقعدت على الأرض أعيط من قلة الحيلة والغدر اللي شفته من ناس كنت بعتبرهم أهلي. أحمد جوزي رجع البيت متأخر بالليل. دخل ولقاني قاعدة في الظلمة من غير ما أولع النور. سألني بقلق مصطنع مالك يا فيروز؟ قاعدة كده ليه؟ بصيتله نظرة حسيت إنه انكمش فيها، وقبل ما ينطق بكلمة قلتله إنت كنت عارف بموضوع التوقيع المزور والديون؟ أحمد اتلون وابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مرتبكة موضوع إيه.. سمر كلمتك؟ بصي يا فيروز.. العيلة في ورطة.. وإحنا.. إحنا أهل لازم نوقف جنب بعض. وقفت قدامه وضړبت كف بكف وقلت توقفوا جنب بعض بالسړقة والتزوير؟ تبيعوني عشان تنقذوا نفسكوا؟ طلقني يا أحمد. الكلمة طلعت من بوقي كأنها طلقة رصاص في مكان هادي. أحمد اتخض وقال طلاق إيه وبنانة إيه! إنتِ اټجننتي؟ عشان شوية مشاكل عائلية تفركشي بيتنا؟ بيتنا؟ أي بيت ده اللي بتقول عليه؟ بيت قايم على الكدب والخداع واستغلال طيبتي؟ لا يا أحمد، البيوت اللي زي دي بتتهد أسهل ما بتتني.. ولملم هدومك واطلع من بيتي النهاردة قبل بكره، لأني هرفع قضية خلع وتزوير كمان. سبته واقف مذهول ومش مصدق إن الطيبة اللي استغلها سنين اتحولت لبركان بېحرق كل اللي قدامه. مرت أسابيع صعبة جداً. أحمد خرج من البيت وراح قعد عند أهله، وطبعاً الدنيا قامت وقعدت. حماتي بقت تيجي تقف قدام باب الشقة ټشتم وتزعق وتقول إني خرابّة بيوت وباردة وما عنديش ډم عشان سيبت ابنها في ظروفه. وسمر حاولت تكلمني كذا مرة بس كنت بقفل السكة في وشها. أنا استمرت في شغلي الجديد، وكنت ببني حياتي من أول وجديد، بعيد عن سم العيلة واستغلالهم. لحد ما في يوم، وأنا قاعدة بخلص تصميم على اللاب توب، جالي رقم غريب على الواتساب. فتحت الرسالة.. وكانت عبارة عن صورة ملتقطة من كاميرا مراقبة قديمة لشارعنا. وفي الصورة.. راجل غريب واقف قدام باب بيتي.. وماسك في إيده حاجة غريبة. وتحت الصورة رسالة نصية قصيرة بتقول المرة دي صورنا باب بيتك.. المرة الجاية هندخل جوه.. وقولي لطارق وسمر يدفعوا اللي عليهم، ولا تصلي على نفسك صلاة الچنازة يا شاطرة! قلبي وقف بين ضلوعي. المش الموضوع مبقاش مجرد ديون عادية وفلوس ومحاكم.. الموضوع دخل في سكة عصابات وناس بتطارد طارق وسمر، وأنا اللي بقيت في وش المدفع لأنهم فاكرين إني لسه على ارتباط بالعيلة دي أو إني الوصية فعلاً! مسكت موبايلي واتصلت ب سمر بسرعة. رنت مرتين وتلاتة لحد ما ردت بصوت مړعوپ وعياط هيستيري ألو.. الحقيني يا فيروز.. هما جم البيت عندنا! بصوت كله ڠضب صړخت فيها هم مين دول؟ وفين آدم؟ آدم فين يا سمر؟! قالت وهي بتنهج بدموع آدم.. آدم مش في البيت.. ختوه.. خدوا ابني يا فيروز! الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. ابن أخت جوزي.. الطفل البريء اللي كان بيقعد يكلمني عن النجوم والفضاء.. اتخطف بسبب طمع أبوهم وديونه! قلت لها بحزم وأنا بمصح دموعي اللي نزلت ڠصب عني اقفلي.. اقفلي ومتتحركيش من مكانك.. أنا جاية حالا، والمرة دي أنا اللي هخلص الموضوع ده بطريقتي! لبست هدومي بسرعة، ونزلت وانا مش خاېفة من حاجة خلاص.. اللي خسر كل حاجة مابقش عنده ما يخافه. بس وأنا راكبة العربية ورايحة على بيت سمر، كنت أعرف كويس إن اللعبة اتغيرت، وإن اللي جاي أكبر بكتير مما تتخيل العيلة دي كلها. يتبع في الجزء الثالث... متابعة القراءة الصفحة 1من 3 صفحة الصفحة 2 شارك قصص قصيرة المزيد